البحث الثاني: النتائج المترتبة على المسألة:
تعد هذه المسألة من أهم الأصول والقواعد حيث تبتني عليها فروع كثيرة في الإلهيات بالمغنى الأخص، وسيأتي بيان تلك النتائج في المرحلة الأخيرة من الكتاب، وللإشارة تعرض لبعضها:ـ
- إثبات بساطة ذاته (تعالى) وعدم وجود جنس مشترك بينه وبين سائر الموجودات. وهذه البساطة لا يمكن إثباتها إلا بالإلتزام بأن الواجب (تعالى) لا ماهية له وراء وجوده الخاص به، وذلك لأن "كل ما يفصله الذهن إلى معروض وعارض هو الوجود، كان في مرتبة ذاته – مع قطع النظر عن العارض الذي هو الوجود – كلياً بالضرورة، وكل ما له ماهية كلية، فنفس تصورها لا يأبى أن يكون لها جزئيات غير متناهية إلا لمانع خارجي.
فلو كان المفروض واجباً معنى غير نفس الوجود، يكون معنى كلياً له جزئيات بحسب العقل، فتلك الجزئيات إما أن تكون جميعها ممتنعة لذاتها أو واجبة لذاتها أوممكنة لذاتها. لا سبيل إلى الأول وإلا لما تحقق شيء منها، والكلام على تقدير وجود فرد واجب منها، فلا يمتنع شيء منها لماهيتها، ولا إلى الثاني وإلا لوقع الكل وهو محال، ولا إلى الثالث وإلا لكان هذا الواقع ممكناً أيضا مع أنه واجب، هذا خلف. فإذن إن كان في الوجود واجب بالذات فليس له ماهية وراء الوجود بحيث يفصله الذهن إلى أمرين، فهو الوجود الصرف".
- إثبات توحيده (تعالى):
ودفع بعض الشبهات التي أوردت حوله. "وليعلم أن البراهين الدالة على هذا المطلب – يعني توحيده تعالى – الذي هو من أصول المباحث الإلهية كثيرة، لكن تتميم جميعها مما يتوقف على أن حقيقة الواجب (تعالى) هو الوجود البحت القائم بذاته المعبّر عنه بالوجود المتأكد. وبها يندفع ما تشوشت به طبائع الاكثرين وتبلدت أذهانهم مما ينسب إلى أبن كمونه، لإشتهاره بإبداع هذه الشبهة العويصة والعقدة العسيرة الحل". وسيأتي تقريرها والجواب عنها في الفصل الثاني من المرحلة الثانية عشرة.
- عدم إستطاعة العقل التعرف على كنه ذاته (سبحانه):
لأن العقل إنما يمكنه إكتناه الماهيات، وأما ما لا ماهية له فليس للعقل أن يعرف كنهه، لذلك قيل "إن حقيقة الواجب غير معلومة لأحد بالعلم الحصولي الصوري، فهذا مما لا خلاف فيه لأحد من الحكماء والعرفاء، وقد أقيم عليه البرهان، كيف وحقيقته ليست إلا نحو وجوده العيني الخاص به، وليس الوجود الخاص للشيء متعدداً بخلاف الماهية، فإنها أمر مبهم لا تأبى تعدد أنحاء الوجود لها، والعلم بالشيء ليس إلا نحواً من أنحاء وجود ذلك الشيء للذات المجردة".
وهذا بالإضافة إلى نتائج أخرى سنقف عليها في موضعها المناسب إن شاء الله، وربما قيل أيضا: إن هذه المسألة تطرح مرة في الإلهيات بالمعنى الأعم والأمور العامة وتطرح أخرى في الإلهيات بالمعنى الأخص، وهذا ما صنعه صدر المتالهين في كتابه "الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة" وتبعه المصنف في "نهاية الحكمة" وعندئذ هل يعدّ هذا تكرار في البحث أم هناك نكتة فنية توجب ذلك؟
والجواب أن الذي تثبته البراهين من وجود الواجب (تعالى) في الإلهيات بالمعنى الأخص هو الموجود الذي لا واسطة في الثبوت لوجوده، أي لا يحتاج في تحقق ذاته إلى غيره، بخلاف الممكن فإنه يحتاج في وجوده إلى واسطة في ثبوته، وأما نفي الواسطة في العروض، أي أن الواجب تعالى لا يحتاج إلى غيره في عروض الوجود للماهية، باعتبار أنه لا ماهية له وراء وجوده، فهو الذي يثبت من خلال هذا البحث.
قال المصنف في حواشيه على الأسفار "هذا البحث لا محيص عنه حتى على تقسيم المصنف – صدر المتالهين – الموجود إلى الواجب والممكن، بانتزاع الوجود عن ذاته بذاته، وانتزاعه بملاحظة غيره، فإن الممكن على هذا التقسيم يمكن أن يكون موجوداً بالواسطة في الثبوت كالوجود الإمكاني، أو بالواسطة في العروض كالماهية، فالواجب موجود بذاته من غير واسطة خارجة، أعم من الواسطة في الثبوت والواسطة في العروض، إلا أن الذي يثبته نوع البراهين من وجود الواجب هو الموجود الذي لا واسطة في الثبوت لوجوده، فنفي الواسطة في العروض في مورده يحتاج إلى هذا البحث، حتى يتم للواجب مصداق على هذا التقسيم".
|