متون الكتب :  
الفهارس :  
أسماء الكتب والمؤلفين :  
3 - وجهه نظر بني هاشم
الكتاب : الإمامة وأهل البيت (ع) ج1    |    القسم : مكتبة أهل البيت (ع)

3 - وجهه نظر بني هاشم:

- وفيهم العباس بن عبد المطلب - عم النبي صلى الله عليه وسلم - وابنا عمه الإمام علي بن أبي طالب والفضل بن العباس، ومعهم ابن عمته الزبير بن العوام، وقد ظهرت آراؤهم بعد السقيفة، وقد رأوا أن الإمام علي أحق بالخلافة من غيره، وفي ذلك يقول الفضل بن العباس: يا معشر قريش، ما حقت لكم الخلافة بالتمويه ونحن أهلها، وصاحبنا (أي الإمام علي) أولى بها منكم (3)، هذا إلى أن الإمام علي - رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة - إنما يؤكد أنه صاحب هذا الأمر، وأنه لم يستشر (4).

هذا وقد اختلف بواعث المؤيدين للإمام علي، فكان باعث القرابة بالنسبة لذوي قرباه، كالعباس وولده الفضل، والزبير، وربما خالد بن سعيد الأموي، هذا فضلاً عن كفاءة يرونها في الإمام علي، وكان باعث الاعتقاد في أفضلية الإمام علي بالنسبة لغيره من الصحابة، وهؤلاء يراهم جمهور الشيعة، وبعض

____________

(1) تاريخ اليعقوبي 2 / 123.

(2) تاريخ الطبري 3 / 220.

(3) تاريخ اليعقوبي 2 / 124.

(4) أنظر: البلاذري: أنساب الأشراف 1 / 582، تاريخ الطبري 3 / 202، 208، المسعودي: مروج الذهب 1 / 594.

الصفحة 338
السنة رواد التشيع الأوائل، وعلى رأسهم سلمان وأبو ذر وعمار والمقداد.

ويقول خالد بن سعيد الأموي - وكان غائباً يوم السقيفة - للإمام علي:

هلم أبايعك، فوالله ما في الناس أحد أولى بمقام محمد منك (1)، وروى المدائني عن أبي زكريا العجلاني عن صالح بن كيسان قال: قدم خالد بن سعيد بن العاص من ناحية اليمن، بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فأتى علياً وعثمان فقال:

أنتما الشعار، دون الدثار، أرضيتم يا بني عبد مناف أن يلي أمركم عليكم غيركم؟ فقال علي: أو غلبة تراها؟ إنما هو أمر الله يضعه حيث يشاء، قال: فلم يحتملها عليه أبو بكر، واضطغنها عمر... ولم يبايع خالد أبا بكر إلا بعد ستة أشهر (2).

ويقول سلمان الفارسي - حين بويع أبو بكر - كرداذ وناكرداذ، أي علمتم وما عملتم، لو بايعوا علياً لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم (3)، وقد أنشد عتبة بن أبي لهب بن عبد المطلب:

ما كنت أحسب أن الأمر منصرف * عن هاشم ثم منهم عن أبي حسن
عن أول الناس إيماناً وسابقة * وأعلم الناس بالقرآن والسنن
وآخر الناس عهداً بالنبي ومن * جبريل عون له في الغسل والكفن
من فيه ما فيهم لا يمترون به * وليس في القوم ما فيه من الحسن (4)

ولعل من الأهمية بمكان التركيز هنا على حقيقة لا ريب فيها، ذلك أن أصحاب النبي الكبار، بإيمانهم وتقواهم. - من أمثال الصديق والفاروق وذي النورين والإمام - لا يتنافسون مغنماً من مغانم الدنيا، مهما عظم، لا سيما في ذلك الوقت، حيث كانت فجيعتهم بموت نبيهم، لا تترك في أنفسهم المفعمة

____________

(1) تاريخ اليعقوبي 2 / 126.

