متون الكتب :  
الفهارس :  
أسماء الكتب والمؤلفين :  
البحث الثالث: الأقوال فيها
الكتاب : الذات الإلهية وفق المفهوم الفلسفي    |    القسم : مكتبة عقائد الشيعة

البحث الثالث: الأقوال فيها:

الأقوال في المسألة: ذكر الفخر الرازي في كتابه "المطالب العالية من العلم الإلهي" تحت عنوان "إن وجود الله تعالى نفس ماهيته أو صفة زائدة على ماهيته" : "إنه من المعلوم بالضرورة أنا نصف واجب الوجود لذاته بأنه موجود، ونصف أيضاً ممكن الوجود لذاته بأنه موجود. فنقول: إما أن يكون وقوع لفظ الوجود على هذين القسمين بحسب مفهوم مشترك بين هذين القسمين، وإما أن لا يكون كذلك بل يكون بحسب الإشتراك اللفظي فقط. فإذا كان الحق هوالقسم الأول فنقول: هذا القسم ينقسم إلى قسمين آخرين.

                          

وذلك لأن ذلك المفهوم المسمى بالوجود، إما أن يقال: إنه في حق واجب الوجود مقارن لماهية أخرى، ويكون هذا الوجود صفة لتلك الماهية ولاحقاً من لواحقها، وإما أن يقال: إنه أمر قائم بنفسه مستقل بذاته من غير أن يكون صفة لشيء من الماهيات، ومن غير أن يكون عارضاً لشيء من الحقائق. فيثبت أن القول في وجود الله تعالى لا يمكن أن يخرج من هذه الأقسام الثلاثة:

                              

الأول:

قول من يقول: لفظ الموجود الواقع على الواجب لذاته وعلى الممكن لذاته، لا يفيد مفهوماً واحد مشتركاً فيه بين القسمين، بل هو بحسب الإشتراك اللفظي فقط، وهو قول طائفه عظيمة من المتكلمين كأبي الحسن الأشعري وأبي الحسين البصري.

 

الثاني:

قول من يقول: لفظ الموجود يفيد مفهوماً واحداً، إلا أنه في حق واجب الوجود لذاته وجود مجرد، أعني أنه وجود بشرط كونه غير عارض لشيء من الماهيات، بل يكون وجوداً قائماً بنفسه، وبهذا التقدير يكون وجود الله تعالى نفس حقيقته. وهو القول الذي اختاره إبن سينا في جميع كتبه.

 

الثالث:

قول من يقول: إن الوجود صفة من صفات حقيقة الله تعالى ونعت من نعوت ماهيته، وبهذا التقدير فوجود الله غير ماهيته. وهو قول طائفة عظيمة من المتكلمين وهو الذي نصرناه في أكثر كتبنا".

 

والذي ينبغي الوقوف عنده هما القولان "الأخيران، وإما الأول فقد تقدم الكلام عنه في الفصل الثاني من المرحلة الأولى وما يرد عليه. ولذا سوف نتوقر قليلاً على توضيح هذين القولين وما يمكن أن يقال فيهما.

 

القول الأول:

وهو الذي اختاره الفخر الرازي ونسبه إلى طائفة من المتكلمين، وتوضيحه أنه بعد أن حكم أن الوجود شيء واحد في الجميع بنحو الإشتراك المعنوي، ولا يقع على الموجودات بنحو الإشتراك اللفظي "صرح بأن وجود الواجب مساو لوجود الممكنات، ثم أنه لما رأى وجود الممكنات أمراً عارضاً لماهياتها، وكان قد حكم بأن وجود الواجب مساو لوجود الممكنات، حكم بأن وجود الواجب أيضا عارض لماهيته، فماهيته غير وجوده، وظن أنه إن لم يجعل وجود الواجب عارضاً لماهيته، لزمه أما كون ذلك الوجود مساويا للوجودات المعلولة، وإما وقوع الوجود على الواجب ووجود غيره بالإشتراك اللفظي".

 

والتأمل في كلماته جميعاً توصل إلى أنه يريد بيان حقيقة أن وجوده (تعالى) عارض على ماهيته وحقيقته عيناً وخارجاً وبتعبيره "نعت من نعوت ماهيته" والشاهد على ذلك الحجة التي أقامتها الحكمة المشائية لإبطال هذا القول، حيث سيتضح أنها قائمة على إفتراض أن عروض الوجود للماهية وزيادته عليها إنما هي في الواقع الخارجي لا التحليل العقلي. إذن فهذا القول يذهب إلى الزيادة العينية للوجود على الماهية فيه (تعالى) فضلا عن الزيادة والعروض الذهني له عليها. ولكن من جهة أخرى يرى أن ماهيته مجهولة الكنه بالنسبة إلينا، ولا يمكن الوقوف عليها، كما هو الأمر في الماهيات الإمكانية، التي يمكن التعرف عليها وجعلها في جواب السؤال بـ"ما هو".

