البحث الدلالي
أما دلالة الحديث التي فيها مؤاخذات على الخليفة أبي بكر، من كشف بيت فاطمة&، وحرق الفجاءة السلمي، وتردده في سؤال رسول الله في أمر الخلافة، وتردده في سؤاله @ عن ميراث ابنة الأخ، فهذا كاشف عن أن الخليفة نادم على جملة أمور، ودّ لو لم يفعلها، وأمور ودّ أنّه فعلها، لتغيّرت مجرى الأحداث في السقيفة وفي غيرها، وكذلك بعض الأمنيات تمناها الخليفة كاشفة عن عدم إدراكه للواقع، كحرقه للسلمي، وكذلك جهله بميراث ابنة الأخ والعمة.
والذي يهمنا هو كشفه لبيت فاطمة& الذي أقر نفسه بهذا الفعل, وإقرار العقلاء على أنفسهم جائز, فثبت بذلك صدق هذا الفعل.
ابن تيمية يعترف بكبس بيت فاطمة&
قال ابن تيمية في منهاج السنة: >وغاية ما يقال إنه كبس البيت لينظر هل فيه شيء من مال الله الذي يقسمه وأن يعطيه لمستحقه، ثم رأى أنه لو تركه لهم لجاز؛ فإنه يجوز أن يعطيهم من مال الفيء وأما إقدامه عليهم أنفسهم بأذى فهذا ما وقع فيه قط باتفاق أهل العلم والدين..< ().
نقول: ابن تيمية اعترف ضمناً بأن البيت قد كبس وهذا كاف في صدق ما روي في الجملة.
أما كلامه الآخر فهو مجرد عصبية ليس إلا, فهل الزهراء عليها السلام تركت في بيتها أموالاً لم تعط للمستحق, وهل كان بيتها مستودعاً لهذه الأموال, وما هي ماهية تلك الأموال ؟ ومتى جُمعت؟ ومتى وضعت في بيت علي عليه السلام؟ فلم يحدثنا التأريخ أن علياً وأهل بيته جمعوا أمولاً لهم فضلاً عن أن تكون للمسلمين.
أليس هو القائل: >يا دنيا إليك عني، أبي تعرضت، أم إلي تشوقت: لا حان حينك هيهات غري غيري. لا حاجة لي فيك قد طلقتك ثلاثا لا رجعة فيها<().
ألم يرو أحمد في فضائل الصحابة: >ثم قدم عليه مال من أصبهان فقال هلموا إلى عطاء الرابع فخذوا، ثم كنس بيت المال وصلى فيه ركعتين وقال يا دنيا غري غيري<().
حسن بن فرحان المالكي يعترف بمداهمة بيت فاطمة&
لذا جاء اعتراف الشيخ المنصف حسن بن فرحان المالكي (الأستاذ والباحث التربوي بإدارة تعليم الرياض في المملكة العربية السعودية) بمداهمة بيت الزهراء عليها السلام, قال:
>ولكن حزب علي كان أقل عند بيعة عمر منه عند بيعة أبي بكر الصديق نظراً لتفرقهم الأول عن علي بسبب مداهمة بيت فاطمة في أول عهد أبي بكر، وإكراه بعض الصحابة الذين كانوا مع علي على بيعة أبي بكر، فكانت لهذه الخصومة والمداهمة, وهي ثابتة بأسانيد صحيحة وذكرى مؤلمة لا يحبون تكرارها.
ثم ذكر في الهامش: كنت أظن المداهمة مكذوبة لا تصح حتى وجدت لها أسانيد قوية منها ما أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف<([4]).
إذن حري بطالب الحقيقة مراجعة هذه الرواية والتأمل فيها ملياً، ليدرك ويعي تلك الحقبة التاريخية، وما جرى فيها من أحداث، وخاصة ما أقدم عليه أصحاب السقيفة الذين تركوا رسول الله@ بيد علي$ يجهزه ويغسّله، وذهبوا إلى سقيفة بني ساعدة ليتقاسموا الإمارة والخلافة.
قال الدمشقية: على أن ابن أبي شيبة قد أورد رواية أخرى من طريق محمد بن بشر، نا عبيد الله بن عمر حدثنا زيد بن أسلم عن أبيه (أسلم): أنه حين بويع لأبي بكر بعد رسول الله (ص) كان علي والزبير يدخلان على فاطمة بنت رسول الله (ص)، فيشاورونها ويرتجعون في أمرهم، فلما بلغ ذلك عمر بن الخطاب خرج حتى دخل على فاطمة، فقال: يا بنت رسول الله (ص)، والله، ما من أحد أحب إلينا من أبيك وما من أحد أحب إلينا بعد أبيك منك وايم الله، ما ذاك بمانعي إن اجتمع هؤلاء النفر عندك إن أمرتهم أن يحرق عليهم البيت، قال: فلما خرج عمر جاؤوها، فقالت: تعلمون أن عمر قد جاءني وقد حلف بالله لئن عدتم ليحرقنّ عليكم البيت وايم الله، ليمضينّ لما حلف عليه، فانصرفوا راشدين فروا رأيكم ولا ترجعوا إليّ، فانصرفوا عنها، فلم يرجعوا إليها حتى بايعوا لأبي بكر» (المصنف 7/432 ترجمة37045).