(2) أنساب الأشراف 2 / 588.

(3) أنساب الأشراف 1 / 591.

(4) محمد أمين غالب الطويل: تاريخ العلويين ص 143 - 144 (دار الأندلس - بيروت).

الصفحة 339
بالأسى، مكاناً لأي من رغبات الحياة الدنيا، وإنما يرجع استمساك كل منهم بموقفه، إلى أن كلاً منهم إنما وقف إلى جانب اقتناعه وما اعتقد أنه الحق، ثم إن الخلافة - وإن كانت في شكلها الخارجي تشكل سلطة سياسية، ومنصباً دينياً - إلا أنها في أفئدتهم، وفي إدراكهم الحقيقي لها، لم تكن سوى وظيفة من أسمى وظائف الهداية والقدوة، وفي مثل هذا، لا جرم أن يتنافس المتنافسون.

هذا إلى أن وقائع التاريخ وحقائقه، إنما تؤكد أن الخلفاء الراشدين الأربعة، لم يكونوا يرون في منصب الخلافة سوى عبء فادح مبهظ، ولولا أن الهروب منه خيانة لله ورسوله وللمسلمين، لجعلوا بينهم وبينه بعد المشرقين، فلا الطموح الشخصي، ولا الرغبة في النفوذ والسلطان، كان لأحدهما، أولهما معاً، مكان بين دوافع ذلك الخلاف، الذي ثار حول من يخلف الرسول صلى الله عليه وسلم، تلك حقيقة لا ريب فيها.

ومن المعروف أن الإمام علي، وآل البيت الطيبين الطاهرين، قد انشغلوا - بعد انتقال الرسول صلى الله عليه وسلم - مباشرة، بتجهيزه صلى الله عليه وسلم، وفي هذه الأثناء، وقبل أن تشيع جنازة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ما يزال بعد مسجى في بيته، وقد أغلق أهله دونه الباب، حدث أمر جد خطير، فلقد اجتمع الخزرج بقيادة سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة (1)، وخف إليهم رجال الأوس، بغية أن يختاروا من بينهم

____________

(1) أنظر عن أخبار يوم السقيفة (تاريخ الطبري 3 / 201 - 207، 218 - 223، تاريخ ابن خلدون 2 / 853 - 855 (القاهرة 1979)، ابن الأثير: الكامل في التاريخ 2 / 325 - 332، سيرة ابن هشام 4 / 488 - 492، شرح نهج البلاغة 6 / 5 - 45 (بيروت 1965)، محمد حسين هيكل:

الصديق أبو بكر ص 47 - 71 (القاهرة 1964)، الفاروق عمر ص 74 - 76 (القاهرة 1963)، السيوطي: تاريخ الخلفاء ص 58 - 70 (القاهرة 1952)، ابن كثير: البداية والنهاية 6 / 340 - 341، البلاذري: أنساب الأشراف 1 / 579 - 591 (القاهرة 1959)، سليم بن قيس: كتاب سليم بن قيس - أو السقيفة (المطبعة الحيدرية - النجف).

الشبلنجي: نور الأبصار ص 53، ابن عبد ربه: العقد الفريد 5 / 11 - 114 (بيروت 1983)، أحمد الشامي: الخلفاء الراشدون ص 16 - 38 (القاهرة 1982).

الصفحة 340
رجلاً، يكون على رأس المسلمين - بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم - فلقد اعتقد الأنصار أنهم أولى بهذا الأمر، بعد أن آوى الإسلام إليهم، وأذن الله لرسوله بالهجرة إليهم، ليتخذ مدينتهم موطناً له، ومنطلقاً لرسالته، فأتى الخبر أبا بكر، فأسرع معه عمر بن الخطاب، وأبو عبيدة بن الجراح، إلى سقيفة بني ساعدة، وبعد جدال طال، ولم يستطل، انتهى المجتمعون إلى اختيار أبي بكر خليفة للمسلمين.