 

القول الثاني:

إن واجب الوجود لا ماهية له بحسب التحليل العقلي فضلا على الواقع الخارجي، وهذا بخلاف الممكن كالإنسان مثلاً، فإن له ماهية هي الحيوان الناطق ووجوداً هو كونه في الأعيان، وهو الذي اختاره أكثر الحكماء "سواء كانوا قائلين بأصالة الوجود أو لا، فإنهم قائلون في هذه المسألة بأن أنيته تعالى ماهيته، بمعنى أنه لا ماهية له سوى الوجود الخاص المجرد عن مقارنة الماهية، وكما أنهم متفقون في أن الوجود أصل فيه تعالى كذلك متفقون أن ذلك الوجود الأصيل إنية صرفة".

 

قال الشيخ إبن سينا في إلهيات الشفاء "إن الأول لا ماهية له وراء الإنية" بمعنى إن واجب الوجود لا يصح أن يكون له ماهية يلزمها وجوب الوجود، ثم أوضح هذا المدعّى من خلال مثال هو أن المبدأ تعالى يتصف بانه واحد فقال: "والذي جعله – أي المبدأ – منهم واحداً، فمنهم من جعل المبدأ الأول لا ذات الواحد، بل شيئاً هو الواحد، مثل ماء أو هواء أو نار أو إنسان هو واحد، ومنهم من جعل المبدأ ذات الواحد من حيث هو واحد، لا شيء عرض له الواحد، ففرق إذن بين ماهية يعرض لها الواحد والموجود، وبين الواحد الموجود من حيث هو واحد وموجود.

 

فنقول: إن واجب الوجود لا يجوز أن يكون على الصفة التي فيها تركيب حتى يكون هناك ماهية ما، وتكون تلك الماهية واجبة الوجود، فيكون لتلك الماهية معنى غير حقيقتها، وذلك المعنى وجوب الوجود، مثلاً إذا كانت تلك الماهية أنه إنسان فيكون إنه إنسان غير أنه واجب الوجود".

 

القول الثالث:

وهو الذي يأخذ من كل من القولين السابقين شيئاً ويدع شيئا آخر، أما المأخوذ من الأول فهو قبول أن للواجب (تعالى) ماهية ووجوداً بحسب التحليل العقلي، وذلك لأن متقضى كونه وجوداً شخصياً ممتازاً عن غيره، كونه واجداً لما به يمتاز عما عداه، وما به إمتياز كل موجود عن غيره هو ماهيته التي تقال في جواب السؤال بـ"ماهو"، وإما المتروك منه فهو دعوى الزيادة والعروض بحسب الواقع الخارجي. والمأخوذ من الثاني أن الواجب (تعالى) بسيط حقيقة في متن الأعيان، وأن ماهيته عين وجوده الخارجي من دون تقدم أحدهما على الآخر في الواقع، لأن الموجود في الحقيقة هو الوجود، والماهية منتزعة عنه. وإذ جاء في كلمات الإعلام تقدم الوجود – بحسب العين – على الماهية، فمعنا أن الوجود هو الأصل في التقرر والتحقق في الأعيان لكونه نفس التقرر فيها، والماهية مفهومة منه منتزعة عن نحو الوجود الخاص، فتكون فرعاً للوجود بهذا الإعتبار، لا بمعنى المعلولية والتأثر، وليس هذا الأمر مختصاً بالواجب (تعالى)، بل نعتقد أن ذلك جار في الوجودات الإمكانية أيضا. قال المحقق الطوسي في شرح الإشارات: "إذا صدر عن المبدأ وجود، كان لذلك الوجود هوية مغايرة للأول، ومفهوم كونه صادراً عنه غير مفهوم كونه ذا هوية، فإذن ها هنا أمران معقولان:

 

أحدهما: الأمر الصادر عن الأول، وهو المسمى بالوجود.

 

وثانيهما: هو الهوية اللازمة لذلك الوجود، وهي المسمى بالماهية" وربما أشارت بعض كلمات صدر المتالهين إلى هذه الحقيقة أيضا، قال "وتحقيق الحق، إنه كما يوجد في الخارج شخص كزيد مثلا، ويوجد معه صفاته وأعراضه وذاتياته، كالأبيض والضاحك والماشي والجالس والنامي والحيوان والناطق، فهي موجودات توجد بوجود زيد، بل عين زيد ذاتا ووجوداً"، بتعبير آخر: تنتزع الماهية من مرتبة هوية الوجود، فهي غير الوجود ذهنا وعينه خارجاً.