قلت: وهذه رواية منقطعة؛ لأن زيد بن أسلم كان يرسل، وأحاديثه عن عمر منقطعة كما صرّح به الحافظ ابن حجر (تقريب التهذيب رقم2117) كذلك الشيخ الألباني (إزالة الدهش37 ومعجم أسامي الرواة الذين ترجم لهم الألباني2/73).
ولئن احتججتم بهذه الرواية أبطلتم اعتقادكم بحصول التحريق إلى التهديد بالتحريق. وأبطلتم اعتقادكم بأن علياً لم يبايع؛ لأن هذه الرواية تقول: فلم يرجعوا إلى فاطمة حتى بايعوا أبا بكر. (انتهى).
نقول: شبهة الإرسال منتفية؛ لأن الراوي لها ليس زيد بن أسلم، بل الراوي (أبوه) أسلم وهو يروي عن عمر بن الخطاب، وهو مولى له، ولك أن تراجع الذهبي في تذكرة الحفاظ([5])، ليتضح لكم صدق قولنا.
قاعدة يقررها ابن حجر
ثم إنّ ابن حجر العسقلاني ذكر مورداً يشابه ما نحن فيه، وهو أن حكم الإرسال بالقطع- على فرض أن هذه الرواية مرسلة - يأخذ حكم الاتصال، وتصحح الرواية؛ وذلك لوجود قرينة وهي نفس نقله (أي أسلم) لمجريات هذه الأحداث، وهذا كاشف عن أن الذي حدّثه بها هو(عمر)، وعليه فالرواية تكون متصلة وصحيحة.
وهذا الكلام نقله ابن حجر يعترض فيها على الدار القطني الذي حكم على رواية من صحيح البخاري بالإرسال، وهي عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر (لاحظ أن السند أيضاً عن زيد بن أسلم عن أبيه).
قال ابن حجر في فتح الباري:> قال الدار قطني: أخرج البخاري عن القعنبي وعبد الله بن يوسف وغيرهما عن مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسير وعمر معه (الحديث). في نزول سورة الفتح مرسلاً.
قلت: بل ظاهر رواية البخاري الوصل؛ فإن أوله (أي السند) وإن كان صورته صورة المرسل، فإن بعده ما يصرح بأن الحديث لأسلم عن عمر؛ ففيه بعد قوله: فسأله عمر عن شيء فلم يجبه، فقال عمر: نزرت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات كل ذلك لا يجيبك، قال عمر: فحركت بعيري ثم تقدمت أمام الناس، وخشيت أن ينزل فيّ قرآن، وساق الحديث على هذه الصورة حاكياً لمعظم القصة عن عمر، فكيف يكون مرسلاً؟ هذا من العجب والله أعلم< (انتهى كلام ابن حجر)().
إذن فالكلام هو الكلام؛ لأنّ روايتنا التي نقلها أسلم كان يتحدث فيها عن وقائع عاشها مع مولاه عمر بن الخطاب، وإنّ لم يكن المتحدث هو عمر، وعليه فالرواية تأخذ حكم الاتصال وليست مرسلة.
ترجمة السند
ورجال هذا السند فجميعهم من الحفاظ الثقات.
1ـ محمد بن بشر: ابن الفرافصة بن المختار العبدي، أبو عبد الله الكوفي الطبقة التاسعة من صغار أتباع التابعين روى له (البخاري ومسلم و أبو داود و الترمذي والنسائي و ابن ماجه) قال الذهبي: الثبت، قال أبو داود: هو أحفظ من كان بالكوفة()، وقال ابن حجر: ثقة حافظ().
2ـ وأما عبيد الله بن عمر: ابن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب القرشي العدوى،قال الذهبي الفقيه الثبت، وقال ابن حجر ثقة ثبت().
3ـ وأما زيد بن أسلم القرشي العدوي، أبو أسامة، و يقال أبو عبد الله، المدني الفقيه، مولى عمر بن الخطاب.
قال الذهبي: الفقيه وقال ابن حجر: ثقة عالم().
4ـ وأما أسلم القرشي العدوى، أبو خالد و يقال أبو زيد، المدني، مولى عمر بن الخطاب (والد زيد بن أسلم، و خالد بن أسلم) من الطبقة الثانية وهو من كبار التابعين،روى له: البخاري و مسلم وأبو داود والترمذي و النسائي وابن ماجة، قال العجلي: ثقة من كبار التابعين وقال أبو زرعة: ثقة() وقال ابن حجر العسقلاني: ثقة مخضرم().
