متون الكتب :  
الفهارس :  
أسماء الكتب والمؤلفين :  
العلاقة بين الماهية والوجود
الكتاب : الذات الإلهية وفق المفهوم الفلسفي    |    القسم : مكتبة عقائد الشيعة

العلاقة بين الماهية والوجود

 

1- لا خلاف بينهم في أن الوجود والماهية في الخارج هما شيء واحد وذات واحدة. وإنما الخلاف بينهم في نوعية العلاقة بينهما في عالم التصور والتعقل الذهني، وهو على قولين هما:

 

أ- أن العلاقة بين الماهية والوجود علاقة إتحاد.

 

ب- أن العلاقة بينهما علاقة تغاير.

 

والقول الأول مذهب أبي الحسن الأشعري ومشايعيه، قال: "وجود كل شيء عين ماهيته" (1) وفسر قوله هذا بأنه يذهب إلى إتحاد الوجود والماهية، أي عدم زيادة

___________________________________

 

(1) التحقيق التام 28.

 

الوجود على الماهية، واستدل له بأن الماهية – في واقعها – إما موجودة أو معدومة. فإن كانت موجودة قبل عروض الوجود عليها يكون الوجود العارض عليها قائماً في ماهية موجودة. وهذا يلزم منه اجتماع المثلين، وهما: المثل الأول: وجود الماهية المفروض قبل عروض الوجود عليها. والمثل الثاني: الوجود العارض عليها. واجتماع المثلين باطل لأنه محال.

 

وعليه يبطل القول بزيادة الوجود على الماهية، ويثبت إتحادهما، ويكون وجود الماهية هو نفس الماهية. وإن كانت الماهية معدومة قبل عروض الوجود عليها يكون الوجود العارض عليها قائماً في ماهية معدومة، فيجتمع النقيضان وهماعدم الماهية المفروض قبل عروض الوجود عليها، والوجود العارض عليها. واجتماع النقيضين باطل لأنه محال، فيبطل القول بزيادة الوجود على الماهية، ويثبت إتحادهما فيكون وجود الماهية هو نفس الماهية، ورد هذا الإستدلال من قبل أصحاب القول الثاني: بأن الماهية من حيث هي وفي واقعها لا موجودة ولا معدومة. فعروض الوجود عليها إنما كان بما هي في واقعها، أي بما هي غير متصفة بالوجود أو العدم، وعليه لا يلزم من عروضه عليها إجتماع المثلين أو إجتماع النقيضين. والدليل على أن الماهية من حيث هي لا موجودة ولا معدومة، ان الماهية "لما كانت تقبل الإتصاف بأنها موجودة أو معدومة، أو واحدة أو كثيرة، أو كلية أو مفردة. وكذا سائر الصفات المتقابلة، كانت في حد ذاتها مسلوبة عنها الصفات المتقابلة. (1)

 

وذهب الآخرون إلى القول الثاني. وفسر: بأن الوجود زائد على الماهية عارض لها. ومقصودهم من هذا: بأن العقل يستطيع "أن يجرد الماهية عن الوجود فيعتبرها وحدها، فيعقلها، ثم يصفها بالوجود وهو معنى العروض. فليس الوجود عيناً للماهية" (2) والتغاير بين الماهية والوجود يتحقق في أن كلا منهما له مفهوم غير مفهوم الآخر. واستدل لهذا القول بأدلة منها:

 

أ- صحة الحمل:

وتقريره: إنا نحمل الوجود على الماهية، فنقول (الماهية موجودة)، فنستفيد منه فائدة معقولة لم تكن حاصلة لنا قبل الحمل، وإنما تتحقق هذه الفائدة على تقدير المغايرة في المفهوم بين الماهية والوجود.

___________________________________

 

(1) بداية الحكمة 75.

