الاله أم الطبيعة؟
س: لقد أثبتم وجوب أولوية خالق، وبينتم ذلك. لكن ما وجه الحكمة على أولوية وترجيح الاله على الطبيعة؟
ج: لا شك في ان وجود الله أصلح من وجود الطبيعة، وذلك لحكمته تعالى، وكماله وعدم شعور الطبيعة فضلا عن حكمتها وكمالها.. ويكفي ما يشاهده الانسان من عجائب ويكتشف قدرته في مخلوقاته سبحانه، ويتأمل في الكون
بما فيه من انسان، ونبات، وحيوان، وبحار. وأبسط الامور تدل على حكمته، في أبسط مخلوقاته. فاذا تأملت حياتك فسوف ترى الانثى ترضع طفلها من
ثدييها بواسطة الحلمة التي يتدفق منا اللبن، ويتخللها ثقب، أو عدة ثقوب صغيرة. بحيث يخرج اللبن بتوازن. بمقدار الحاجة، فلا ينصب صبا. فما وجدنا أمراة قط قد عانت في رضاعها من أنغلاق في مجرى حلمة الثدي بحيث يتعسر خروج الحليب الى فم الرضيع. بينما نلاحظ ذلك في حياتنا اليومية، فيما اذا كانت المراة تستعمل الحليب الصناعي في الرضّاعة، وتناوله للطفل بواسطة قنينة (الممّة). وهي قنينه تحوي برأسها صمام له فتحة يخرج منه اللبن. وهذا الصمام قد يكون مسدودا، فنثقبه، وقد يكون مفتوحا. فمرة تراه مسدودا لا يخرج منه اللبن، ومرة تراه مفتوحا بصورة بحيث يتسرب منه اللبن بغزارة..
ولو كانت المرأة من خلق الطبيعة، لوجدنا امرأة يخرج منها اللبن بتدفق، أو ان حلمتها مسدودة، ولا يخرج من ثدييها شئ. كما يحصل في الثدي الصناعي (الممّة).
ولكان خلقها عشوائيا. كما نلاحظ في صناعة المكائن التي تصب. ونرى في الانتاج عيوبا كالانسداد، أو توسع الفتحة، فمن هنا يجب علينا ارجاع الاشياء لاصولها، وخالقها ومدبرها.
كذلك الانسان، عندما يخدّر جسمه لاجراء عملية، تخديرا عاما، فيتخدّر بأجمعه ماعدا بصيلة الدماغ المسؤولة عن التنفس اللاأرادي للانسان، ولو تخدّرالانسان كله لتخدّر قلبه ومات. وتأمل الطفل، فلو خلق متعقلا، لما كان اجتماعيا، ولم يألف عائلته وأخته لكونه معزولا عن أسرته ولم يرتبط بهم، ولم يتعايش معهم. وانما حصر بينهم للترابط، ولحكمة لا تستطيع الطبيعة تعقلها..
وتأمل الحكمة في خلقة أسنان الطفل وغذائه، فعند لين عظامه يتغذى على
اللبن، ولكنه لما يشتد عظمه يحتاج الى أسنان يستعين بها على هضم الطعام الصلب. فلو كانت الطبيعة خالقة للزم من أحدنا انتظار ظهور أسنانه لاجل أن يأكل بواسطتها.
وكذا المرأة، عند الطلق يخرج وليدها بعد تمامه بلا نقصان..
وكذلك نرى الموازنة في تكامل الاعضاء. فعندما تلجأه الطبيعة الى التبول يخرج منه البول بانبساط وانكماش فيحس بحاجته لذلك. وكذا الافرازات الاخرى. ويعضد قولنا تناول السيد عبد الله شبّر في كتابه حق اليقين " وفكر في الاعضاء التي خلقت زوجا وفردا فان الرأس مثلا لو كان زوجا لكان كلا على الانسان لا فائدة فيه بخلاف اليدين والرجلين والعينين ونحوها وكان حكم تعددها لا يخفى " أنتهى ما قاله....
ولم نجد زيادة في الجسم من وجود تعدد في الاعضاء كوجود رأسين كما بينا. أو ثلاث أرجل، لعدم حاجته لها، ولا نجد نقصانا بعضو من الاعضاء كانسان مخلوق برجل واحدة، أو يد، أو عين واحتياجه لاخرى..
