متون الكتب :  
الفهارس :  
أسماء الكتب والمؤلفين :  
مقدمة المؤلف
الكتاب : ظلامة الزهراء عليها السلام في روايات أهل السنة    |    القسم : مكتبة رد الشبهات

مقدمة المؤلف

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على رسوله محمد وآله الطيبين الطاهرين، وبعد.

لم يكن رحيل السيدة الزهراء عليها السلام وليد مرض، أو نتيجة طبيعية؛ بل جاء رحيلها نتيجة تجرعها غصصاً وآلاماً سرّعت من رحيلها إلى عالم الملكوت في مقعد صدق عند مليك مقتدر، لم تمض فترة قصيرة على وفاة أبيها حتى لحقت أم أبيها به صلوات الله عليه وعليها.

 لقد كابدت تلك المرأة الطاهرة المطهرة معاناة حقيقية بعد وفاة أبيها، وتغلغل الحزن فيها إلى أن تجذّر وأصبحت أيامها سواداً في سواد.

لقد أخذ رحيل أبيها منها مأخذاً عظيماً، فلم تبق لها إلا الذكريات، ولم يبق لها إلا علي والحسنان سلوتها، بهم تعزي نفسها وبهم تتحمل آلام فراق أبيها، لكن القوم لم يتركوها تمضي سعيدة معهم.

حدث الانقلاب بعد النبي@ {أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ}([1]). ترك الناس علياً يدفن النبي@ وذهبوا بالخلافة إلى من لم يكن لها أهل، وظل علي يأبى أن يصول بيد جذاء فقرر أن يصبر على طخية عمياء، يهرم فيها الكبير ويشيب فيها الصغير([2]).

فجاء القوم مطالبين بالبيعة لشخص غيره!! أبى ذلك، فقرروا إحراق البيت على من فيه، إن لم يأت للبيعة.

إحراق بيتٍ كانت تتنزل عليه الملائكة، أي جرأة هذه؟! وأي محنة تمر بها الزهراء&، كسروا الباب أخرجوا علياً، ولم يكن سكوت علي جبناً حاشاه، فإنه الذي قتل آباءهم الكفرة، فبسيفه قام الإسلام وارتفعت رايته، لكنه علم أن قتلهم يعني ذهاب الدين الذي ما برح سيفه مخضباً بدم الذين أرادوا نكوصه، لم يزل سيفه رطباً بدماء الكافرين والجاحدين والمنافقين، لم يشأ أن يقتل القوم، سكت، وفي السكوت حسرة كبرى، وهو يرى ما بناه بسيفه ودمه سيتحطم، وسوف لا يبقى منه إلا القليل، لكنه رأى أن الحفاظ على هذا القليل خير من ضياع الكل.

هكذا قرر الأمير$، اقتادوه أسيراً إلى البيعة لكنهم لم يقتادوه فقط؛ بل كسروا ضلع زوجته واسقطوا جنينها قبل أن يقتادوه، كسروا ضلع فاطمة& واجترؤوا على مقامها، مؤلم أن يحصل هذا، اجترؤا على ابنة نبيهم، داسوا كرامتها واعتقلوا زوجها، وهي تنظر إلى القوم مندهشة، أيكون هذا بعد العزّ والدلال عند أبي؟

لم تبق الزهراء بعد تلك الحادثة إلا فترة قصيرة، وبعدها رحلت والتحقت بأبيها، مخلفةً غضبها على الخليفتين ([3])، فلم ينس أبو بكر كيف آذاها، وكيف أغضبها، وهو يعترف في أواخر حياته، إذ يقول: وددت لو أني لم أفعل ثلاثاً، أحدها كشف بيتها([4]). هذا الكلام كله من مصادر القوم.

نعم، ماتت فاطمة عليها السلام وهي واجدة وغاضبة على أبي بكر ولم ترض أن يصلي عليها أبو بكر وغيره، ماتت فاطمة& ورحلت إلى الملكوت الأعلى وهي غاضبة على القوم، ودفنت في ليلة ظلماء، أين قبرها؟ لا أحد يعلم بذلك إلا الله تعالى والمقربون من علي $.

ينقل البخاري في صحيحه عن أم المؤمنين عائشة: > فغضبت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فهجرت أبا بكر فلم تزل مهاجرته حتى توفيت<([5]).  

يقول عائض القرني في قناة المستقلة،([6]) وهو يدافع عن الشيخين: هل يعقل من عمر بن الخطاب، وأبي بكر أن يحرقا بيت فاطمة ويؤذياها مع أنها ابنة رسول الله؟ هذا لا يفعله الجهال فضلاً عن شخص مثل إيمان عمر وأبي بكر؟ كيف يؤذون ابنة النبي؟ مع أننا نرى أن العقل يحكم أنه لو كانت ابنة بنت بنت شخص يقرب للنبي لوجب احترامها؟ فكيف بابنة النبي؟ ([7]).

فهو يسوق دليلاً عقلياً على امتناع صدور الظلم من الخليفتين للسيدة فاطمة، بينما نسي أو تناسى ما تعج به كتبهم من أخبار المصيبة والإيذاء لها، ولو راجع صحيح البخاري وقرأ هذا المقطع >فهجرت أبا بكر فلم تزل مهاجرته حتى توفيت< ([8]).

