متون الكتب :  
الفهارس :  
أسماء الكتب والمؤلفين :  
أولاً : علائم عبادية
الكتاب : الاِيمان و الكفر في الكتاب و السنّة    |    القسم : مكتبة عقائد الشيعة
أولاً : علائم عبادية :
العبادة هي التجسيد الحقيقي للاِيمان وتحتل مركز الصدارة في الكشف عن حقيقة إيمان الاِنسان ، فمن آمن بالله تعالى حقاً عليه أن يتقرب إليه بطقوس عبادية تكشف عن عبوديته ، وتعبر عن شكره وحمده لخالقه ، وخير كاشف عن مصداقية الاِيمان هو أداء الاِنسان لما افترضه الله
____________
(1) الاختصاص ، للشيخ المفيد : 365 .
(2) التوحيد ، للشيخ الصدوق : 165 باب معنى جنب الله .
(3) معاني الاَخبار : 368 ـ 369 باب معنى العروة الوثقى .

( 37 )
عليه من صلاة وصيام وحج البيت الحرام وما إلى ذلك من فرائض عبادية. يقول أمير المؤمنين عليه السلام : « .. لا عبادة كأداء الفرائض » (1)، وعن أبي عبدالله عليه السلام قال : « نزل جبرئيل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا محمد.. ما تقرب إليَّ عبدي المؤمن بمثل أداء الفرائض ، وإنّه ليتنفل لي حتى أحبّه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها.. » (2) .
وهناك علاقة طردية بين الاِيمان والعبادة ، كلما أزداد إيمان العبد كلما أقبل على العبادة أكثر فأكثر ، وظهرت عليه علائم التفاعل معها والانفعال بها . كما هو حال أهل البيت عليهم السلام الذين ضربوا بعبادتهم أروع الاَمثلة ، فكانوا عليهم السلام إذا حضرت الصلاة تقشعر جلودهم وتصفر ألوانهم ويرتعدون من خوف الله ، فعلى سبيل الاستشهاد لا الحصر ، ورد عن أبي عبدالله عليه السلام قال : « كان أبي عليه السلام يقول : كان علي بن الحسين صلوات الله عليهما إذا قام في الصلاة كأنه ساق شجرة لا يتحرّك إلاّ ما حرّكه الريح منه» (3).
إنَّ العبادة الصادقة تصنع الاَعاجيب وتمنح المؤمن الكرامة وتزوده بالبصيرة الصافية ، قد تجعله يسبر أغوار نفس غيره فيطلع على ما يدور فيها، تمعّن في الحكاية التالية التي تكشف عن بعض كرامات الاِمام موسى الكاظم عليه السلام كما روتها مصادر العامّة : «عن شقيق البلخي قال : خرجت حاجاً في سنة تسع وأربعين ومئة ، فنزلت القادسية ، فبينما أنا أنظر إلى الناس وزينتهم وكثرتهم ، نظرت فتى حسن الوجه فوق ثيابه ثوب
____________
(1) نهج البلاغة ، صبحي الصالح : 488 | حكم 113 .
(2) المؤمن ، للشيخ الثقة الحسين بن سعيد الكوفي : 32 | 61 .
(3) فروع الكافي 3 : 300 .

( 38 )
صوف مشتملاً بشملة وفي رجليه نعلان ، وقد جلس منفرداً ، فقلت في نفسي : هذا الفتى من الصوفية يريد أن يكون كلاً على الناس في طريقهم ، والله لاَمضينَّ إليه ولاَوبخنه ، فدنوت منه ، فلما رآني مقبلاً قال : « يا شقيق ( اجتَنِبُوا كَثيراً مِنَ الظنِّ إنَّ بعضَ الظنِّ إثمٌ ) (1)» وتركني ومضى ، فقلتُ في نفسي : إنَّ هذا لاَمر عظيم قد تكلم على ما في نفسي ونطق باسمي ، ماهذا إلاّ عبد صالح ، لاَلحقنه ولاَسألنه أن يحللني ، فأسرعت في أثره فلم ألحقه ، وغاب عن عيني ، فلما نزلنا واقصة إذا به يصلي وأعضاءه تضطرب ، ودموعه تجري فقلت : هذا صاحبي أمضي إليه وأستحله ، فصبرت حتى جلس وأقبلت نحوه ، فلما رآني مقبلاً قال : « يا شقيق اقرأ (وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى ) (2)» ثم تركني ومضى، فقلتُ : إنَّ هذا الفتى لمن الاَبدال ، قد تكلم على سري مرتين ، فلما نزلنا إلى منى إذا بالفتى قائم على البئر وبيده ركوة يريد أن يستقي ، فسقطت الركوة من يده إلى البئر وأنا أنظر إليه ، فرأيته قد رمق السماء وسمعته يقول :

