لماذا لا نرى ذاته الأقدس
ان الاشياء تبين بأضدادها. والذي يعم وجوده وليس له ضد، يعسر علينا ان ندركه، ونعرفه.
فلو اختلفت الاشياء بعضها دون بعض، ندرك الاختلاف بالفرق بينها.(1)
واذا اشتركت في دلالتها، وكيفيتها على شكل واحد. تعذر الامر. ومثال ذلك،ان نور الشمس عرض يزول عند غروب الشمس. فاذا كانت الشمس دائمة الاشراق، لا غروب لها، لأصبحنا نظن ان الاجسام ليس لها لون سوى الابيض. والضوء لاندركه، ولا نعرف له وجود.
ولكن لو غابت الشمس واظلّم أفقها الذي كانت فيه مشرقة ندرك ذلك، ونفرّق
بين الحالتين. فنعرف ان الاجسام اتصفت بلون. بواسطة الضوء. وهذا اللون يفارقها عند الغروب. وهو النور والظلام.
ولا نستطيع ان نعرف النور، الا عند زواله. والاشياء المختلفة والمتشابهة كلها تشترك بمعنى واحد في أذهاننا لسبب فقدان معرفتنا لها لان ذلك لا يظهر في الظلام أي اختلاف بينها.
والظاهر بحد ذاته مظهر لغيره. فالنور الذي يظهر بالظلام يفصح عن حقائق الاشياء الاخرى بظهوره.
والله أظهر الاشياء كلها. ولو كانت له غيبة، أو عدم، أو تغيّر لانهدّت السماوات والارض.. " ان الله يمسك السماوات والارض ان تزولا، ولئن زالتا ان أمسكهما من أحد من بعده، انه كان حليما غفورا" 41 فاطر
ولو غاب، أو انعدم لأدركت الفرق بين الحالتين ولو كانت بعض الاماكن موجودا بها، وبعضها موجودا بها غيره لأدركت الفرق بين الشيئين. كشريك الباري على فرض وجوده لامتناع الغقل من التصور لعدم وجود الله.
________________________________________________________________________
(1) حق اليقين .
لكن وجود الله دائم في كل الأحوال. وهذا هو السبب في قصورأفهامنا عن ادراك الله تعالى.(1)
وان ادراك الانسان وهو في صباه، واستغراقه في ملاذ الدنيا ومغرياتها. وانس بما يحيط به فسقط تأثيرها على قلبه.
فاذا رأى حيوانا غريبا فجأة لم يره من قبل، فسرعان ما تحيط به الدهشة والغرابة. وكذا الاعمى اذا امتد بصره للكون دفعة واحدة، فانه يخاف على عقله، وعظم تعجبه، فالانس بالشئ سد عليه سبيل المعرفة.
روي عن ابن حمزة الثمالي بانه قال: قلت لعلي بن الحسين السجاد (زين العابدين) عليه السلام: لأي علة حجب الله عز وجل الخلق عن نفسه؟
قال: لانه الله تبارك وتعالى بناهم بنية على الجهل. فلو أنهم كانوا ينظرون
الله عز وجل. لما كانوا بالذي يهابونه، ولا يعظمونه. نظير ذلك أحدكم اذا نظر الى بيت الله الحرام أول مرة عظّمه. فاذا أتت عليه أيام وهو يراه، لا يكاد ينظر اليه. اذا مر به. ولا يعظمه ذلك التعظيم ".(2)
قال الشاعر:
لقد ظهرت فلا تخفى على أحد
الا على أكمه ، لا يعرف القمرا
لكن بطنت بما أظهرت محتجبا
وكيف يعرف من بالعارف استترا
ويشهد قول سيد الشهداء الحسين بن علي عليه السلام: في دعاء عرفة: " كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر اليك؟
أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك، حتى يكون هو المظهر لك. متى غبت حتى تحتاج الى دليل يدل عليك، ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل اليك.
_______________________________________________________________________
(1) ان الرؤية عبارة عن انعكاس الضوء من الجسم الى عدسة العين (البؤبؤ) ثم ارتسام الصورة في الشبكية للعين التي تشابه آلة التصوير، وعدسة العين تشابه عدسة الكامرة ، والشبكية تشابه الفلم الحساس في الكامرة . فعند سقوط الاشعة على الشبكية ترتسم الصورة فيها وتنقل الاعصاب المتصلة بها الصورة الى الدماغ فيترجمها . بهذه الكيفية يرى الانسان وغيره من تشابه عينه عينه . وأما الخفاش فانه كالرادار . فالموجات تلامسه وتذهب الى الفضاء الخارجي فاذا اصطدم بها جسم ترجع للخفاش فيراها . فالذبذبات اجسام مادية،والله سبحانه ليس بجسم فلا تعتريه
الذبذبات ولا يسقط عليه الضوء فعليه لا يمكن رؤيته لانه ليس بمادة
(2) علل الشرائع 119 .2- باب 9
معرفة الانسان لله كمعرفة كمعرفة النملة بالنسبة الى الانسان وما يفكر به من صناعات وتدبيرات .
عميت عين لا تراك، ولا تزال عليها رقيبا، وخسرت صفقة عبد لم تجعل له من حبك نصيبا. تعرفت لكل شئ فما جهلك شيئا "....(1)
وعن الامام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: انه سئل عن الله عز وجل: هل يراه المؤمنون يوم القيامة؟
قال: نعم وقد رأوه قبل يوم القيامة.
فقيل: متى؟
فقال: حين قال لهم "ألست بربكم؟ قالوا بلى".
ثم سكت ساعة، ثم قال: وان المؤمنين ليرونه في الدنيا قبل يوم القيامة. ألست تراه في وقتك هذا؟
قال: أبو بصير: فقلت له: جعلت فداك فأحدث بهذا الحديث عنك.
فقال: لا فانك اذا حدّثت به فانكر منكر جاهل بمعنى ما تقول، ثم قدّر ان ذلك تشبيه، كفر.
وليست الرؤية بالقلب كالرؤية بالعين. تعالى الله عما يصفه المشبهون والملحدون "...(2)
______________________________________________
(1) حق اليقين ص 13 . (2) توحيد الصدوق ص 117 ، 20- ما جاء في الرؤية .
|