المبحث الأول: شبهات الهجوم على منزل فاطمة وإحراق دارها
قال الدمشقية:
يقول لنا الرافضة: هل تنكرون التاريخ الذي ذكر:
• أنّ عائشة خرجت على إمام زمانها؟
• وأنّ عمر أحرق دار فاطمة؟
• وأنّ معاوية هو الذي دس السمّ للحسن بن علي؟
فنقول للرافضة: وهل تنكرون كتب التاريخ التي شهدت بوجود عبد الله بن سبأ اليهودي الذي رضي لكم الرفض ديناً؟
لو قلنا لهم ذلك لغضبوا، وقالوا: لم تثبت شخصية ابن سبأ، وكتب التاريخ تروي الغث والسمين، ولا يجوز أن تعتمدوا على كتب التاريخ من دون التثبت.
فانظر كيف يتناقض القوم. يجوز عندهم أن يحتجوا علينا حتى بقول الشاعر وقول المؤرخ ولو كان رافضياً، لكن لا يجوز لنا أن نحتج عليهم بمثل ذلك.
1ـ وددت أني لم أحرق بيت فاطمة.. (قول أبي بكر)
فيه علوان بن داود البجلي (لسان الميزان 4/218 ترجمة رقم 1357 – 5708 وميزان الاعتدال 3/108ترجمة 5763). قال البخاري وأبو سعيد بن يونس وابن حجر والذهبي: «منكر الحديث». وقال العقيلي (الضعفاء للعقيلي3/420)().
على أنّ ابن أبي شيبة قد أورد رواية أخرى من طريق محمد بن بشر، نا عبيد الله بن عمر حدثنا زيد بن أسلم عن أبيه أسلم: أنه حين بويع لأبي بكر بعد رسول الله (ص) كان علي والزبير يدخلان على فاطمة بنت رسول الله (ص)، فيشاورونها ويرتجعون في أمرهم، فلما بلغ ذلك عمر بن الخطاب خرج حتى دخل على فاطمة، فقال: يا بنت رسول الله (ص) والله، ما من أحد أحب إلينا من أبيك، وما من أحد أحب إلينا بعد أبيك منك وايم الله، ما ذاك بمانعي إن اجتمع هؤلاء النفر عندك إن أمرتهم أن يحرق عليهم البيت، قال: فلما خرج عمر جاؤوها، فقالت: تعلمون أنّ عمر قد جاءني، وقد حلف بالله لئن عدتم ليحرقن عليكم البيت وايم الله، ليمضينّ لما حلف عليه، فانصرفوا راشدين فروا رأيكم ولا ترجعوا إليّ، فانصرفوا عنها، فلم يرجعوا إليها حتى بايعوا لأبي بكر» (المصنف 7/432 ترجمة37045).
قلت: وهذه رواية منقطعة؛ لأنّ زيد بن أسلم كان يرسل، وأحاديثه عن عمر منقطعة، كما صرح به الحافظ ابن حجر (تقريب التهذيب رقم2117) كذلك الشيخ الألباني (إزالة الدهش37 ومعجم أسامي الرواة الذين ترجم لهم الألباني2/73).
ولئن احتججتم بهذه الرواية أبطلتم اعتقادكم بحصول التحريق إلى التهديد بالتحريق. وأبطلتم اعتقادكم بأنّ علياً لم يبايع؛ لأنّ هذه الرواية تقول: فلم يرجعوا إلى فاطمة حتى بايعوا أبا بكر.
2ـ >حدثنا ابن حميد قال حدثنا جرير عن مغيرة عن زياد بن كليب قال: أتى عمر بن الخطاب منزل علي وفيه طلحة والزبير ورجال من المهاجرين، فقال: والله لأحرقنَّ عليكم أو لتخرجنّ إلى البيعة، فخرج عليه الزبير مصلتاً السيف فعثر، فسقط السيف من يده، فوثبوا عليه فأخذوه< (تاريخ الطبري2/233).
في الرواية آفات وعلل منها:
جرير بن حازم: وهو صدوق يهم وقد اختلط، كما صرح به أبو داود والبخاري في التاريخ الكبير (2/2234).
