متون الكتب :  
الفهارس :  
أسماء الكتب والمؤلفين :  
تقريظ سماحة آية الله الأستاذ الدكتور السيد محمد الحسيني القزويني
الكتاب : ظلامة الزهراء عليها السلام في روايات أهل السنة    |    القسم : مكتبة رد الشبهات

تقريظ

سماحة آية الله الأستاذ الدكتور السيد محمد الحسيني القزويني

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه كما هو حقّه والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين لاسيمّا على بضعته الصديّقة ووديعته الشهيدة فاطمة الزهراء سلام اللّه عليها.

إن الحديث عن الزهراء& هو حديث عن رسول الله@ فهي لم تكن فقط تمثل الامتداد الطبيعي للنبي الأكرم، لكونها ابنته نسَبياً؛ بل كانت تمثل الرسالة وامتدادها واستمرارها في أهل بيته.

ولاشك أنّها سلام اللّه عليها لم تكن كسائر النساء؛ بل كانت المثل الأعلى للمرأة فهي أسمى امرأة عرفها تأريخ البشرية في تقواها وعلمها وصبرها، فقد عرّفها النبي الأكرم @ بأنّها سيّدة نساء المؤمنين أو سَيّدة نساء هذه الأمّة ([1]) .

ولا غرو في ذلك؛ لأنّها من أهل بيت طهرها الله واصطفاها وأذهب عنها الرجس.

قال علي $:>نحن أهل بيت النبوة، وموضع الرسالة، ومختلف الملائكة، وعنصر الرحمة، ومعدن العلم والحكمة<([2])  فهي الأسوة للمرأة المسلمة والقدوة لجميع المسلمين، فقد بلغت من الكمال ما لا يبلغ من الإنس والجنّ غير أبيها وبعلها عليهم الصلاة والسلام، كما ورد عن عائشة قالت: «ما رأيت أفضل من فاطمة غير أبيها » وكذلك روت بلفظ قريب منه : «ما رأيت أحداً قطّ أصدق من فاطمة»([3]).

وقد رفع النبي الأكرم منزلتها في الإسلام وعند المسلمين من خلال تقديسها وتبجيلها وأعلن على منبره ومجالسه، بأنّ غضبها يعادل غضب الربّ، كما أنّ رضاها يعادل رضاه جل وعلا، فقد روى الحاكم بإسناده عن علي$ قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم لفاطمة: «إنّ اللّه يغضب لغضبك، ويرضى لرضاك»([4]).

فأثبت بذلك@ بأنّها معصومة عن الزلل والخطأ؛ لأننا لا يمكن أن نفترض أنّ رضا الله تعالى هو من نوع الرضا الإنساني المتأثر بالعواطف والانفعالات؛ بل رضاه مع الحق وغضبه لمخالفة الحق، فيكون رضا فاطمة هو الحق وغضبها مع الحق، وبهذا تكون الزهراء& المثل الأعلى للأمّة الإسلاميّة بعد رسول اللّه@ بعد ما منيت الأمّة بالانحراف في مسيرتها.

والمتتبع لسيرة النبي الأكرم يجد أنه ركّز على تكريمها وتعظيمها فلم يترك شيئاً من أنواع التكريم إلاّ بيّنه وطبّقه، فتراه تارةً يرحب بها وتارةً أخرى يقوم لها إجلالاً ويقبلها ويجلسها في مجلسه ، كما روى الحاكم عن عائشة أنّها قالت : «ما رأيت أحداً كان أشبه كلاماً وحديثاً برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم من فاطمة، وكانت إذا دخلت عليه قام إليها فقبّلها ورحبّ بها وأخذ بيدها فأجلسها في مجلسه...»([5]).

وهو بفعله هذا يصّرح ويعلن أن ابنته لها مقام ومنزلة عظيمة، وأنها بلغت قمة الكمال الإنساني؛ بحيث أصبحت واعيةً وعياً كاملاً لرسالته الخالدة حتى تستضئ‏ بها الأمّة من ظلمات الجهل التي ستسود في المجتمع بعد رحيله صلى الله عليه وآله.

ولم يكن ذلك التكريم والتعظيم الذي أضفاه على بضعته ناتجاً من عاطفة الأبوة وغريزتها؛ لأننا نرى أنه قد تجاوز حد العاطفة الأبوية واتجه اتجاهاً تقديسياً كبيراً شعر بغرابته أكثر المسلمين، وأنه تجاوز الحد المتعارف بين الأب وابنته.

فدل هذا على أن هناك هدفاً أراد النبي@ إيصاله إلى الأمة وهو أنها تمثل النبي بعد وفاته، وأن عليهم أن يستمروا في تقديسها في زمن الانحراف، وأنها مع الحق فيما ستقوله وتبينّه في مسألة الإمامة، فهي الفيصل بين الحق والباطل، بما تمتاز به من عصمة وعفة وإيمان.

