الفصل التاسع
ذات الله بُهر برهانه
ما ذاته بذاته لذاته موجود الحق العلي صفاته
إذا الوجود كان واجبا فهو ومع الإمكان قد استلزمه
وقس عليه كل ما ليس امتنع بلا تجسم على الكون وقع
ثم ارجعن ووحدنها جمع في الذات فالتكثير في ما انتزع
ثم الطبيعي طريق الحركة يأخذ للحق سبيلا سلكه
من في حدوث العالم قد انتهج فإنه عن منهج الصدق خرج
(المنظومة 1)
المقصد الثالث في الإلهيات بالمعنى الأخص الفريدة الأول في أحكام ذات الواجب بهر برهانه الغرر 58 في إثباته تعالى وإما إثبات صفاته هنا فهو إستطرادي، ولما كان مطلب ما الشارحة مقدما على مطلب هل البسيطة قلنا (ما ذاته بذاته لذاته) قولهم بذاته ولذاته كالظرف والمجرور إذا افترقا إجتمعا وإذا اجتمعا افترقا فالمراد بالأول نفي الحيثية التقييدية كما في موجودية الماهية الإمكانية وبالثاني نفي الحيثية التعليلية كما في موجودية الوجودات الخاصة الإمكانية.
أو المراد بأحدهما نفي الواسطة في العروض كما في وساطة الوجود الخاص في تحقق الماهية وبالآخر نفي الواسطة في الثبوت كما في وساطة وجود الحق لتحقق الوجود الخاص الإمكاني. والواسطة في العروض أن تكون منشأ لأتصاف ذي الواسطة بشيء ولكن بالعرض كوساطة حركة السفينة لحركة جالسها.
والواسطة في الثبوت أن يكون منشأ للإتصاف بشيء بالذات وهي قسمان أحدهما أن يكون نفسه متصقاً به كالنار الواسطة لحرارة الماء وثانيهما أن لا يكون كالشمس الواسطة لها أو لإسوداد وجه القصار وإبيضاض الثوب (موجود) ومستحق لحمل مفهومه وهو (الحق العلي صفاته) من قبيل إضافة الصفة إلى معمولها كالحسن وجهه لأن الروي في المصراع الأول على الكسر. (إذا) شرطية (الوجود) المراد به حقيقة الوجود الذي ثبت أصالته وأن به حقيقة كل ذي حقيقة (كان واجبا فهو) المراد (ومع الإمكان) بمعنى الفقر والتعلق بالغير لا بمعنى سلب ضرورة الوجود والعدم لأن ثبوت الوجود لنفسه ضروري ولا بمعنى تساوي نسبتي الوجود والعدم لأن نسبة الشيء إلى نفسه ليست كنسبة نقيضه إليه لأن الأولى مكيفة بالوجوب والثانية بالإمتناع (قد استلزمه) على سبيل الخلف لأن تلك الحقيقة لا ثاني لها حتى تتعلق به وتفتقر إليه بل كل ما فرضته ثانيا لها فهو هي لا غير والعدم والماهية حالهما معلومة أو على سبيل الإستقامة بأن يكون المراد بالوجود مرتبة من تلك الحقيقة فإذا كان هذه المرتبة مفتقرة الى الغير استلزم الغنى بالذات دفعاً للدور والتسلسل والأول أوثق وأشرف وأخصر (وقس عليه) أي على الوجود (كل ما) من الصفات (ليس امتنع) أي ممكن بالإمكان العام و(بلا) لزوم (تجسم على الكون) أي الوجود (وقع) حاصله أنه قس عليه الصفات الكمالية فقل إذا كان حقيقة العلم مثلا واجبة فهو والإ استلزمته كما قال المعلم الثاني يجب أن يكون في الحياة حياة بالذات وفي الإرادة إرادة بالذات وفي الإختيار إختيار بالذات حتى تكون هذه في شيء لا بالذات، وإنما عبرنا عن الصفات الكمالية بذلك للإشارة إلى معيار لمعرفة الكمال وهو كل ما يمكن بالإمكان العام للوجود ولا يستلزم عروضه للوجود تخصص إستعداد كالعلم لا كالبياض فكل ما هو كذلك يجب إثباته للواجب. ولما كان لقائل أن يقول فيلزم تكثر الواجب بالذات دفعناه بأنه (ثم ارجعن ووحدنها) أي الصفات (جمعا) تأكيد (في الذات) والمصداق (فالتكثير في ما) أي في مفاهيم (انتزعا) من وجودها لا في وجودها وانتزاع مفاهيم كثيرة من ذات واحدة سائغ لا ينثلم به وحدتها.
ولما فرغنا من طريقة الإلهيين بل المتألهين في إثبات الحق علت صفاته تعرضنا لطريقة غيرهم فقلنا (ثم) الحكيم (الطبيعي) الناظر في الجسم بما هو واقع في التغير وهو موضوع علمه (طريق الحركة) الإضافية بيانية (يأخذ للحق) تعالى أي لإثباته (سبيلا سلكه) فربما يسلك طريق الحركة نفسها بأن الحركة لا بد لها من محرك، والمحرك لا محال ينتهي إلى محرك غير متحرك أصلا دفعاً للدور والتسلسل. وربما يسلك طريق حركة الأفلاك بأنها ليست طبيعية بل نفسانية فهي لغاية ليست شهوية أو غضبية لبراءتها عنها ولا إيصال نفع إلى ما دونها إذ لا وقع له عندها ولا بعضها لبعض وإلا لم ينته عدد الأجسام إلى حد فيجب أن يكون غايتها أمراً غير جسماني إما واجب أو منته إليه. وربما يسلك طريق حركة النفس بأنها في الأمر بالقوة ففي خروجها من القوة إلى الفعل لا بد لها من مخرج فاعلي، وهو أما الواجب أو منته إليه.
وكذا لا بد لها من مخرج غائي. فإن الحركة طلب والطلب لا بد له من مطلوب وكل مطلوب تناله النفس لا تقف عنده ولا تطمئن دونه حتى تفد على باب الله وترد على جنابه فلا بد أن ينتهي المطالب إلى مطلوب به تطمئن القلوب وهو المطلوب وإما (من في) طريق (حدوث العالم) لإثبات صانعه (قد انتهج) من المتكلمين (فإنه عن منهج الصدق خرج) لأن مناط الحاجة إلى العلة هو الإمكان فقط لا الحدوث ولا الإمكان مع الحدوث ولا الإمكان بشرط الحدوث".
|