المغيرة: وهو ابن المقسم. ثقة إلا أنه كان يرسل في أحاديثه لا سيما عن إبراهيم. ذكره الحافظ ابن حجر في المرتبة الثالثة من المدلسين، وهي المرتبة التي لا يقبل فيها حديث الراوي إلا إذا صرح بالسماع.
3ـ أحمد بن يحيى البغدادي، المعروف بالبلاذري، وهو من كبار محدثيكم، المتوفى (سنة 279هـ)، روى في كتابه أنساب الأشراف 1/586. عن سليمان التيمي، وعن ابن عون: أنّ أبا بكر أرسل إلى علي$، يريد البيعة، فلم يبايع. فجاء عمر ومعه فتيلة ـ أي شعلة نار ـ فتلقته فاطمة على الباب، فقالت فاطمة: يا بن الخطاب! أتراك محرقاً عليّ بابي؟ قال:نعم، وذلك أقوى فيما جاء به أبوك!
هذا إسناد منقطع من طرفه الأول ومن طرفه الآخر. فإن سليمان التيمي تابعي والبلاذري متأخر عنه فكيف يروي عنه، مباشرة بدون راو وسيط؟ وأما ابن عون فهو تابعي متأخر وبينه وبين أبي بكر انقطاع.
فيه علتان:
أولاً: جهالة مسلمة بن محارب. ذكره ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل8/266) ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، ولم أجد من وثقه أو ذمه.
ثانياً: الانقطاع الكبير من ابن عون وهو: عبد الله بن عون توفي سنة 152 هجرية، ولم يسمع حتى من أنس- والصديق من باب أولى- الحادثة مع التذكير بأنّ الحادثة وقعت في السنة الحادية عشر[ عشرة] من الهجرة.
وكذلك سليمان التيمي لم يدرك الصديق، توفي سنة 143 هجرية.
4ـ روى ابن خذابة في كتابه " الغدر" عن زيد بن أسلم قال: كنت من حمل الحطب مع عمر إلى باب فاطمة حين امتنع علي وأصحابه من البيعة، فقال عمر لفاطمة: أخرجي كل من في البيت أو لأحرقنّه ومن فيه!
قال: وكان في البيت علي وفاطمة والحسن والحسين وجماعة من أصحاب النبي (ص).
فقالت فاطمة: أفتحرق عليّ ولدي!!
فقال عمر: إي والله، أو ليخرجنّ وليبايعنّ!!
لم يتمكن طارح هذه الشبهات من ضبط اسم المنقول عنه، ولا ضبط اسم كتابه.
فهذا المؤلف مختلف في ضبط اسمه، فمنهم من ضبطه باسم (ابن خنزابة) ومنهم باسم (ابن خذابة) ومنهم (خرداذبة) ومنهم (ابن جيرانه) ومنهم (ابن خيرانة) ورجح محقق البحار أنه ابن (خنزابة).
ولكن ضبطه الزركلي في (الأعلام2/126) باسم (ابن حنزابة جعفر بن الفضل بن جعفر) توفي (391 هـ).
أما كتابه فهو كتاب الغرر وليس كتاب الغدر. (28/339). ومنهم من ضبطه باسم (العذر).
وهذا إن دلّ على شيء، فإنما يدل على أن الدليل عند الرافضة يقوم بوجود ذكر للرواية في أي كتاب كان.
5ـ ابن عبد ربه في العقد الفريد 2/ 205 ط المطبعة الأزهرية، سنة 1321هجرية، قال: الذين تخلفوا عن بيعة أبي بكر، علي، والعباس، والزبير، وسعد بن عبادة.
فأما علي والعباس والزبير فقعدوا في بيت فاطمة، حتى بعث إليهم أبو بكر عمر بن الخطاب ليخرجهم من بيت فاطمة، وقال له: إن أبوا فقاتلهم!
فأقبل بقبس من نار على أن يضرم عليهم الدار، فلقيته فاطمة، فقالت: يا بن الخطاب، أجئت لتحرق دارنا؟!
قال: نعم، أو تدخلوا فيما دخلت فيه الأمة!!
أولاً: ابن عبد ربه عند الرافضة من أعيان المعتزلة. (الطرائف لابن طاووس الحسني ص239). والرافضة() من أضل هذه الأمة. وبهم ضل الرافضة.