وكان الإمام علي - رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة - في تلك الساعات الرهيبة، بجوار الجثمان الطاهر، المسجى في حجرته، ومن ثم فلم يحضر - هو وكذا بنو هاشم - اجتماع السقيفة، ولو شهد الإمام علي هذا الاجتماع، لكان له فيه مقال، ولربما أخذت الأمور في هذا اليوم المشهود اتجاهاً آخر غير اتجاهها الذي سارت فيه، خاصة وأن كثيراً من المصادر تذهب إلى أن الأنصار، إنما كانوا يفضلون الإمام علي بن أبي طالب (1).

على أن الإمام علي سرعان ما بايع الصديق، حين رأى في عدم بيعته فرقة للمسلمين، قد يستغلها ضعاف الإيمان، روي أن أبا سفيان بن حرب - وهو من الطلقاء، ومن المؤلفة قلوبهم - انتهز الفرصة وعمل على إشعال نار الفتنة بين علي والعباس، ثم بين بني هاشم وسائر بطون قريش، يعد قوماً بنصرة بني أمية، ونصرة قريش من ورائها، ويوسوس لقوم آخرين بمثل هذا الوعد، أو بمثل هذا الوعيد، وما كان من همه أن ينصف بني هاشم، ولا أن يؤيد الأنصار، وإنما أراد الوقيعة التي يخذلهم بها جميعاً، أملاً في أن يعود له ما كان في الجاهلية.

روى البلاذري بسنده عن محمد بن المنكدر قال: جاء أبو سفيان إلى علي فقال: أترضون أن يلي أمركم ابن أبي قحافة، أما والله لئن شئتم لأملأنها عليه خيلاً ورجالاً، فقال علي: لست أشاء ذلك، ويحك يا أبا سفيان، إن المسلمين

____________

(1) أنظر: تاريخ اليعقوبي 2 / 123، شرح نهج البلاغة 6 / 44 - 45، ابن الأثير: الكامل في التاريخ 2 / 325.

الصفحة 341
نصحة بعضهم لبعض، وإن ناءت دارهم وأرحامهم، وإن المنافقين غششة بعضهم لبعض، وإن قربت ديارهم وأرحامهم، ولو لا أنا رأينا أبا بكر أهلاً لها، ما خليناه وإياها.

وروى المدائني بسنده عن الحسين عن أبيه: أن أبا سفيان جاء إلى علي، عليه السلام، فقال: يا علي، بايعتم رجلاً من أذل قبيلة في قريش، أما والله لو شئت لأضر منها عليه من أقطارها، ولأملأنها عليه خيلاً ورجالاً، فقال علي:

إنك طال ما غششت الله ورسوله، والإسلام فلم ينقصه ذلك شيئاً، إن المؤمنين وإن ناءت ديارهم وأبدانهم، نصحة بعضهم لبعض، وإنا قد بايعنا أبا بكر، وكان والله لها أهلاً (1).

ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى الخلاف الشديد بين العلماء حول الوقت الذي بايع فيه الإمام الصديق، فهناك اتجاه إلى أن الإمام علي إنما قد بايع أبا بكر الصديق عقب بيعة الناس له مباشرة، روى الطبري بسنده عن حبيب بن أبي ثابت قال: كان علي في بيته إذ أتي فقيل له: قد جلس أبو بكر للبيعة، فخرج في قميص ما عليه إزار ولا رداء، عجلاً، كراهية أن يبطئ عنها، حتى بايعه، ثم جلس إليه وبعث إلى ثوبه فأتاه فتجلله، ولزم مجلسه (2).

