الفصل الأول الجمال الظاهري
بالرغم من كون التفاهم والانسجام الفكري هو الأساس في العلاقات الزوجية ، إلا أن المظهر الخارجي له تأثيراته التي لا يمكن التغاضي عنها ؛ فالمقولة التي تفيد بأن بعض عقول الرجال في عيونهم صحيحة إلى حد ما .
ولذا فإن على الزوجين ، وخاصة المرأة ، الاهتمام بهذا الجانب والسعي دائماً للظهور بالمظهر اللائق ؛ ذلك أن الحياة فن وعلى المرأة أن تحسن مثلاً كيفية الاحتفاظ بقلب زوجها وتفجير عواطفه تجاهها . وفي هذا البحث إشارة إلى جملة من الأمور المهمة التي ينبغي أخذها بنظر الاعتبار . أ ـ إصلاح المظهر :
يظن البعض من الرجال والنساء أن الاهتمام بالمظهر يقتصر على الأيام الأولى من الزواج فقط ، أي في الأيام التي ينبغي فيها الظهور بأبهى ما يمكن من الزينة ، أما بعد أن يصبحوا « أهلاً » وأحبّة فإن المرحلة الجديدة تقتضي التصرف على الطبيعي دون تكلف ، وبالتالي الظهور بالمظهر العادي ، أو حتى إهمال هذا الجانب كليّة .
إن جمال الحياة ولطافتها تفرض على الزوجين الاستمرار في الظهور بأجمل ما يمكن ، والحديث الشريف الذي يقول : « إن الله جميل يحبّ الجمال » له مغزاه ودلالته . فليس من اللائق أن يكون اللقاء بين الزوجين في ملابس العمل وثياب المطبخ ، فالاحترام المتقابل يفرض على الزوجين اهتماماً أكثر
===============
(156)
بمظهرها الخارجي ومحاولة إدخال الرضا في قلب كل منهما بما يعزز من مكانته لديه .
ضرورة ذلك :
وتتجلى أهمية هذا الجانب اليوم أكثر من أي وقت آخر ، فالعصر الحاضر يموج بكل أسباب الانحراف والضياع . فالمحيط الاجتماعي المفتوح ، وبكل ما فيه من إيجابيات ، يبعث في قلب المرء شعوراً بالميل إلى بعض المظاهر الخلاّبة ، ولذا فإن ضعاف الإيمان سرعان ما ينجرفون مع التيار بعيداً . وعلى المرأة أن تنتبه إلى هذا الجانب والاهتمام بمظهرها ، وبالتالي الإسهام في حماية زوجها من الانحراف . وهذه المسألة تنسحب أيضاً على الرجل ، إذ ينبغي له الظهور اللائق أمام زوجته بما يجذبها نحوه ويشدّها إليه .
والاهتمام بالمظهر الخارجي لا يعني فقط الثياب النظيفة والعطور الفوّاحة ، بل يشمل أموراً أخرى كالابتسامة المشرقة والحديث الحلو والمعاشرة الطيبة وإشادة كل منهما بذوق الآخر وإلى آخره .
أضرار التطرف :
« لا إفراط ولا تفريط » تكاد تكون هذه القاعدة شاملة لكل نواحي الحياة ؛ ففي الاهتمام بالجانب الجمالي ينبغي أن يكون الأمر في حدود المعقول ، فلا تفريط بالمظهر الخارجي وإهماله تماماً ، ولا إفراط بهذا الجانب والوصول إلى حدود غير معقولة ، بحيث تنفق المرأة ـ مثلاً ـ من الميزانية ، ما يهدد بقية الجوانب ، وبالتالي تفجير كوامن الغضب في قلب الرجل تجاهها .
إن أساس الحياة المشتركة هو التفاهم والانسجام الفكري ، ولذا فإن مسألة الجمال والزينة هي الأخرى تخضع لهذا القانون ؛ فالنفوذ إلى قلب الرجل أو المرأة لا يقتصر على الزينة الظاهرية فقط ، إنما يتطلب اهتماماً شاملاً بكل أركان الشخصية ، وبنائها المطلوب ؛ ذلك أن الجمال
===============
(157)
الظاهري له تأثيراته المؤقتة ، والتي سرعان ما تنتهى ليبقى الجمال الحقيقي الذي يمكن في جمال النفس والروح .
