ثانياً : العمل الصالح : وهو العنصر الثاني الذي يقترن بالاِيمان ويسهم في إيصال المؤمن إلى أعلى الدرجات ، قال تعالى : ( ومَن يأتِهِ مؤمِنَاً قد عَمِلَ الصَّالِحاتِ فأُولئِكَ لهُمُ الدَّرجاتُ العُلى ) (4).
وإذا كان الاِيمان يمنح الشخصية الاِيمانية الرؤية الصحيحة وسلامة التصور ونقاء الاعتقاد فإنَّ العمل الذي هو شعار المؤمن يفجّر طاقتها الابداعية ، فتنطلق في آفاق أرحب وتحيى حياة طيبة ، يقول عزَّ من قائل : ( مَن عَمِلَ صالِحاً من ذَكرٍ أو أُنثى وهوَ مؤمِنٌ فلنُحِيينَّهُ حياةً طيّبةً ولنُجزينَّهُم أجرَهُم بأحسنِ ما كانُوا يعملُونَ ) (5). فالاِسلام لا يريد من المؤمن أن ينعزل ____________ (1) كنز العمال 10 : 160 | 28831 . (2) سورة فاطر 25 : 28 . (3) روضة الواعظين : 9 في فضل العلم . (4) سورة طه 20 : 75 . (5) سورة النحل 16 : 97 .
( 29 )عن الحياة ويكتفي بالاِيمان المجرَّد الذي يقصره البعض وفق نظره القاصر على الاعتقاد القلبي أو التلفظ اللساني ، وإنّما يُريد المؤمن أن يترجم إيمانه إلى عمل صالح يحقق النقلة الحضارية التي تتطلع إليها الاُمّة الاِسلامية كأُمّة رائدة .
ومن يتدبر في قوله تعالى : (.. ويَستخلِفَكُم في الاَرضِ فينظُرَ كيف تَعمَلونَ ) (1) ، يلاحظ أنه استعمل لفظة «كيف» ولم يقل «كم» تعملون ، لاَن الاَهم هو نوعية العمل وأبعاده الحضارية وليس كميته . فمبيت الاِمام علي عليه السلام ـ على سبيل المثال ـ ليلة واحدة في فراش الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أنقذت الرسول والرسالة ، وضربته يوم الخندق كانت تعادل عبادة الثقلين ! .
فالاِنسان يرتفع بنوعية العمل الذي ينجزه على صعيد الواقع ، ومن هنا ركّزت مدرسة أهل البيت عليهم السلام على «الثنائي الحضاري» المتمثل بالاِيمان المقترن بالعمل ، وفي هذا الصدد قال أمير المؤمنين عليه السلام : « لا تكن ممّن يرجو الآخرة بغير عمل.. يحبُّ الصالحين ولا يعملُ عملهم... » (2).
ومن المعروف أنّ بعض الناس يتّكلون على أحسابهم الرّفيعة في كسب المكانة الاجتماعية ، ولكن الاِمام علياً عليه السلام ركّز على مقياس العمل وأعطاه الاَولوية في تكامل الاِنسان ورفعته ، فقال عليه السلام : « من أبطأ به عمله، لم يسرع به حسبه » (3).
وكان أئمة أهل البيت عليهم السلام على الرغم من شرف حسبهم ، وسمو ____________ (1) سورة الاَعراف 7 : 129 . (2) نهج البلاغة ، صبحي الصالح : 497 | حكم 150 . (3) نهج البلاغة ، صبحي الصالح | 472 | حكم 23 .
( 30 )مقامهم الاجتماعي ، يجهدون أنفسهم في العمل ، فعلى سبيل الاستشهاد أنّ الاِمام عليّاً عليه السلام قد أعتق من كد يده جماعة لا يحصون كثرة ، ووقف أراضي كثيرة وعيناً استخرجها وأحياها بعد موتها (1). وسلك ذات المسلك ولده من بعده ، كانوا يعملون لخدمة الناس فينقلون على ظهورهم الجراب وفيها الدقيق والاَطعمة إلى المحتاجين والفقراء . وكانوا يعملون بأيديهم الكريمة في الشمس المحرقة حباً للعمل واحتساباً لله ، حتى عرّضوا أنفسهم في بعض الاحيان لسهام النقد المسمومة وقوارص الكلام ، ومن الشواهد ذات الدلالة ما ورد عن أبي عبدالله عليه السلام قال : « إنَّ محمد بن المنكدر كان يقول : ما كنت أرى أنّ مثل علي بن الحسين عليه السلام يدع خلفاً لفضل علي بن الحسين عليهما السلام حتى رأيت ابنه محمد بن علي فأردت أن أعظه فوعظني فقال له أصحابه بأي شيء وعظك ؟ قال : خرجتُ إلى بعض نواحي المدينة في ساعة حارة فلقيتُ محمد بن علي عليهما السلام وكان رجلاً بديناً وهو متكىء على غلامين له أسودين أو موليين له ، فقلت في نفسي شيخ من شيوخ قريش في هذه الساعة على هذه الحال في طلب الدّنيا لاَعظه فدنوت منه فسلمت عليه فسلم عليَّ بنهر وقد تصبب عرقاً فقلتُ أصلحك الله شيخ من أشياخ قريش في هذه الساعة على هذا الحال في طلب الدنيا لو جائك الموت وأنت على هذه الحال قال : فخلى عن الغلامين من يده ثم تساند وقال لو جائني والله الموت ، وأنا في هذه الحال جائني وأنا في طاعة من طاعات الله أكف بها نفسي عنك وعن الناس وإنّما كنت أخاف الموت لو جائني وأنا على معصية من معاصي الله فقلت يرحمك الله أردت أن أعظك ____________ (1) الفصول المختارة : 103 .
( 31 )فوعظتني » (1) .
|