وروى البيهقي بسنده عن أبي سعيد الخدري قال: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، واجتمع الناس في دار سعد بن عبادة، وفيهم أبو بكر وعمر، قال: فقام خطيب الأنصار فقال: أتعلمون أنا أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنحن أنصار خليفته، كما كنا أنصاره، قال: فقام عمر بن الخطاب فقال: صدق قائلكم، ولو قلتم غير هذا لم نبايعكم، فأخذ بيد أبي بكر وقال: هذا صاحبكم فبايعوه، فبايعه عمر، وبايعه المهاجرون والأنصار، وقال: فصعد أبو بكر المنبر، فنظر في وجوده القوم، فلم ير الزبير، قال: فدعا الزبير فجاء، قال: قلت: ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أردت

____________

(1) أنساب الأشراف 1 / 588.

(2) تاريخ الطبري 3 / 207.

الصفحة 342
أن تشق عصا المسلمين، قال: لا تثريب يا خليفة رسول الله، فقام فبايعه، ثم نظر في وجوه القوم فلم ير علياً، فدعا بعلي بن أبي طالب، قال: قلت:

ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وختنه على ابنته، أردت أن تشق عصا المسلمين، قال:

لا تثريب يا خليفة رسول الله، فبايعه (1).

على أن هناك وجهاً آخر للنظر، يذهب إلى أن البيعة تمت مباشرة، غير أنها تمت بإكراه، فقد روي عن أبي لهيعة عن أبي الأسود قال: غضب رجال من المهاجرين في بيعة أبي بكر، بغير مشورة، وغضب علي والزبير، فدخلا بيت فاطمة، معهما السلاح، فجاء عمر في عصابة، فيهم أسيد بن حضير، وسلمه بن قريش - وهما من عبد الأشهل - فاقتحما الدار، فصاحت فاطمة وناشدتهما الله، فأخذوا سيفيهما، فضربوا بهما الحجر حتى كسروهما، فأخرجهما عمر يسوقهما حتى بايعا (2).

وفي تاريخ الطبري (3): وتخلف علي والزبير، واخترط الزبير سيفه وقال:

لا أغمده حتى يبايع علي، فبلغ ذلك أبا بكر وعمر، فقال عمر: خذوا سيف

____________

(1) ابن كثير: البداية والنهاية 6 / 341.

(2) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 6 / 47.

(3) هو الإمام أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري، المؤرخ المفسر المحدث الفقيه أحد العلماء غزيري الإنتاج في العلوم الإسلامية، لم يقتصر اهتمامه على التاريخ والتفسير والحديث، بل تناول النحو والأخلاق والرياضيات والطب، وكان في أول أمره على مذهب الشافعي، ثم أسس بعد عودته من مصر مدرسة فقهية نسبت إليه سميت الجريرية، وإن كانت شهرته إنما تقوم على كتابيه: تاريخ الطبري وتفسير الطبري، ولد عام 224 أو 225 هـ‍(839 م) وتوفي في بغداد عام 310 هـ‍(1923)، وأهم مصادر ترجمته: الفهرست ص 234 - 235، تاريخ بغداد للخطيب 2 / 162 - 169، إرشاد الأريب لياقوت 6 / 423 - 462 (ط لندن) 18 / 40 - 94 (ط القاهرة)، أنباء الرواة للقفطي 3 / 89 - 90، غاية النهاية لابن الجوزي 2 / 106 - 108، تذكرة الحفاظ للذهبي 2 / 251 - 255، المنتظم لابن الجوزي 6 / 170 - 172، الذهبي: ميزان الاعتدال 3 / 53، دول الإسلام 1 / 47، الوافي بالوفيات للصفدي 2 / 284 - 287، لسان الميزان لابن حجر 5 / 100 - 103، البداية والنهاية لابن كثير 11 / 145 - 147، الأعلام للزركلي 6 / 294، مهران: التاريخ والتأريخ ص 125 - 134).

الصفحة 343
الزبير، فاضربوا به الحجر، قال: فانطلق إليهم عمر، فجاء بهما تعباً، وقال:

لتبايعان وأنتما كارهان، فبايعا (1).