ثانياً: أنه كان مشهوراً بالنصب أيضاً، فإنه كان يعتقد أن الخلفاء أربعة آخرهم معاوية. ولم يدرج علي بن أبي طالب من جملة الخلفاء (الأعلام للزركلي1/207) ومثل هذا نصب عند أهل السنة.
ثالثاً: كتابه كتاب في الأدب. يا من عجزتم عن أن تجدوا شيئاً من كتب السنة.
لقد عجز الرافضة أن يجدوا رواية في كتب السنن والحديث، ولو وجدوا لما اضطروا إلى الاحتجاج علينا بالمعتزلة.
6ـ محمد بن جرير الطبري في تاريخه 3/203 وما بعدها، قال: دعا عمر بالحطب والنار وقال: لتخرجنّ إلى البيعة أو لأحرقنّها على من فيها. فقالوا له: إن فيها فاطمة! قال: وإن!!
مسكين هذا الناقل ذو الجهل المركب، حاطب الليل. فإن هذه الرواية لا وجود لها في تاريخ الطبري بهذا اللفظ.
وإنما هو في كتاب الإمامة والسياسة، منسوب ومنحول على ابن قتيبة. وهذا الكتاب لم يثبت له لأسباب منها:
• إنّ الذين ترجموا لابن قتيبة لم يذكر واحد منهم أنه ألّف كتاباً يُدعى: الإمامة والسياسة.
• إن مؤلف الكتاب يروي عن ابن أبي ليلى بشكل يشعر بالتلقي عنه، وابن أبي ليلى هذا: هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه قاضي الكوفة توفى (سنة 148هـ)، والمعروف أن ابن قتيبة لم يولد إلا (سنة 213هـ)، أي بعد وفاة ابن أبي ليلى بخمسة وستين عاماً.
• إن الكتاب يشعر أن ابن قتيبة أقام في دمشق والمغرب، في حين أنه لم يخرج من بغداد إلاّ إلى دينور.
7ـ ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 2/56 روى عن أبي بكر الجوهري، فقال: قال أبو بكر: وقد روي في رواية أخرى أن سعد بن أبي وقاص كان معهم في بيت فاطمة&، والمقداد بن الأسود أيضا، وأنهم اجتمعوا على أن يبايعوا علياً $، فأتاهم عمر ليحرق عليهم البيت، وخرجت فاطمة تبكي وتصيح.. إلى آخره.
وفي صفحة (57): قال أبو بكر: وحدثنا عمر بن شبة بسنده عن الشعبي، قال: سأل أبو بكر فقال: أين الزبير؟! فقيل عند علي وقد تقلد سيفه.
فقال: قم يا عمر! قم يا خالد بن الوليد! انطلقا حتى تأتياني بهما.
فانطلقا، فدخل عمر، وقام خالد على باب البيت من خارج، فقال عمر للزبير: ما هذا السيف؟ فقال: نبايع علياً. فاخترطه عمر فضرب به حجراً فكسره، ثم أخذ بيد الزبير فأقامه ثم دفعه وقال: يا خالد، دونكه فأمسكه ثم قال لعلي: قم فبايع لأبي بكر! فأبى أن يقوم، فحمله ودفعه كما دفع الزبير فأخرجه، ورأت فاطمة ما صنع بهما، فقامت على باب الحجرة وقالت: يا أبا بكر، ما أسرع ما أغرتم على أهل بيت رسول الله، والله لا أكلم عمر حتى ألقى الله.
وقال ابن الحديد في صفحة (59 و60): فأما امتناع علي$ من البيعة حتى أخرج على الوجه الذي أخرج عليه. فقد ذكره المحدثون ورواه أهل السير، وقد ذكرنا ما قاله الجوهري في هذا الباب، وهو من رجال الحديث ومن الثقات المأمونين، وقد ذكر غيره من هذا النحو ما لا يحصى كثرة.