ب ـ الحياة المنسّقة :
النقطة الأخرى التي لها أهميتها في تعزيز العلاقات الزوجية هي الاهتمام بنظام المنزل وترتيب شؤونه بما يدخل الرضا في أعماق من يعيش فيه ؛ وقد يعترض البعض بأن ذلك يحتاج إلى أن المال في توفير وسائل الراحة ، وقد يكون هذا صحيحاً ، إلا أن الفقر لا يمنع الإنسان من أعمال فكره واستخدام فنّه في مسائل لا تحتاج إلى مال بل تحتاج إلى مهارة وذوق فقط ؛ فالنظام والذوق والنظافة ، ربما تجعل من الغرفة البسيطة والمنزل البسيط آية في الجمال ، تغمر القلب بمشاعر الهدوء والسلام ؛ حتى أن المرء ليشعر بالروح تنبض في كل زاوية من زوايا المنزل وينظر إلى سيدته بعين الاحترام والإجلال .
كسر الرتابة والجمود :
إن عمليات التغيير في نظام البيت وتوزيع أثاثه بين فترة وأخرى يكسر في القلب ـ جدار الملل والرتابة ، ويبعث روحاً جديدة في زواياه .
فترتيب الديكور وتغييره ، وانتخاب نوع آخر من الزينة ، له آثاره النفسية في تجديد فضاء الحياة المنزلية .
وبالرغم من عدم جوهرية هذه المسائل إلا أن تأثيرها قد يصل في بعض الأحيان حداً لم يكن يتصوره أبداً ؛ فقد يعود الرجل من عمله متعباً ، وإذا به يجد كل شيء في استقباله . . كل شيء قد لبس حلّة جديدة . . يجد ابتسامة زوجته ، وطعاماً شهيّاً ، ومكاناً جديداً لاستراحته . . وعندها سيشعر بأن شريكة حياته تعمل المستحيل من أجل توفير كل ما يشعره بالرضا ، فتنفجر في قلبه مشاعر الحب والمودة ، ويصمم على ردّ الجميل في أقرب فرصة تسنح له .
===============
(158)
ج ـ الجوانب المادّية :
إنها مجرد مزاعم عندما يدّعي البعض بأنّ النزاع الذي ينشأ في حياتهم الزوجية لا علاقة له بالمسائل المادّية ، كالطعام وتوفير جوّ من الراحة ؛ غير أن الحقيقة أن هذه المسائل ـ وبالرغم من كونها هامشية إلى حدّ ما إلا أنها قد تكون ذات تأثير بالغ في تفجير النزاع بين الزوجين ؛ ذلك أن الحياة لا تنفكّ عن هذه الأمور أبداً . فالجائع يكون عصبي المزاج ، خاصّة عندما لا يجد مكاناً لاستراحته فإنه سرعان ما يثور غاضباً . ولذا فإن على المرأة والرجل أن يوليا أهمية لهذه الجانب لما له من الأهمية في الحياة الزوجية .
فالرجل الذي يعود من عمله متعباً جائعاً ثم لا يجد طعاماً يسدّ به رمقه ، ولا يجد مكاناً مناسباً يأوي إليه ويستريح فيه ، لا بدّ وأن يحزّ في نفسه ذلك ويستنتج منه أن زوجته لا تقدر تعبه ولا تحترمه مما يولّد ضعفاً في عواطفه تجاهها ، وقد يثور في وجهها عندما تشتعل شرارة الموقف .
صحيح أنه ليس من واجبات المرأة تهيئة وإعداد الطعام ، ولكنه من دواعي اللياقة والأدب وحسن المعاشرة أن يكون هناك احترام للزوج ينعكس ويتجسد في توفير بعض متطلباته الضرورية .
فالمرأة الماهرة يمكنها وبقليل من المال ـ أن تهيىء طعاماً متنوعاً يثير شهية زوجها ويدفعه إلى إعجابه بزوجته التي تتفنن وتفعل المستحيل من أجله ، وهذا ما ينعكس في قلبه ويفجر مكامن الحب فيه تجاهها .