فلماذا لا يسأل نفسه لماذا غضبت ولماذا هذا الهجران. وماذا يترتب على غضب فاطمة وعدم رضاها, وسيأتي بيان هذا الكلام مفصلاً عند طرح الشبهات.

ولقد كتب عبد الرحمن الدمشقية ([9]) المشهور بتطرفه ضد الشيعة مقالة بعنوان: ( تفنيد روايات الهجوم الباطلة على منزل فاطمة وإحراق الدار )  يحاول فيها أن يفنّد إحراق بيت فاطمة& والجرأة عليها، وإسقاط جنينها، فجاء بكثير من الروايات في كتبهم التي تثبت الحادثة, وناقش سندها أو دلالتها، محاولاً قدر الإمكان أن يدحض كل الروايات عندهم، ويبرئ ساحة القوم من هذه المسألة.

وكأن التأريخ وكتب الحديث لم تذكر شيئاً عما أصاب الزهراء من هذا الخطب الجليل.

وعند المطالعة لما كتبه وجدته لا يفقه شيئاً، ولاسيما في علم الرجال والدراية، وانه متسرع جداً في إلقاء الأحكام بلا تأمل فيما يكتب، وسوف نعرض كل الأدلة التي نقلها ونرى كيفية ضعف استدلاله، وان كتب أهل السنة والجماعة لا يمكن أن تكذّب  الحادثة.

فبالحقيقة جاء هذا الكتاب رداً على كل من يشكك بهذه الواقعة ومن كتبهم وبأسانيد صحيحة، ودلالة واضحة، لاسيما أن التشكيك لم يصدر من الدمشقية حسب، بل وجدت أن أحمد الكاتب كتب مقالاً أيضاً بعنوان (متى وأين ولماذا قتلت فاطمة) يشكك ويطعن بروايات الفريقين، ويصل إلى نتيجة مفادها أن هذه الواقعة هي أسطورة ومن نسج وخيال الشيعة.

فهو بالنتيجة ينقل نفس هذه الشبهات التي رواها لنا الدمشقية.


 


([1]) آل عمران/144.

([2]) من كلام له عليه السلام في الخطبة الشقشقية, نهج البلاغة : ج 1ص 151.

([3]) قال ابن قتيبة في الإمامة والسياسة: نها Jقالت لأبي بكر وعمر: إني أشهد الله وملائكته أنكما أسخطتماني وما أرضيتماني ، ولئن لقيت النبي - صلى الله عليه وآله - لأشكونكما إليه < . وقالت أيضاً : ( والله ، لأدعون عليك في كل صلاة أصليها ) . ج 1 ص2 تحت عنوان ( كيف كانت بيعة علي عليه السلام ).

([4]) سيأتي الكلام مفصلاً حول هذه الرواية سنداً ودلالة.

([5]) البخاري: صحيح البخاري,ج4 ص 42. باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الى الإسلام والنبوة. الناشر : دار الفكر,ط/ 1401هـ .

([6]) عائض القرني كاتب سعودي وهابي تطرحه اليوم وسائل الإعلام في الفضائيات للدفاع عن الفكر الوهابي وتجميل صورته, وهذه الكلمات جاءت في لقاء أجراه معه الدكتور الهاشمي في هذه القناة المثيرة للفتن، وكانت الحلقة بعنوان(أهل البيت عند أهل السنة). وهذا الرجل الهاشمي, الغريب فيه أنه مسخر كل طاقته وما يملك لإثارة الفتنة بين الفريقين, ولعل من تابع حلقات( الحوار الصريح) يجد أن الرجل يتحول من حكم للمناظرة الى خصم للمناظر الشيعي,  بحيث تجده يتلاعب بالألفاظ لإثارة بعض النقاط الحساسة التي أغفلها الخصم، وبذلك ينتصر لمن هو مطابق لمذهبه, وهذا خلاف أدب المناظرة . أضف الى ذلك طائفيته التي لا تخفى على البصير . ولكن ليعلم هو ومن على شاكلته أن ذكر أهل البيت لن يموت وسينقلب السحر على الساحر بإذن الله تعالى.

([7]) ماذا تقولون بوجدها وغضبها،وكيف تفسرونه، وهي في أصح أسانيدكم، كالبخاري ومسلم . فهل هذا هو الاحترام المنشود لرسول الله صلى الله عليه وآله وبضعته .وسيأتي الكلام مفصلاً.

([8]) محمد بن إسماعيل البخاري: صحيح البخاري، ج4 ص42،باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الى الإسلام والنبوة. الناشر : دار الفكر - بيروت.

([9]) كاتب متطرف وهابي المذهب، جل همه النيل من علماء الشيعة ومذهب أهل البيت عليهم السلام بتهم باطلة ينقصها الدليل، فهو يقلد أسلافه كابن تيمية وغيره، وسوف يتضح من خلال البحث انه مقلد أعمى لا يفقه من الشريعة إلا ما أملاه عليه الحقد والبغض، وللأسف إذا كان البحث ينطلق من هذه العقلية سوف يقع في هفوات،وهذا ما سيثبته هذا البحث بإذن الله تعالى.


 شبكة البتول عليها السلام  @ 11-2006  -  www.albatoul.net

إنتاج : الأنوار الخمسة للإستضافة والتصميم @ Anwar5.Net