الجواب: ابن أبي الحديد رافضي حجة على رافضي مثله لا علينا. قال الخونساري: «هو عز الدين عبد الحميد بن أبي الحسن بن أبي الحديد المدائني >صاحب شرح نهج البلاغة، المشهور< هو من أكابر الفضلاء المتتبعين، وأعاظم النبلاء المتبحرين موالياً لأهل بيت العصمة والطهارة.. وحسب الدلالة على علو منزلته في الدين وغلّوه في ولاية أمير المؤمنين$، شرحه الشريف الجامع لكل نفيسة وغريب، والحاوي لكل نافحة ذات طيب.. كان مولده في غرة ذي الحجة (586هـ)، فمن تصانيفه "شرح نهج البلاغة" عشرين مجلداً، صنفه لخزانة كتب الوزير مؤيد الدين محمد بن العلقمي، ولما فرغ من تصنيفه أنفذه على يد أخيه موفق الدين أبي المعالي، فبعث له مائة ألف دينار، وخلعة سنية، وفرساً» (روضات الجنات5/20-21 وانظر الكنى والألقاب للقمي1/185 الذريعة- آغا بزرك الطهراني41/158).
8ـ مسلم بن قتيبة بن عمرو الباهلي، المتوفى سنة (276هـ) هجرية، وهو من كبار علمائكم له كتب قيمة منها كتاب >الإمامة والسياسة< يروي في أوله قضية السقيفة بالتفصيل، ذكر في صفحة
13، قال: إن أبا بكر تفقد قوماً تخلفوا عن بيعته عند علي (كرم الله وجهه) فبعث إليهم عمر، فجاء فناداهم وهم في دار علي، فأبوا أن يخرجوا، فدعا بالحطب وقال: والذي نفس عمر بيده لتخرجنّ أو لأحرقنّها على من فيها.
فقيل له: يا أبا حفص! إن فيها فاطمة! فقال: وإن!.... إلى آخره.
تقدم أن كتاب الإمامة والسياسة منسوب ومنحول على ابن قتيبة. وهذا الكتاب لم يثبت له لأسباب منها.
• إن الذين ترجموا لابن قتيبة لم يذكر واحد منهم أنه ألّف كتاباً يُدعى الإمامة والسياسة.
• إن مؤلف الكتاب يروي عن ابن أبي ليلى بشكل يشعر بالتلقي عنه، وابن أبي ليلى هذا هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه قاضي الكوفة توفى سنة (148هـ)، والمعروف إن ابن قتيبة لم يولد إلا سنة (213هـ) أي بعد وفاة ابن أبي ليلى بخمسة وستين عاماً.
• إن الكتاب يشعر أن ابن قتيبة أقام في دمشق والمغرب في حين أنه لم يخرج من بغداد إلا إلى دينور.
9ـ أبو الوليد محب الدين بن شحنة الحنفي المتوفى سنة (815هـ)، وهو من كبار علمائكم، وكان قاضي حلب، له تاريخ >روضة المناظـر في أخبار الأوائل والأواخر< ذكر فيه موضوع السقيفة، فقال: جاء عمر إلى بيت علي بن أبي طالب ليحرقه على من فيه. فلقيته فاطمة، فقال عمر: ادخلوا فيما دخلت الأمة... إلى آخره.
10ـ ذكر بعض الشعراء المعاصرين قصيدة يمدح فيها عمر بن الخطاب، وهو حافظ إبراهيم المصري المعروف بشاعر النيل، قال في قصيدته العمرية:
وقولــة لعـلي قالـها عمـر حرقت دارك لا أبـقي عليك بها ما كان غير أبي حفص يفوه بها
|
|
أكرم بـسامعها أعظم بـمـلـقيها إن لم تبايع وبـنت المصطفى فيــها أمام فـارس عــدنان وحـاميها
|
وهكذا يحتج الرافضة بحافظ إبراهيم، وهو ملحد يكذب القرآن، وينكر أن يحلّى فيه أهل الجنة بأساور من ذهب.
ما قاله هذا الشاعر أو غيره، فهو ناجم عن انتشار الروايات الضعيفة والمكذوبة، التي يتصفحها ويمحصها أهل الخبرة بعلم الرواية والحديث الذين هم الحجة، لا الشعراء الذين قال الله عنهم: (والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون).
لو قلت لنا: قال الترمذي، قال أبو داود، قال أحمد في المسند لما قبلنا منك إلا بعد تمحيص السند. أفتحتج علينا بما قاله حافظ إبراهيم؟
عبد الرحمن الدمشقية
موقع فيصل النور www.fnoor.com ()