متون الكتب :  
الفهارس :  
أسماء الكتب والمؤلفين :  
كلمة لابد أن تقال
الكتاب : ظلامة الزهراء عليها السلام في روايات أهل السنة    |    القسم : مكتبة رد الشبهات

كلمة لابد أن تقال

يخطئ من يظن أن وقائع التأريخ وحوادثه أمور غابرة عفا عليها الزمن وطواها النسيان؛ لأن كثيراً منها مازال يعيش في وجدان الحاضر وأعماقه، فدراسة التأريخ واجترار أحداثه والاطلاع على تفصيلاته، لم يكن ترفاً علمياً محضاً، وأن الحديث عنه ليس من نافلة القول وفضوله؛ بل هي حاجة إنسانية ماسة لا يمكن تجاوزها أو الاستغناء عنها؛ إذ لايمكن لأمة أن تنسلخ عن ماضيها وتتنكّر له، فهو يمثل جذورها الضاربة في أعماق التاريخ، ومادتها التي تستمد منها الحياة والبقاء. فمعرفة أحداث التأريخ، وتحليلها، والوقوف عندها، واستلهام الدروس والعبر من مواطن الخطأ والصواب، لها بالغ الأثر على واقع الحاضر ودفعه نحو مستقبل أكثر إشراقاً وتقدماً، فتأريخ بعض الأمم لم يكن سرداً لقصص تأريخية وحوادث سالفة؛ بل هو يمثل هويتها وحضارتها ووجها الحقيقي.

وأمتنا الإسلامية تمتلك تأريخاً حافلاً بالنقاط المضيئة، والأحداث الهامة، فيكفيه أنه شهد بزوغ فجر الإسلام على ربوع هذا العالم، الذي غيّر وجه البشرية، وأعطى للحياة لوناً زاهياً، وأكسبها قيمةً وسمواً؛ ولكنه لم ينج في الوقت نفسه كسائر التواريخ من تأثيرات العوامل السياسية والاجتماعية التي تغذيها الانحرافات الفكرية والعقائدية والأخلاقية، وتسلط الطغاة والظالمين على رقاب المسلمين، ما جعل حركة التأريخ تنحرف عن سواء السبيل، وأصبح المؤرخ يكتب ما تمليه عليه تلك العوامل والظروف، وهكذا أصيبت معظم مفاصل التأريخ الإسلامي بداء التحريف والتغيير، بما يخدم مصالح خاصة وأهواء معينة.

ولعل من أهم مراحل التأريخ الإسلامي حساسية ودقة، هو ما أعقب وفاة الرسول الأكرم@ الحدث الذي زلزل كيان الأمة الإسلامية وهزها من الأعماق، فقد أصيبت الأمة حينها بخطبين عظيمين:

الأول: هو فقد الرسول الأكرم@ الذي لم يستوعبه كثير من المسلمين، ونزل على بعضهم كالصاعقة أفقدهم اتزانهم.

 

والثاني: تكالب الأمة وتنازعها في سقيفة بني ساعدة على من يخلفه ويتولى الأمر من بعده، والنبي لازال مسجى ولم يوار جثمانه الطاهر، بينما نجد وريثه الشرعي ومعه أهل بيته وأصحابه يؤدون وظيفتهم الشرعية في تجهيز النبي، وإقامة المراسم اللازمة، بقلوب منكسرة وأفئدة مفجوعة ليس على فقد النبي@ حسب؛ بل على صنيع هذه الأمة التي سرعان ما تنكرت لنبيها، ولم تحفظ وصيته، ولم تلتزم بتعاليمه، فبدأت سلسلة من الفجائع والمصائب تترى على آل الرسول من بعده، وذلك بغصب حقهم، وإقصائهم عن مراتبهم التي رتبها الله فيها، ولم تنته حتى يأذن الله بإعادة الحق إلى أهله، وإرجاع الأمر إلى نصابه.

فكان من الطبيعي والحال هذه ان يواجه أمير المؤمنين وفاطمة الزهراء عليهم السلام جل هذه المصائب والويلات، فكان وقعها شديداً على الزهراء فغصبوا حقها في فدك، وأحرقوا دارها، وأسقطوا جنينها، واقتادوا بعلها، على مرأى ومسمع من جميع المسلمين الذين لم يحركوا ساكناً، فذاقت الأمة والى يومنا هذا وبال صمتها، وقبولها لهذا الواقع.

وهذه الأمور والحوادث من تاريخ الأمة لا يمكن ان يتطرق إليها الشك، أو يعتريها الريب، فالقرائن والشواهد على ذلك أكثر من أن تحصى، ومع ذلك كله جاء من يشكك بهذه الحقائق- التي هي أوضح من الشمس وأبين من الأمس- ويثير حولها غباراً من الشبهات والتشكيكات الواهية كخيط العنكبوت، ليضيفوا بذلك ظلامة جديدة للزهراء وأهل البيت عليهم السلام، وكأنهم لم يكتفوا بفعل من سبقهم من أمثالهم، فجاؤوا ليكملوا ذلك المشوار، وينهجوا نفس النهج، يحدوهم النصب والعداء لأهل البيت ولا شيء غيره.

ولعل أكثرهم جرأة وأشدهم وطأة هو ابن تيمية الحراني الذي حمل لواء النصب والعداء لأهل البيت، فعمل جاهداً على التشكيك في كل فضيلة ومنقبة وظلامة لأهل البيت، فقلده من جاء بعده حيث مازالوا يجترون ما قاله ابن تيمية، وكان من بينهم المدعو عبد الرحمن الدمشقية الذي وظّف نفسه من أجل الحط من منزلة أهل البيت، ونفي كل ظلم وحيف وقع عليهم.

ومن إثاراته وشبهاته التشكيك بما تعرّضت له الزهراء وأهل بيتها من غمط للحقوق واعتداء على الحرمات؛ هذا والعهد قريب وتراب القبر لمّا يجف.

وعليه جاء هذا الرد لنثبت ما فنّده من هذه الروايات بأسلوب علمي وموضوعي، متبعين فيه نفس الأسلوب الذي اتبعه الخصم في معالجة الروايات وتصحيح طرقها، وإثبات أنّ هذه الواقعة لا يمكن تكذيبها أو التشكيك فيها، لأنّ مجمل ما نقله لنا رواة التاريخ وأهل الحديث وما حكاه الواقع، كلها شواهد صدق على ما نحن في صدد إثباته.


 شبكة البتول عليها السلام  @ 11-2006  -  www.albatoul.net

إنتاج : الأنوار الخمسة للإستضافة والتصميم @ Anwar5.Net