وعن الشعبي (2) قال: قال أبو بكر: يا عمر، أين خالد بن الوليد؟ قال:

هوذا، فقال: انطلقا إليهما - يعني علياً والزبير - فأتيا بهما، فانطلقا، فدخل عمر، ووقف خالد على الباب من خارج، فقال عمر للزبير: ما هذا السيف؟، قال: أعددته لأبايع علياً، قال: وكان في البيت ناس كثير، منهم المقداد بن الأسود، وجمهور كثير من الهاشميين، فاخترط عمر السيف فضرب صخرة في البيت فكسره، ثم أخذ بيد الزبير فأقامه ثم دفعه فأخرجه، وقال: يا خالد، دونك هذا، فأمسكه خالد - وكان مع خالد جمع كثير من الناس أرسلهم أبو بكر رداءً لهما - ثم دخل عمر فقال لعلي: قم فبايع فتلكأ واحتبس، فأخذ بيده، وقال: قم، فأبى أن يقوم، فحمله ودفعه، كما دفع الزبير، ثم أمسكهما خالد، وساقهما عمر ومن معه سوقاً عنيفاً واجتمع الناس ينظرون، وامتلأت شوارع المدينة بالرجال.

ورأت فاطمة ما صنع عمر، فصرخت وولولت، واجتمع معها نساء كثير من الهاشميات وغيرهن، فخرجت إلى باب حجرتها ونادت: يا أبا بكر، ما أسرع ما أغرتم على أهل بيت رسول الله، والله لا أكلم عمر، حتى ألقى الله.

قال: فلما بايع علي والزبير، وهدأت تلك الفورة، مشى إليها أبو بكر بعد ذلك، فشفع لعمر، وطلب إليها فرضيت.

____________

(1) تاريخ الطبري 3 / 203.

(2) الشعبي: أبو عمر عامر بن شراحيل الشعبي، ولد بالكوفة عام 19 هـ‍(640 م) وكان محدثاً وعالماً في الفقه والمغازي، عارفاً بالشعر، رواية له، وعمل قاضياً لعمر بن عبد العزيز، وتوفي عام 103 هـ‍(721 م)، وأهم مصادر ترجمته (طبقات ابن سعد 6 / 246 - 256 (ط بيروت)، تاريخ بغداد 12 / 227 - 233 د حلية الأولياء 4 / 310 - 338، تذكرة الحفاظ للذهبي 79 - 88، التهذيب لابن حجر 5 / 65 - 69، الأعلام للزركلي 4 / 18 - 19، معجم المؤلفين لكحالة 5 / 54، وفيات الأعيان لابن خلكان 3 / 12 - 16).


الصفحة 344
غير أن رواية أخرى عن داود بن المبارك قال: أتينا عبد الله بن موسى بن عبد الله بن حسن بن علي بن أبي طالب، عليه السلام، ونحن راجعون من الحج، في جماعة، فسألناه عن مسائل، وكنت أحد من سأله، فسألته عن أبي بكر وعمر، فقال: أجيبك بما أجاب به جدي عبد الله بن الحسن، فإنه سئل عنهما، فقال: كانت أمنا صديقة، ابنة نبي مرسل، وماتت وهي غضبى على قوم، فنحن غضاب لغضبها (1).

وروى ابن الأثير (2): لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة ليبايعوا سعد بن عبادة، فبلغ ذلك أبا بكر فأتاهم، ومعه عمر وأبو عبيدة بن الجراح، فقال: ما هذا؟ فقالوا: منا أمير ومنكم أمير، فقال أبو بكر: منا الأمراء ومنكم الوزراء، ثم قال أبو بكر: رضيت لكم أحد هذين الرجلين: عمر وأبا عبيدة أمين هذه الأمة، فقال عمر: أيكم يطيب نفساً أن يخلف قدمين قدمهما النبي صلى الله عليه وسلم؟ فبايعه عمر، وبايعه الناس.