إذن فالسند صحيح ومعتبر.
وقولكم: (أبطلتم اعتقادكم بحصول التحريق إلى التهديد بالتحريق)
نقول: إنّ الروايات اختلفت مضامينها تارة تنقل لنا صيغ الحرق، وتارة التهديد وغيرها، ولكنها تتفق على أن هذا الفعل قد تجرأ عليه القوم وكشفوا بيت فاطمة&، والرواية الأولى صحيحة السند وصريحة في ذلك، كما تقرر آنفاً.
وإن قلتم: إنّكم وقعتم في التعارض، فنقول له:
أولاً: يكفي تحقق أحد هذه الأُمور ـ أعني التهديد بالإحراق، أو الإتيان بالنار أو الحطب ـ في الطعن على فاعله، كيف لا يبالون بالتعدي على بيت يُعدّ من بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، ولماذا لا يهتمّون بتهديد من يغضب الله لغضبها ويرضى لرضاها، ومن آذاها فقد آذى الله.
ثانياً: هل يترقب أن تحكى لنا القضية بتمامها من الذين أُشرب في قلوبهم حبّ الهيئة الحاكمة والظالمين للعترة الطاهرة#؟! مع ما هناك من تعتيم إعلامي وتحريف وخوف ورغبة، كلاّ! وقديماً قالوا: حبّ الشيء يعمي ويصمّ.
نعم، قد جرى على ألسنة بعضهم وسقط عن أقلام آخرين ما يكفي لطالب الحق ويقبله المنصف، ولكن مع ذلك لا يقدرون على إيراد القضية بتمامها؛ بل هناك دواعٍ شتى على إخفاء تلك الفضائح، كما نرى ذلك في كتاب (الأموال) عندما نقل رواية ندم أبي بكر لكشف بيت فاطمة&، قال:> فوددت أنّي لم أكن فعلت كذا وكذا<().
ثالثاً: يمكن أن يقال: إنّ كل واحد من الرواة نقل ما رآه بعينه ـ لاسيما مع شدة الزحام ـ وما كان عليه المهاجمون من الفظاظة والغلظة، فإن ذلك يمنع عن مشاهدة القضية بتمامها، فحكاية شيء منها لا تنفي سائر ما ذكر فيها، ويشهد لذلك: ما ورد من الآثار التي ذكر فيها تحقق إحراق الباب بعد ذكر التهديد أو إرادة الإحراق، والمراد: إنهم قصدوا إحراق البيت ومن فيه.. أي أمير المؤمنين والسيدة فاطمة الزهراء وأولادهم#، ولكنّهم لم يقدروا على ذلك أو لم يتحقق واقتصر على الباب مع قصد الجميع.
رابعاً: الذي ينظر بعين الإنصاف ويتحلّى بالموضوعية في روايات العامة التي تذكر تهديدهم السيدة فاطمة& بإحراق دارها، وروايات أُخرى عنهم تذكر الإتيان بالنار، وطائفة ثالثة تدل على جمعهم الحطب حول البيت، وطائفة رابعة على ضربها أو إسقاطها جنينها ثم يرى تواتر النصوص بدفنها ليلاً، وإيصائها بذلك لئلا يصلّي عليها الشيخان، وأنّها لم تزل غضبى عليهما إلى أن ماتت، بل بقي قبرها مخفياً إلى يومنا هذا بوصية منها، يحصل له العلم القطعي بتحقق الإحراق وسائر الجنايات.
وقولكم: أبطلتم اعتقادكم بأن علياً لم يبايع، لأن هذه الرواية تقول: فلم يرجعوا إلى فاطمة حتى بايعوا أبا بكر.
نقول: روى البخاري في صحيحه أنّ علياً$ لم يبايع في تلك الفترة التي أحرق فيها بيت فاطمة& قال:> حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أن فاطمة& بنت النبي صلى الله عليه وسلم أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله صلى الله عليه وسلم مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر، فقال أبو بكر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا نورث ما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد في هذا المال وإني والله لا أغير شيئاً من صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حالها التي كان عليها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأعملنَّ فيها بما عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك، فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت، وعاشت بعد النبي صلى الله عليه وسلم ستة أشهر فلمّا توفيت دفنها زوجها علي ليلاً ولم يؤذن بها أبا بكر وصلى عليها... ولم يكن يبايع تلك الأشهر<().
فهذه الرواية الصحيحة، والتي هي في أصح الكتب عندهم، تقرر أنّ علياً لم يبايع تلك الأشهر().
وبذلك يندفع ما قاله صاحب الشبهة من مبايعة علي$ لأبي بكر بعد هذه الحادثة؛ لأنّ رواية الصحيح مقدمة على غيرها؛ ولأنّه أصح كتاب عندهم بعد كتاب الله جل وعلا(). ولأنّ مبنى القوم هو تقديمه على غيره.
|