توفير الراحة :
لا شك في أن الرجل والمرأة يبذلان من طاقاتهما الكثير . هذا خارج المنزل يكدّ ويتعب من أجل توفير العيش الكريم ، وتلك تدور في المنزل هنا هناك تعدّ الطعام تارة ، وتغسل الثياب تارة أخرى ، وترتّب البيت أحياناً ، وتقوم على تربية الأطفال أحياناً أخرى ، وغير ذلك من شؤون المنزل .
وقد يتعب الرجل أكثر من زوجته ، فالرجل يهبّ لمساعدة زوجته
===============
(159)
ويخفف عنها بعض عناء العمل ، والزوجة تهبّ لمساعدة زوجها في إنجاز بعض شؤونه وتوفير بعض مستلزماته وإشعاره بالدعم والمحبة .
فالتعب والحاجة إلى الاستراحة والتقاط الأنفاس قد يتسبّب في الشعور بالمرارة ، خاصّة إذا كان هناك إهمال من الطرف الآخر . وما أكثر أولئك الذين يتصورون البيت جحيماً لأنهم لا يجدون من يهتم بهم أو يلتفت إليهم .
فقد تتصور المرأة أنها لو بقيت في بيت أبيها لما عانت ما تعانيه من التعب والإرهاق ، ويتصور الرجل لو أنه يقضي وقته خارج المنزل لوجد له مكاناً يأوي إليه ويستريح فيه .
إن توفير جو من الراحة والهدوء هي من واجبات الزوجين تجاه بعضهما البعض ، فالقيام برحلة ممتعة حتى لو كانت قريبة ، وتغيير الجو كما يقولون ضروري بين فترة وأخرى .
كما أن زيارة الأصدقاء والمعارف وصلة الأرحام له تأثيره الإيجابي في انعاش الحياة الزوجية ورفدها بدماء جديدة . د ـ رعاية الأدب والأخلاق :
إن أسمى مقومات الحياة الزوجية إنما تتجسد في رعاية الزوجين للأدب والخلق الكريم ، وذلك الاحترام العميق ، والعلاقات الصحيحة في علاقة الزوجين بعضهما ببعض ؛ ذلك أن الخيانة والحسد وبذاءة اللسان والأنانية والكذب ، هي وقود النزاعات والخلافات في الحياة الزوجية .
إن جمال الحياة الزوجية يكمن في تلك الابتسامات المضيئة ، والمعشر الحلو ، والحديث اللطيف الهادىء ، والحب العميق . فالمرأة لا تنسى أبداً كلمات الحب التي يتمتم بها زوجها ، كما أن الرجل يشعر بالدفء وبالقوة أيضاً عندما يجد زوجته تقف إلى جواره وجانبه ؛ فالحياة المشتركة هي رحلة يقوم بها الرجل والمرأة معاً ، يداً بيد .
===============
(160)
ضرورة ضبط النفس :
إن الحياة المشتركة تفرض على المرأة احترام مشاعر زوجها ، وتوجب على الرجل مداراة زوجته وعدم إهانتها أو توجيه كلمة تجرح قلبها ، فقد تفعل الكلمة القاسية ما لا يفعله خنجر مسموم من الألم والمرارة .
إن ضبط النفس والحديث الهادىء الذي يفيض حباً ومودة لا بدّ وأن يزرع في قلب الآخر شعوراً بالمحبة والصفاء ، ولذا فإن على المرأة مراعاة الحالة النفسية لزوجها ومن ثم التعامل معه في ضوء ذلك . وعلى الرجل رصد نفسية زوجته ، ومن ثم العمل على إدخال الفرحة إلى قلبها .
فكلمة حب دافئة ، وابتسامة مختصرة قد تساوي في نظر المرأة ملء الدنيا ذهباً ؛ كما أن الرجل يشعر بالسعادة عندما يرى زوجته تفيض حيوية ونشاطاً ، وبهذا يتعانق قلباهما وتتشابك روحاهما ، وبالتالي تتفجر ينابيع السعادة .
===============
(161)
|