فقالت الأنصار - أو بعض الأنصار - لا نبايع إلا علياً، وتخلف علي وبنو هاشم والزبير وطلحة عن البيعة، وقال الزبير: لا أغمد سيفاً حتى يبايع علي، فقال عمر: خذوا سيفه، واضربوا به الحجر، ثم أتاهم عمر فأخذهم للبيعة.

وقال موسى بن عقبة (3) في مغازيه عن سعد بن إبراهيم: حدثني أبي أن أباه عبد الرحمن بن عوف كان مع عمر، وأن محمد بن سلمة كسر سيف الزبير، ثم خطب أبو بكر، واعتذر للناس، ثم بايع علي والزبير (4).

____________

(1) شرح نهج البلاغة 6 / 48 - 49.

(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 2 / 325.

(3) أبو محمد موسى بن عقبة بن أبي عياش الأسدي، لا نعلم عام مولده، تلميذ الزهري، وعاش في المدينة، وله حلقة في المسجد النبوي، كان مؤرخاً مهتماً بمغازي الرسول والخلفاء الراشدين، وتوفي عام 141 ع‍ (758 م) (أنظر: فؤاد سزكين: تاريخ التراث العربي 2 / 84 - 86 (الرياض 1983).

(4) البداية والنهاية 6 / 341.

الصفحة 345
على أن هناك رواية (1) تذهب إلى أن عمر بن الخطاب إنما هدد بحرق بيت الزهراء، إذا لم يبايع علي، فلقد روى ابن شبه، عن رجاله، قال: جاء عمر إلى بيت فاطمة في رجال من الأنصار، ونفر قليل من المهاجرين، فاعتنقه زياد بن لبيد الأنصاري، ورجل آخر، فندر السيف من يده، فضرب به عمر الحجر فكسره، ثم أخرجهم بتلابيبهم يساقون سوقاً عنيفاً، حتى بايعوا أبا بكر.

وروى الطبري بسنده عن زياد بن كليب قال: أتى عمر بن الخطاب منزل علي، وفيه طلحة والزبير ورجال من المهاجرين فقال: والله لأحرقن عليكم أو لتخرجن إلى البيعة، فخرج عليه الزبير مصلتاً بالسيف، فعثر فسقط السيف من يده، فوثبوا عليه فأخذوه (2).

على أن هناك وجهاً ثانياً للنظر، يذهب إلى أن أبا بكر لما بويع تخلف علي فلم يبايع، فقيل لأبي بكر: إنه كره إمارتك، فبعث إليه: أكرهت إمارتي؟

قال: لا، ولكن القرآن خشيت أن يزاد فيه، فحلفت ألا أرتدي رداء حتى أجمعه، اللهم إلا إلى صلاة الجمعة، فقال أبو بكر: لقد أحسنت، قال: فكتبه عليه السلام، كما أنزل، بناسخه ومنسوخه (3).

وروى أبو نعيم في الحلية بسنده عن السدي عن عبد خير عن علي قال:

لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أقسمت - أو حلفت - أن لا أضع ردائي عن ظهري، حتى أجمع ما بين اللوحين، فما وضع ردائي عن ظهري حتى جمعت القرآن (4).

هذا وقد اتفق الكل على أن الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة - إنما كان يحفظ القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن غيره كثير يحفظه، ثم هو أول من جمعه، نقلوا كلهم أنه تأخر عن بيعة

____________

(1) شرح نهج البلاغة 6 / 48.

(2) تاريخ الطبري 3 / 202.

(3) شرح نهج البلاغة 6 / 40.

(4) حلية الأولياء 1 / 67.

الصفحة 346
أبي بكر، فأهل الحديث لا يقولون ما تقوله الشيعة من أنه تأخر مخالفة للبيعة، بل يقولون: تشاغل بجمع القرآن، فهذا يدل على أنه أول من جمع القرآن، لأنه لو كان مجموعاً على أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما احتاج أن يتشاغل بجمعه بعد وفاته صلى الله عليه وسلم.

