المبحث الثالث : مراتب الاِيمان :
إذا كان الاِيمان هو العلم بالشيء مع الالتزام به بحيث تترتب عليه آثاره العملية ، وكان كل من العلم والالتزام مما يزداد وينقص ويشتد ويضعف ، كان الاِيمان المؤلف منهما قابلاً للزيادة والنقيصة والشدة والضعف ، فاختلاف المراتب وتفاوت الدرجات من الضروريات التي ينبغي أن لايقع فيها اختلاف . هذا ماذهب إليه الاَكثر ، وهو الحق . ويدل عليه من النقل قوله تعالى : ( ليزدَادُوا إيماناً مع إيمانِهِم ) وغيره من الآيات .
كما ورد في أحاديث أئمة أهل البيت عليهم السلام الدالة على أنّ الاِيمان ذو مراتب (2).
كالذي رواه عبدالعزيز القراطيسي قال : قال لي أبو عبدالله عليه السلام : «ياعبدالعزيز أنّ الاِيمان عشر درجات بمنزلة السلَّم يصعد منه مرقاة بعد مرقاة فلا يقولنَّ صاحب الاثنين لصاحب الواحد لست على شيء حتى ينتهي إلى العاشر » (3).
وكذلك ما ورد عن الاِمام الصادق عليه السلام أنه قال : « الاِسلام درجة ____________ (1) اُصول الكافي 2 : 71 . (2) تفسير الميزان 18 : 259 . والآية من سورة الفتح 48 : 4 . (3) اُصول الكافي 2 : 45 | 2 كتاب الاِيمان والكفر باب آخر من درجات الاِيمان .
( 25 )والاِيمان عن الاِسلام درجة . واليقين على الاِيمان درجة . وما أوتي الناس أقلَّ من اليقين » (1).
وعن أبي عمرو الزبيدي عن أبي عبدالله عليه السلام أنه قال : «.. الاِيمان حالات ودرجات وطبقات ومنازل ، فمنه التام المنتهي تمامه ، ومنه الناقص البيّن نقصانه ، ومنه الراجح الزائد رجحانه ، قلت : إنَّ الاِيمان ليتم وينقص ويزيد ؟ قال عليه السلام : نعم.. قلت : .. فمن أين جاءت زيادته ؟ فقال عليه السلام : قول الله عزَّ وجلَّ : ( وإذا ما أُنزلت سُورةٌ فمنهُم من يقُولُ أيُّكُم زادتُهُ هذه إيماناً فأمَّا الَّذينَ آمنُوا فزادتهُم إيماناً وهُم يستبشرُونَ * وأمّا الَّذينَ في قُلوبِهِم مرضٌ فَزَادتهُم رجِساً إلى رِجسِهِم ) (2). وقال : ( نحنُ نقُصُّ عليكَ نبأهُم بالحقِ إنّهُم فتيةٌ آمنُوا بربّهِم وزدناهُم هُدىً ) (3). ولو كان واحداً لا زيادة فيه ولا نقصان لم يكن لاَحد منهم فضل على الآخر ولاستوت النعم فيه ولاستوى الناس وبطل التفضيل ، ولكن بتمام الاِيمان دخل المؤمنون الجنة ، وبالزيادة في الاِيمان تفاضل المؤمنون بالدرجات عند الله وبالنقصان دخل المفرّطون النار » (4).
ومن كلِّ ما تقدم تبين أنّ الاِيمان له مراتب ودرجات متفاوتة بتفاوت العلم والمعرفة والعمل الصالح ، والناس يختلفون تبعاً لذلك قال تعالى : ( هُم درجاتٌ عندَ اللهِ واللهُ بَصيرٌ بما يَعمَلُونَ ) (5).
____________ (1) تحف العقول : 358 . (3) سورة التوبة 9 : 124 ـ 125 . (4) سورة الكهف 18 : 13 . (5) اُصول الكافي 2 : 33 ، 37 | 1 كتاب الاِيمان والكفر . (6) سورة آل عمران 3 : 163 .
( 26 ) وروى الفضيل بن يسار عن الاِمام الرضا عليه السلام قوله : « إنَّ الاِيمان أفضل من الاِسلام بدرجة ، والتقوى أفضل من الاِيمان بدرجةٍ ، ولم يُعط بنو آدم أفضل من اليقين » (1).
ولا شكّ أنّ أكثر الخلق إيماناً بالله تعالى هم الاَنبياء والاَوصياء عليهم السلام ، لاَنهم صفوة الخلق من العباد ، ثم يليهم رتبة من خلص لله سراً وعلانية .
ومنهم دون ذلك ، يقول الاِمام الصادق عليه السلام : « إنَّ الاِيمان عشر درجات بمنزلة السلّم ، يصعد منه مرقاة بعد مرقاة.. وكان المقداد في الثانية ، وأبو ذر في التاسعة ، وسلمان في العاشرة » (2).
ومنهم من عصفت بهم موجة الشك في أوقات الشدّة والعسر .
ولا بدَّ من التنويه على أنّ الترقي الممدوح هو أن يرتفع المؤشر البياني للاِيمان ؛ لاَنّ كل هبوط فيه إنّما هو نتيجة الشك أو الشبهة مما يكسب ذلك صاحبه المذمة والملامة ويبعده عن ساحة الحق تعالى .
عن الحسين بن الحكم قال : كتبت إلى العبد الصالح عليه السلام ـ الاِمام الكاظم ـ أُخبره إنّي شاك وقد قال إبراهيم عليه السلام : ( ... ربِّ أرِنِي كيفَ تُحيي الموتى ) (3) وإنّي أحبُّ أن تريني شيئاً ، فكتب عليه السلام : « إنّ إبراهيم كان مؤمناً وأحبَّ أن يزداد إيماناً وأنت شاك والشاك لا خير فيه... » (4).
____________ (1) تحف العقول: 445. (2) الخصال، للشيخ الصدوق: 448 / 87 باب العشرة. (3) سورة البقرة 2 : 260. (4) اصول الكافي 2 : 399/ 1 كتاب الايمان والكفر.
|