البحث السندي
أما نقاشه لسند الرواية، فغير تام؛ لأن الرواية صحيحة,كما سيتضح قريباً, وأما ما ادعاه من تضعيف (علوان بن داود البجلي)، والعلة هي أن الرجل (منكر الحديث) عن العقيلي والذهبي وابن حجر.
فيرد عليه:
أ- توثيق ابن حبان لعلوان (ابن داود البجلي)
الكاتب أغفل توثيق ابن حبان له، والأحرى به أن ينقل الموثقين بضميمة الجارحين إن سلمنا بكون ما ذكره جرحاً.
ولعل الكاتب يشكل علينا، بأنّ ابن حبان من المتساهلين في التوثيق. وهذا الإشكال مدفوع بثلاثة أمور:
الأمر الأول: بقول الذهبي في كتابه الموقظة.
قال: >ينبوع معرفة الثقات،تاريخ البخاري وابن أبي حاتم وابن حبان<().
فالذهبي يريد أن يقول: إن أردتم أن تميّزوا الرجل وتغربلوا الضعيف من الثقة، فأنا أرشدكم إلى هؤلاء، ومنهم ابن حبان؛ ولذا نجده عبّر عنه بالينبوع، وفي اللغة قالوا: إنّ الينبوع هو العين، أو الجدول الكثير الماء().
فالذهبي كنى عن كثرة إطلاعه بهذا العلم وغزارته فيه، فوصفه بهذا الوصف.
الأمر الثاني: أضف إلى ذلك أن ابن حبان معروف بالتشدد لا العكس، لذلك قال عنه الذهبي: >ابن حبان ربما قصب الثقة حتى كأنه لا يدري ما يخرج من رأسه<().
فمن كان قصاباً كما يقول الذهبي، فمن باب أولى أن نصدق بتوثيقاته.
الأمر الثالث: قال السيوطي في تدريب الراوي نقلاً عن الحازمي: >وما ذكر من تساهل ابن حبان ليس بصحيح، فإن غايته أن يسمي الحسن صحيحاً، فإن كانت نسبته إلى التساهل باعتبار وجدان الحسن في كتابه فهي مشاحةٌ في الاصطلاح، وإن كانت باعتبار خفة شروطه فإنه يخرج في الصحيح ما كان راويه ثقة غير مدلس... ولأجل هذا ربما اعترض عليه من جعلهم ثقات من لم يعرف حاله ولا اعتراض عليه، فإنه لا مشاحة في ذلك..<()
إذن ما قيل ويشاع من أن ابن حبان من المتساهلين، فهذه الدعوة هي فيها نوع من التساهل، وعليه فلا نستطيع أن نتعبد بها، وكلام الذهبي واضح في هذه المسألة.
ب: توثيق منكر الحديث
ليس بالضرورة أن يكون (منكر الحديث) ضعيفاً، فقد يطلق هذا المصطلح على (الثقة) أيضاً.
قال الحاكم: >قلت [للدار القطني]: فسليمان بن بنت شرحبيل قال: ثقة، قلت: أليس عنده مناكير؟ قال: يحدث بها عن قوم ضعفاء فأما هو، فهو ثقة<.
قال الذهبي في ميزان الاعتدال في ترجمة أحمد بن عتاب المروزي:
>ما كل من روى المناكير يضّعف<
وقال ابن حجر في لسان الميزان ترجمة الحسين بن الفضل البجلي:
>فلو كان كل من روى شيئاً منكراً استحق أن يذكر في الضعفاء لما سلم من المحدثين أحد< ().
البخاري يروي عن منكر الحديث
أضف إلى ذلك أن البخاري وهو إمام الصناعة عند القوم, قد خرّج في صحيحه ممن له هذه الصفة، ومعلوم أنّ الذي في الصحيح هو ممن جاز القنطرة. مع تحفظنا على هذا القفز!!
منهم:
1- حسان بن حسان وهو حسان بن أبي عباد البصري نزيل مكة, قال أبو حاتم منكر الحديث: قال ابن حجر، قلت: روى عنه البخاري ().
2- أحمد بن شبيب بن سعيد الحبطي: قال أبو الفتح الأزدي: منكر الحديث غير مرضى: روى عنه البخاري ().