« أنت ربي إذا ظمئت من الماء * وقوتي إذا أردت الطعاما

اللّهمَّ أنت تعلم يا إلهي وسيدي ما لي سواها ، فلا تعدمني إياها » ، قال شقيق.. : فو الله لقد رأيت البئر وقد ارتفع ماؤه ، فمدّ يده وأخذ الركوة وملاَها ماء وتوضأ وصلى أربع ركعات ثم مال إلى كثيب من رمل ، فجعل يقبض بيده ويطرحه في الركوة ويحرّكه ويشرب ، فأقبلت إليه وسلمت
____________
(1) سورة الحجرات 49 : 12 .
(2) سورة طه 20 : 82 .

( 39 )
عليه ، فردَّ عليَّ السلام ، فقلت أطعمني من فضل الله ما أنعم الله تعالى به عليك فقال : « يا شقيق لم تزل نعمة الله تعالى علينا ظاهرة وباطنة ، فأحسن ظنك بربك » ثم ناولني الركوة فشربت منها ، فإذا سويق وسكر ، فوالله ماشربت قطّ ألذَّ منه ولا أطيب منه ريحاً ، فشبعت ورويت وأقمت أياماً لا أشتهي طعاماً ولا شراباً ، ثم لم أره حتى دخلنا مكة فرأيته ليلة في جنب قبة الشراب في نصف الليل يصلي بخشوع وأنين وبكاء ، فلم يزل كذلك حتى ذهب الليل ، فلما رأى الفجر جلس في مصلاه يسبح ثم قام فصلى ، فلما سلم من صلاة الصبح طاف بالبيت أسبوعاً وخرج فتبعته ، فإذا له حاشية وأموال ، وهو على خلاف ما رأيته في الطريق ، ودار به الناس من حوله يسلمون عليه ، فقلت لبعض من رأيته بالقرب منه ؟ من هذا الفتى ؟ فقال : هذا موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين.. رضوان الله عليهم أجمعين ، فقلتُ : قد عجبت أن تكون هذه العجائب والشواهد إلاّ لمثل هذا السيد» (1).
يبقى أن نشير إلى أنّ العبادة لا ينحصر مصداقها في الصلاة والصيام وماإلى ذلك من الفرائض العبادية ، بل توجد لها مصاديق أعلى ، تكشف لنا عن علائم المؤمن كالفكر والذكر ، فعن أمير المؤمنين عليه السلام أنّ : « التفكر في آلاء الله نعم العبادة » (2)، وعنه أيضاً أنّ : « التفكر في ملكوت السماوات والاَرض عبادة المخلصين » (3).

____________
(1) روض الرياحين في حكايات الصالحين ، عفيف الدين أبي السعادات عبدالله بن أسعد اليافعي اليمني : 122 | الحكاية 74 مؤسسة عماد الدين ، قبرص .
(2) غرر الحكم .
(3) المصدر السابق .

( 40 )
فالاِنسان إذا كان شغله الشاغل التفكر في خلق الله وآلائه فمن الطبيعي والحال هذه أن يترجم هذا الفكر إلى ذكر يفيض بمعاني الحمد والعرفان ، وهذا من أجلى مظاهر الاِيمان .
يقول علماء النفس : قل لنا فيم تفكر نقل لك من أنت .
ففكر الاِنسان الذي يتجسد في أقواله وينعكس على أعماله يكشف عن شخصيته ومتبنياته العقيدية .
والاِسلام يعتبر التفكر في أمر الله مؤشراً عظيماً على الاِيمان ، يقول الاِمام الصادق عليه السلام : « ليست العبادة كثرة الصلاة والصوم إنّما العبادة التفكر في أمر الله عزَّ وجلَّ » (1).
وقد : «سئلت أمّ أبي ذرّ عن عبادة أبي ذر فقالت : كان نهاره أجمع يتفكر في ناحية عن الناس» (2).

 شبكة البتول عليها السلام  @ 11-2006  -  www.albatoul.net

إنتاج : الأنوار الخمسة للإستضافة والتصميم @ Anwar5.Net