 

وإما المتروك من الثاني فهو القول إنه لا يمكن تحليل واجب الوجود عقلا إلى ماهية ووجود. أجل، هذه الماهية مجهولة لكنه لغيره (تعالى) إذ لا يحيطون به علماً.

 

فأن قلت: كيف يصدق على ما به إمتيازه من غيره الماهية، وهي ما يقال في جواب السؤال بـ "ما هو" ولا يمكننا العلم بماهيته حتى نقوله في جواب "ما هو"؟

 

قلت: ليس معنى كون الشيء له ماهية تقال في جواب "ما هو" هو أن نقدر على معرفة تلك الماهية، وإنما المراد هو قبوله لذلك وإن لم نقدر عليه، فإن عدم علمنا بماهية شيء لا ينافي كونه ذا ماهية.

 

لقد إستدل المصنف في المتن لإثبات مدعى الحكماء بهذا البيان: لو كان للواجب (تعالى) ماهية وراء وجوده الخاص به، لكان وجوده زائداً على ذاته عرضياً لها، لأن الماهية – كما سيأتي في الفصل الأول من المرحلة الخامسة – من حيث هي ليست إلا هي لا موجودة ولا معدومة. بمعنى أن الموجودية ونقيضها ليس شيء منهما مأخوذا في حد ذاتها، بأن يكون عينها أو جزؤها، ومن ثم فهي لا تأبى أن تتصف بهما. إذن الوجود لا هو عين الماهية ولا جزؤها، كما هو الأمر في الحيوانية والناطقية بالنسبة إلى الإنسان. وكذلك لس الوجود لازماً إصطلاحيا للماهية كالزوجية إلى الأربعة، ولا هو لازم ذاتي للماهية كالإمكان بالنسبة إليها. فينحصر الأمر في أن يكون عرضاً غريباً للماهية. هذه صغرى القياس. أما الكبرى فهي قاعدة فلسفية مفادها "أن كل عرضي فهو معلل" بمعنى أن الوجود العارض لكي يحمل على الموضوع المعروض له يحتاج إلى علة.

 

قال صدر المألهين: "إن كل ماهية يعرض لها الوجود ففي إتصافها بالوجود وكونها مصداقاً للموجود، يحتاج إلى جاعل يجعلها كذلك، فإن كل عرضي معلل" فإذا كان وجوده معللا فيحتاج إلى علة، والعلة إما ماهية الواجب أو غيرها ولا ثالث لهما. والثاني محال لأنه يلزم أن يكون الواجب بالذات واجباً بالغير، وقد تقدم إسحالته في الفصل الثاني من هذه المرحلة. فينحصر الأمر في أن تكون الماهية علة لوجوده، وسيأتي في مباحث العلة والمعلول أن العلة التي تفيض الوجود لابد أن تكون متقدمة على المعلول وجوداً، لمكان توقف وجود الفعل على وجود الفاعل.

 

إذن فالماهية الموجودة تكون علة للوجود العارض عليها. هنا ننقل الكلام إلى الوجود الذي يقع وصفاً للماهية التي هي في رتبة العلة، هل هو نفس الوجود الذي يقع في رتبة المعلول أو غيره، ثم إحتمالان لا ثالث لهما، فإذا كان أحدهما عين الآخر يلزم تقدم الشيء على نفسه، لأن المعلول متأخر وجوداً والعلة متقدمة وجوداً، وبطلانه ضروري، حيث يكون الواجب موجوداً قبل أن يحصل له الوجود أي في حال العدم، والوجود في حال العدم جمع للنقيضين الذي هو بديهي الإستحالة. أما إذا كان الوجود في رتبة العلة غير الوجود في رتبة المعلول، فإنه – بالإضافة إلى أن ماهية واحدة توجد بوجودين، وهو غير معقول كما تقدم – يلزم التسلسل في الوجودات، لأننا ننقل الكلام إلى الوجود الذي في رتبة العلة، هل هو عين الماهية أو زائد عليها، فإن كان زائداً عليها كما هو المفروض، فيأتي البيان السابق، فتسلسل وجودات لا متناهية بالنسبة إلى الواجب سبحانه. "وهذا التسلسل المحال عند الحكماء لأن تلك الانيات مترتبة من جهة أن الوجود السابق منشأ للاحق، حيث إن العلة بوجودها مفيضة، ومجتمعة في الوجود أيضا كما هو الظاهر".