3- عبد الرحمن بن شريح المغافري, قال ابن سعد: منكر الحديث(). ومع ذلك نجد أن البخاري يروي عنه().
4- داود بن الحصين المدني، قال الساجي: منكر الحديث متهم برأي الخوارج, ومع ذلك روى له البخاري في الصحيح().
حينئذ نسأل: كيف أن البخاري يصف علوان بن داود منكر الحديث ولا يمكن الاحتجاج به؛ ثم نجده هو يخرّج لمن له نفس هذه التهمة , فأما انه وقع تهافت في كلامه وهو سهوٌ منه, وإما أنه يرى أن منكر الحديث ليس بالضرورة أن يكون حديثه ساقطاً كما وضّحناه سابقاً, أو أنه يرى أنه يكتب حديثه ويحتج به؛ لأن ممن يكتب حديثه خرّج أيضاً له البخاري في الصحيح. والثاني هو الأقرب للصواب.
ج: قاعدة ابن عدي في مقدمة كتابه الكامل في الضعفاء
إن عبد لله بن عدي (ت / 365هـ)، وهو من كبار علماء الجرح والتعديل قرر قاعدة في كتابه (الكامل في الضعفاء) وألزم نفسه بها.
قال: >أنا ذاكر في كتابي هذا كل من ذُكر بضرب من الضعف ومن اختلف فيهم فجرحه البعض وعدّله البعض الآخر، ومرجح قول أحدهما مبلغ علمي من غير محاباة،... ولا يبقى من الرواة الذين لم أذكرهم، إلا من هو ثقة أو صدوق<().
وبما إننا لم نجد ترجمة لـ (علوان بن داود البجلي) في كتابه، فهذا يشكل، قرينة على أنّ الرجل موثق عنده.
إذن تهمة الضعف مردودة بما تقدم، وتوثيق ابن حبان والقرائن الأخرى شهادة كافية على وثاقته.
ترجمة السند
1ـ أما يونس بن عبد الأعلى فهو: ابن ميسرة بن حفص بن حيان الصدفي، أبو موسى المصري، من الطبقة العاشرة من كبار الآخذين عن تبع الأتباع، روى له مسلم والنسائي وابن ماجه، قال الذهبي: أحد الأئمة ثقة فقيه محدث مقرئ من العقلاء النبلاء. وقال ابن حجر: ثقة([16]).
2ـ وأما يحيى بن عبد الله فهو: ابن بكير القرشي المخزومي من الطبقة العاشرة من كبار الآخذين عن تبع الأتباع روى له البخاري ومسلم وابن ماجة، قال الذهبي: الحافظ صدوقاً واسع العلم مفتياً، وقال ابن حجر: ثقة في الليث. وقال أيضاً: وقال الخليلي كان ثقة، وتفرد عن مالك بأحاديث، وقال ابن قانع: مصري ثقة().
3ـ وأما الليث فهو: ابن سعد بن عبد الرحمن الفهمي، أبو الحارث المصري، من الطبقة السابعة من كبار أتباع التابعين، روى له البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي و النسائي وابن ماجه، قال الذهبي: الإمام، ثبت من نظراء مالك، وقال ابن حجر: ثقة ثبت فقيه إمام().
4ـ وأما علوان بن داود البجلي: فتبين مما تقدم انه موثق.
5ـ وأما صالح بن كيسان: روى له البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة.
وثقه الذهبي، قال: >ثقة جامع للفقه والحديث والمروءة، قال أحمد: هو أكبر من الزهري بخ بخ<().
وكذلك ابن حجر، قال: >ثقة ثبت فقيه<().
6ـ وأما عمر بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري، أبو حفص من الطبقة الثالثة من الوسطى من التابعين، روى له أبو داود، وثّقه ابن حبان()، وقال عنه ابن حجر: >إنّه مقبول<().
7ـ وأما عبد الرحمن بن عوف: فهو الصحابي المشهور. وعليه فالرواية صحيحة ولا غبار عليها.
تصحيح الضياء المقدسي لرواية أبي بكر
أضف إلى ذلك أن الرواية صححها الضياء المقدسي في المختارة كما تقدم, حيث قال معلقاً عليها: > هذا حديث حسن عن أبي بكر<.()
([14]) مقدمة فتح الباري: ص399.
|