ولكن مع هذه البيانات الأكيدة والوصايا الصريحة في حقّ بضعته المرضيّة، نجد أن هناك من تنّكر لتلك المنزلة العظيمة بعد انتقال الرسول@ إلى حضرة القدس، فقد قوبلت فاطمة سيّدة النساء من بعض الصحابة بالقسوة والجفاء، وعانت ألواناً قاسية من الرزايا والمحن، بحيث أوضحت شدّة حزنها المؤلم بقولها:

صبّت عليّ مصائب لو أنّها

 

صبّت على الأيام عدن لياليا([6])


ومن تلك الرزايا المروّعة التي وقعت على بضعة رسول اللّه@، بعد رحيله@, الهجوم على بيتها والتهديد بإحراق دارها وإسقاط جنينها وغيرها من الفجائع.

ومن المؤسف أننا نجد تعمّد بعض الكتّاب القدامى والمعاصرين، في تضعيف هذه الآثار المثبتة لظلامة بضعة الرسول وتأويلها أو إخفاء هذه الأحداث التي ألمّت بها عليها السلام, والتي هي ثابتة في المصادر الصحيحة من الفريقين.

على أننا لا نهدف من إثبات ذلك إثارة الفتن من خلال تركيزنا على بيان مظلوميتها سلام الله عليها؛ بل إننا ننطلق من أن المظلومية هي إحدى طرق إثبات الحق الذي ندّعيه، لكون الظلم الذي تعرضت له يعبِّر عن وجود حق لها عليها السلام، ووجود باطل في الطرف الآخر.

لذا جاء هذا البحث الذي تناول فيه الأستاذ العزيز الفاضل المحقّق الشيخ يحيى الدوخي بدراسة هذه الأحداث بأسلوب علمي دقيق ومناقشة هادفة، وإجابة مقنعة على الشبهات المثارة حول هذه الحادثة، تلك الشبهات التي تهدف إلى نفي تلك الحادثة وتنفي الظلم الذي وقع عليها؛ بحيث أسفر الحق لمن طلبه، وارتفع الالتباس عمن اشتبه عليه, وأبرز الحقائق على واقعها لمن تفحّصها، وحق أن يقال بأنّ هذا السفر القيّم الذي بين يدي القارئ الكريم، قليل النظير إن لم نقل بأنّه عديم النظير، وأوصي جميع إخواني بمطالعة هذا الأثر النفيس بدقّة وإمعان حتى يستطيعوا الإجابة على أحدث الشبهات التي أثارها مخالفو أهل البيت#.

 

أ.د. السيّد محمد الحسيني القزويني

الأستاذ في الحوزة العلمية قسم الدراسات العليا في قم المقدسة ورئيس قسم الحديث

وعضو الهيئة العلمية بجامعة أهل البيت عليهم‏السلام العالميّة

3/ جمادي الأول/ 1428هـ

 



([1]) صحيح البخاري : ج 7 ص 142، ح 6285، كتاب الاستئذان، ب 43 ، باب من ناجى بين يدي الناس، صحيح مسلم : ج 7 ص 143 ح 6207، كتاب فضائل الصحابة رضى الله تعالى عنهم، ب 15، باب فضائل فاطمة بنت النبيّ عليها الصلاة والسلام.

([2]) ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة : ج2 ص 283. والسيوطي : الدر المنثور،ج5 ص199.

([3]) الطبراني: المعجم الأوسط ، ج 3 ص 137. مسند أبي يعلى : ج 8 ص 153، قال ابن حجر وسنده صحيح على شرط الشيخين. الإصابة، ج 8 ص 264. قال الهيثمي: (ورجالهما رجال الصحيح) مجمع الزوائد، ج 9 ص 201.

([4]) الحاكم النيسابوري :المستدرك ، ج 3ص153، وتعقبّه: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه؛ مجمع الزوائد: ج 9 ص 203، الضحاك: الآحاد والمثاني ، ج 5 ص 363، الدولابي: الذرية الطاهرة النبوية ، ص 119، الطبراني: المعجم الكبير،ج 1 ص 108، 22 ص 401، ابن الأثير: أسد الغابة، ج 5 ص 522، ابن حجر العسقلاني:الإصابة، ج 8 ص 265،266، وتهذيب التهذيب: ج 21 ص 392.

([5] ) وعلق الحاكم عليه بقوله: >هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، وأقره الذهبي على ذلك< المستدرك على الصحيحين، ج3 ص160؛ الهيثمي: موارد الظمآن، ج7 ص169.

([6]) مغنى المحتاج لمحمد بن أحمد الشربيني، ج 1، ص 356، الشرح الكبير لعبد الرحمن بن قدامة، ج 2، ص 430، تفسير الآلوسي، ج 19، ص 149، عيون الأثر لابن سيد الناس، ج 2، ص 434، الفصول المهمّة لابن الصباغ، ص 670، سبل الهدى والرشاد للصالحي الشامي، ج 12، ص 287، 337، المواهب اللدنيّة للقسطلاني، ج 4، ص 563، إرشاد الساري، ج 3، ص 352، الإتحاف بحب الأشراف للشبراوي: ص33، وفاء الوفاء للسمهودي، ج 4، ص 1405، السيرة النبوية لزيني دحلان، ج 2، ص 310، أعلام النساء لعمر رضا كحالة، ج 4، ص 113، الفتاوى الفقهيّة لابن حجر، ج 2، ص 18.


 شبكة البتول عليها السلام  @ 11-2006  -  www.albatoul.net

إنتاج : الأنوار الخمسة للإستضافة والتصميم @ Anwar5.Net