(2) بداية الحكمة 13.ء

 

 

إذ لو كان الوجود نفس الماهية لكان قولنا: (الماهية موجودة) بمنزلة (الماهية ماهية) أو (الموجودة موجودة). والتالي باطل فكذا المقدم.(1)

 

ب- صحة السلب:

وتقريره: إنا قد نسلب الوجود عن الماهية فنقول: (الماهية معدومة) أو الماهية ليست موجودة، فلو كان الوجود نفس الماهية لزم التناقض، ولو كان جزء منها لزم التناقض أيضاً، لأن تحقق الماهية يستدعي تحقق أجزائها التي من جملتها الوجود، فيستحيل سلبه عنها، وإلا لزم إجتماع النقيضين، فتحقق إنتفاء التناقض يدل على الزيادة.

 

وصحة الحمل وكذلك صحة السلب دليل التغاير في المفهوم كما هو مقرر في محله ويلخص صاحب المنظومة المسألة على القول الثاني ببيته:

 

إن الوجود عارض الماهية    تصوراً واتحدا هوية

 

ويقول: إن عروض الوجود على الماهية هو في عالم التصور والتعقل فقط، وهو ما عبرنا عنه بالتغاير في المفهوم. أما في عالم الواقع الموضوعي الذي عبر عنه بالهوية وهي حقيقة الشيء من حيث تميزه عن غيره، فهما متحدان، أي هما ذات واحدة.

 

الخلاصة:

ونلخص من كل هذا إلى أن الوجود والماهية متغايران مفهوماً متحدان مصداقاً.

 

2- وينسق على مسألتنا المتقدمة مسألة أخرى من مسائل العلاقة بين الوجود والماهية هي مسألة الأصالة والإعتبارية. فبعد الفراغ من ثبوت تغاير الوجود والماهية مفهوماً، يتساءل أيهما الأصيل وأيهما الإعتباري؟ فهذه المسألة تقوم على ما تقدم من أن العقل يستطيع أن ينتزع من الأشياء الموجودة في الواقع الموضوعي مفهومين متغايرين هما: مفهوم الوجود ومفهوم الماهية. فمثلاً: الإنسان الموجود في الواقع الخارجي يقوى العقل على أن ينتزع منه: أنه إنسان، وأنه موجود فالإنسانية هي الماهية. والموجودية هي الوجود.

___________________________________

 

(1) كشف المراد.

 

 

فأي هذين المفهومين هو الأصيل؟ وأيهما الإعتباري؟ وكما اختلف في المسألة السابقة على قولين اختلف في هذه المسألة على قولين أيضاً هما:

 

أ- الوجود هو الأصيل والماهية اعتبارية.

ب- الماهية هي الأصيلة والوجود إعتباري.

 

قال بالرأي الأول المشاؤون، ونسب القول الثاني إلى الإشراقيين، واستدل للقول الأول بأدلة منها: أن الماهية من حيث هي مستوية النسبة إلى الوجود والعدم، ولا تخرج من هذا الإستواء إلى مستوى الوجود إلا بالوجود، وبواستطة تترتب عليها آثارها التي هي قوام حقيقتها وكمال شيئيتها نحو الجنس والفصل والخاصة كالحيوانية والناطقية والضاحكية للإنسان. ولأن الوجود هو المخرج لها من حد الإستواء المشار إليه كان هو الأصيل. واستدل للقول الثاني: بأن دعوى أصالة الوجود تستلزم أن يكون الوجود الموجود في الخارج موجوداً بوجود آخر. وعليه يلزم أن يكون لوجوده وجود، ولوجود وجوده وجود وهكذا. فتسلسل الوجودات إلى غير نهاية، وهو محال.

 

وعندما تبطل دعوى أصالة الوجود يتعين القول باعتبارية وأصالة الماهية، وردّ: بأن الوجود في الخارج موجود بنفس ذاته لا بوجود آخر، فلا تسلسل.


 شبكة البتول عليها السلام  @ 11-2006  -  www.albatoul.net

إنتاج : الأنوار الخمسة للإستضافة والتصميم @ Anwar5.Net