 

قال صدر المتألهين: "لو كان وجوده زائداً عليه يلزم تقدم الشيء بوجوده على وجوده، وبطلانه ضروري من دون الإستعانة بما ذكره صاحب المباحث، من أنه يفضي إلى وجود الشيء مرتين وإلى التسلسل في الوجودات، لأن الوجود المتقدم إن كان نفس الماهية فذاك، وإن كان غيرها عاد الكلام فيه وتسلسل.

 

وجه اللزوم: أن الموجود حينئذ يحتاج إلى الماهية إحتياج العارض إلى المعروض، فيكون ممكنا، ضرورة إحتياجه إلى الغير، فيفتقر إلى علة هي الماهية لا غير، لإمتناع إفتقار الواجب في وجوده إلى الغير، وكل علة فهي متقدمة على معلولها بالضرورة، فتكون الماهية متقدمة على وجودها بوجودها".

نفي التشبيه

 

في قوله "ليس كمثله شيء" فهو تعالى ليس له نظير من أي جهة، وذلك لأنه وجود مستقل بذاته، ولا نهاية له وغير محدود من جميع الجهات، لا في علمه، ولا في قدرته، ولا في حياته، ولا في إرادته. وإما ما سواه من الموجودات فهي تابعة ومحدودة ومتناهية وناقصة لذا لا يوجد وجه شبه بين وجوده الذي يمثل الكمال المطلق وبين النقصان المطلق (أي الموجودات) الإمكانية فهو الغني المطلق، ومن سواه فقير ومحتاج في كل شيء. وليس كذاته المقدسة شيء لأنه متنزه عن المثيل والشبيه وهو موجود في كل مكان وليس له كفوء أحد بمعنى ليس له نظير أو ضد والله أكبر من أن يوصف وأعلى من الخيال والقياس والظن والوهم ولا يقاس بمخلوقاته "ما قدّروا الله حق قدره" أي المشركون لأنهم قاسوه بمخلوقاته. قال أمير المؤمنين في خطبته الأشباح: وأشهد أن من ساواك بشيء من خلقك فقد عدل بك، والعادل بك كافر بما تنزلت به محكمات آياتك، ونطقت به شواهد صحيح بيناتك، وأنك أنت الله الذي لم تتناه في العقول فتكون في مهب فكرها مكيف، ولا في روايات خواطرها فتكون محدوداً مصرفاً".

 

وفي حديث الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام بجوابه لأبو فروة عند سؤاله عن التوحيد "أنا روينا أن الله عزو وجل قسم الرؤية والكلام بين إثنين فقسم لموسى عليه السلام الكلام ولمحمد صلى الله عليه وآله الرؤية، فقال أبو الحسن عليه السلام: فمن المبلغ عن الله عز وجل إلى الثقلين الجن والإنس ولا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار" و"لا يحيطون به علما" و"ليس كمثله شيء" أليس محمد صلى الله عليه وآله قال: فكيف يجب رجل إلى الخلف جميعا ويخبرهم أنه جاء من عند الله وأنه يدعوهم إلى الله بأمر الله ويقول ألا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، (ولا يحيطون به علما) (وليس كمثله شيء) ثم يقول: أنا رأيته بعيني، وأحطت به علماً وهو على صورة البشر، أما تستحيون، ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا أن يكون يأتي عن الله بشيء، ثم يأتي بخلافه من وجه آخر.

 

قال أبو فروة: فإنه يقول (ولقد رآه نزلة أخرى) فقال أبو الحسن عليه السلام: إن بعد هذه الآية ما يدل على ما رأى، حيث قال: "ما كذب الفؤاد ما رأى" يقول ما كذب فؤاد محمد صل الله علي وآله ما رأت عيناه، ثم أخبر بما رأى فقال: لقد رأى من آيات ربه الكبرى، فآيات الله عز وجل غير الله: وقد قال ولا يحيطون به علماً، فإذا رأته الأبصار فقد أحاطت به العلم ووقعت المعرفة، فقال أبو فروة: فتكذب بالروايات؟ فقال أبو الحسن عليه السلام: إذا كانت الروايات مخالفة للقرآن كذبت بها وما أجمع المسلمون عليه إنه لا يحاط به علم. لا تدركه الأبصار وليس كمثله شيء.

 

 

 

 

 

 

 

 

17-آب08-2007


 شبكة البتول عليها السلام  @ 11-2006  -  www.albatoul.net

إنتاج : الأنوار الخمسة للإستضافة والتصميم @ Anwar5.Net