ولاحظ تركيب الجسم فلا نرى الانف مفتوحا للاعلى، لكيلا يدخل عليه الماء، وأشياء أخرى، لا تستطيع معامل كبرى ان تعمل عمل أصغر غدة في جسم الانسان.
وتأمل الحيوان، فالجمل يسير في الصحراء بدون مخالب. ولو كان من خلق الطبيعة لوجدنا فيه عبثا. كأن تظهر له مخالب مثلا كالاسد. فهل علمت الطبيعة بعدم حاجته للافتراس؟ فما هو جانب عظمة الخلق؟
ولاحظ الحيوانات الوحشية بلا وعي. ولو أعطيت الذهن لهاجمت البشر. وترى أصناف الماشية ليست لها يدين كالانسان تتناول بهما ما تحتاجه من العلف. فخلق فمها للاسفل ليسهل عليها ما تتناوله من المرعى.
واصغ الى قوله في حق اليقين " وانظر الى قوائم الحيوان كيف جعلت أزواجا ليتهيأ للمشي ولو كانت أزواجا لم تصلح لذلك، فذو القائمتين ينقل واحدة ويعتمد على الاخرى، وذوي الاربع ينقل ثنتين ويعتمد على ثنتين دون خلاف، بأن ينقل اليمنى من مقاديمه مع اليسرى من مآخيره ويثبت الآخرين ليثبت على الارض. ولونقل القائمتين من أحد جانبيه وأعتمد على الباقيتين من الجانب الآخر لما ثبت "...
وجعل لها الصوف. بعكس الانسان الذي ينسج بيده كما بينه السيد بقوله " ثم هذه الكسوة من شعر ووبر وصوف ليقيهامن الحر والبرد ومن الأظلاف والحوافر لتقيها من الحفا. اذا كان لا أيدي لها ولا أكف ولا ملابس مهيأة للغزل والنسج فجعلت كسوتهم في خلقتهم بانية عليهم ما بقوا "... انتهى ما قاله..
فهل تعلم الطبيعة ذلك، لتكون هي المهيأة له. وتطلع الى النبات حيث نلاحظ النخلة الواحدة. تسقى من ماء واحد ، وثمرة واحدة، فيها أنواع مختلفة من التمور.
وهاك نوعا آخر من فصيلة الحمضيات، كالعنب لما نلمس فيه من دقة التوزيع في سيقان هيكله وروعة نظام التغذية فيها. مما يدل على انه خاضع لرقيب عتيد، لا لطبيعة حمقاء كما يبدو ذلك واضحا، كاختلاف كيفيات حبات العنقود الواحد.
وكذلك الاختلاف في تعدد الالوان من بيضاء الى حمراء. ومن حيث الاحجام، فواحدة كبيرة، وأخرى صغيرة. واختلاف المذاق فيها. فمن حامض الى حلو. وتسقى جميعها من ماء واحد، وأرض واحدة ، وشجرة واحدة(1)..
ولو تأملنا البحر. نجده ينجمد بدرجة حرارة معينة منخفضة يتجمد ظاهر الماء، ويبقى قاعه بالاسفل غير منجمد.
لكي تبقى حياة الحيوانات والاسماك التي تعيش في قيعانه. فهل علمت الطبيعة بوجود الاسماك تحته، فخافت موتها من الانجماد. أم ان الله أعطاها بحكمته وقدرته ما تحتاجه، بهذه العظمة، وكمال المعرفة، وقدرته وحكمته...(2)
_______________________________________________________________________
(1) من أراد التوسع بهذا البحث فعليه بكتاب توحيد المفضّل أو العلم يدعو للايمان أو مع الله في السماء .ففيه تفاصيل الحكمة بدقة التكوين .
تبلغ كثافة الماء أقصاها في درجة أربعة مئوية ، ومهما انخفضت درجة الحرارة بعد ذلك فان كثافة الماء تبقى ثابته ثم تبدأ بالتناقص هذا الامر يمنع من انجماد الانهار والبحيرات. (2) " وفي الارض قطع متجاورات وجنات من اعناب ونخيل صنوان وغير صنوان تسقى من ماء واحد ونفصل بعضها على بعض في الاكل ان في ذلك لآيات لقوم يتعقلون " الرعد 4 .
|