مقدمة المؤلف
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على رسوله محمد وآله الطيبين الطاهرين، وبعد.
لم يكن رحيل السيدة الزهراء عليها السلام وليد مرض، أو نتيجة طبيعية؛ بل جاء رحيلها نتيجة تجرعها غصصاً وآلاماً سرّعت من رحيلها إلى عالم الملكوت في مقعد صدق عند مليك مقتدر، لم تمض فترة قصيرة على وفاة أبيها حتى لحقت أم أبيها به صلوات الله عليه وعليها.
لقد كابدت تلك المرأة الطاهرة المطهرة معاناة حقيقية بعد وفاة أبيها، وتغلغل الحزن فيها إلى أن تجذّر وأصبحت أيامها سواداً في سواد.
لقد أخذ رحيل أبيها منها مأخذاً عظيماً، فلم تبق لها إلا الذكريات، ولم يبق لها إلا علي والحسنان سلوتها، بهم تعزي نفسها وبهم تتحمل آلام فراق أبيها، لكن القوم لم يتركوها تمضي سعيدة معهم.
حدث الانقلاب بعد النبي@ {أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ}(). ترك الناس علياً يدفن النبي@ وذهبوا بالخلافة إلى من لم يكن لها أهل، وظل علي يأبى أن يصول بيد جذاء فقرر أن يصبر على طخية عمياء، يهرم فيها الكبير ويشيب فيها الصغير.
فجاء القوم مطالبين بالبيعة لشخص غيره!! أبى ذلك، فقرروا إحراق البيت على من فيه، إن لم يأت للبيعة.
إحراق بيتٍ كانت تتنزل عليه الملائكة، أي جرأة هذه؟! وأي محنة تمر بها الزهراء&، كسروا الباب أخرجوا علياً، ولم يكن سكوت علي جبناً حاشاه، فإنه الذي قتل آباءهم الكفرة، فبسيفه قام الإسلام وارتفعت رايته، لكنه علم أن قتلهم يعني ذهاب الدين الذي ما برح سيفه مخضباً بدم الذين أرادوا نكوصه، لم يزل سيفه رطباً بدماء الكافرين والجاحدين والمنافقين، لم يشأ أن يقتل القوم، سكت، وفي السكوت حسرة كبرى، وهو يرى ما بناه بسيفه ودمه سيتحطم، وسوف لا يبقى منه إلا القليل، لكنه رأى أن الحفاظ على هذا القليل خير من ضياع الكل.
هكذا قرر الأمير$، اقتادوه أسيراً إلى البيعة لكنهم لم يقتادوه فقط؛ بل كسروا ضلع زوجته واسقطوا جنينها قبل أن يقتادوه، كسروا ضلع فاطمة& واجترؤوا على مقامها، مؤلم أن يحصل هذا، اجترؤا على ابنة نبيهم، داسوا كرامتها واعتقلوا زوجها، وهي تنظر إلى القوم مندهشة، أيكون هذا بعد العزّ والدلال عند أبي؟
لم تبق الزهراء بعد تلك الحادثة إلا فترة قصيرة، وبعدها رحلت والتحقت بأبيها، مخلفةً غضبها على الخليفتين ، فلم ينس أبو بكر كيف آذاها، وكيف أغضبها، وهو يعترف في أواخر حياته، إذ يقول: وددت لو أني لم أفعل ثلاثاً، أحدها كشف بيتها(). هذا الكلام كله من مصادر القوم.
نعم، ماتت فاطمة عليها السلام وهي واجدة وغاضبة على أبي بكر ولم ترض أن يصلي عليها أبو بكر وغيره، ماتت فاطمة& ورحلت إلى الملكوت الأعلى وهي غاضبة على القوم، ودفنت في ليلة ظلماء، أين قبرها؟ لا أحد يعلم بذلك إلا الله تعالى والمقربون من علي $.
ينقل البخاري في صحيحه عن أم المؤمنين عائشة: > فغضبت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فهجرت أبا بكر فلم تزل مهاجرته حتى توفيت<().
يقول عائض القرني في قناة المستقلة،() وهو يدافع عن الشيخين: هل يعقل من عمر بن الخطاب، وأبي بكر أن يحرقا بيت فاطمة ويؤذياها مع أنها ابنة رسول الله؟ هذا لا يفعله الجهال فضلاً عن شخص مثل إيمان عمر وأبي بكر؟ كيف يؤذون ابنة النبي؟ مع أننا نرى أن العقل يحكم أنه لو كانت ابنة بنت بنت شخص يقرب للنبي لوجب احترامها؟ فكيف بابنة النبي؟ ().
فهو يسوق دليلاً عقلياً على امتناع صدور الظلم من الخليفتين للسيدة فاطمة، بينما نسي أو تناسى ما تعج به كتبهم من أخبار المصيبة والإيذاء لها، ولو راجع صحيح البخاري وقرأ هذا المقطع >فهجرت أبا بكر فلم تزل مهاجرته حتى توفيت< ().
فلماذا لا يسأل نفسه لماذا غضبت ولماذا هذا الهجران. وماذا يترتب على غضب فاطمة وعدم رضاها, وسيأتي بيان هذا الكلام مفصلاً عند طرح الشبهات.
ولقد كتب عبد الرحمن الدمشقية () المشهور بتطرفه ضد الشيعة مقالة بعنوان: ( تفنيد روايات الهجوم الباطلة على منزل فاطمة وإحراق الدار ) يحاول فيها أن يفنّد إحراق بيت فاطمة& والجرأة عليها، وإسقاط جنينها، فجاء بكثير من الروايات في كتبهم التي تثبت الحادثة, وناقش سندها أو دلالتها، محاولاً قدر الإمكان أن يدحض كل الروايات عندهم، ويبرئ ساحة القوم من هذه المسألة.
وكأن التأريخ وكتب الحديث لم تذكر شيئاً عما أصاب الزهراء من هذا الخطب الجليل.
وعند المطالعة لما كتبه وجدته لا يفقه شيئاً، ولاسيما في علم الرجال والدراية، وانه متسرع جداً في إلقاء الأحكام بلا تأمل فيما يكتب، وسوف نعرض كل الأدلة التي نقلها ونرى كيفية ضعف استدلاله، وان كتب أهل السنة والجماعة لا يمكن أن تكذّب الحادثة.
فبالحقيقة جاء هذا الكتاب رداً على كل من يشكك بهذه الواقعة ومن كتبهم وبأسانيد صحيحة، ودلالة واضحة، لاسيما أن التشكيك لم يصدر من الدمشقية حسب، بل وجدت أن أحمد الكاتب كتب مقالاً أيضاً بعنوان (متى وأين ولماذا قتلت فاطمة) يشكك ويطعن بروايات الفريقين، ويصل إلى نتيجة مفادها أن هذه الواقعة هي أسطورة ومن نسج وخيال الشيعة.
فهو بالنتيجة ينقل نفس هذه الشبهات التي رواها لنا الدمشقية.
|