وفي الواقع، أننا لو رجعنا إلى كتب القراءات، وجدنا أئمة القراء يرجعون إليه، كأبي عمرو بن العلاء (689 - 770 م)، وعاصم بن أبي النجوم (المتوفى 127 هـ‍/ 745 م) وغيرهما، لأنهم يرجعون إلى أبي عبد الرحمن السلمي القارئ، وأبو عبد الرحمن كان تلميذه، وعنه أخذ القرآن، فقد صار هذا الفن من الفنون التي تنتهي إليه (1).

وهناك في العقد الفريد رواية تذهب إلى أن الذين تخلفوا عن بيعة أبي بكر: علي والعباس والزبير وسعد بن عبادة، فأما علي والعباس فقعدوا في بيت فاطمة، حتى بعث إليهم أبو بكر عمر بن الخطاب ليخرجوا من بيت فاطمة، وقال له: إن أبوا فقاتلهم، فأقبل بقبس من النار على أن يضرم عليهم الدار، فلقيته فاطمة فقالت: يا ابن الخطاب، أجئت لتحرق دارنا؟ قال: نعم، أو تدخلوا فيما دخلت فيه الأمة، فخرج علي حتى دخل على أبي بكر فبايعه، فقال له أبو بكر: أكرهت إمارتي؟ فقال: لا، ولكني آليت أن لا أرتدي بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أحفظ القرآن، فعليه حبست نفسي (2).

على أن هناك وجهاً ثالثاً يذهب أصحابه إلى أن الإمام علي لم يبايع الصديق، إلا بعد موت سيدة نساء العالمين، فاطمة الزهراء (3)، روى البخاري في صحيحه بسنده عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة: أن فاطمة عليها السلام، بنت النبي صلى الله عليه وسلم، أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من

____________

(1) شرح نهج البلاغة 1 / 27 - 28.

(2) العقد الفريد 5 / 13 - 14.

(3) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 2 / 325، 331، المسعودي: مروج الذهب 1 / 595، ابن عبد ربه: العقد الفريد 1 / 14، تاريخ الطبري 3 / 207 - 209.

الصفحة 347
رسول الله صلى الله عليه وسلم، مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك، وما بقي من خمس خيبر، فقال أبو بكر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا نورث ما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد صلى الله عليه وسلم، في هذا المال، وإني والله لا أغير شيئاً من صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حالها التي كان عليها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأعملن فيها بما عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك، فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت، وعاشت بعد النبي صلى الله عليه وسلم ستة أشهر، فلما توفيت دفنها زوجها علي ليلاً، ولم يؤذن بها أبو بكر، وصلى عليها.

وكان لعلي من الناس وجه حياة فاطمة، فلما توفيت استنكر علي وجوه الناس، فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته، ولم يكن يبايع تلك الأشهر، فأرسل إلى أبي بكر أن ائتنا، ولا يأتينا أحد معك، كراهية لمحضر عمر، فقال عمر: لا والله، لا تدخل عليهم وحدك، فقال أبو بكر: وما عساهم أن يفعلوا بي، والله لآتينهم، فدخل عليه أبو بكر، فتشهد علي، فقال: إنا قد عرفنا فضلك، وما أعطاك الله، ولم ننفس عليك خيراً ساقه الله إليك، ولكنك استبددت علينا بالأمر، وكنا نرى لقرابتنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم نصيباً، حتى فاضت عينا أبي بكر.

فلما تكلم أبو بكر قال: والذي نفسي بيده، لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أحب إلي أن أصل من قرابتي، وأما الذي شجر بيني وبينكم من هذه الأموال، فلم آل فيها عن الخير، ولم أترك أمراً رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنعه فيها إلا صنعته، فقال علي لأبي بكر: موعدك العشية للبيعة، فلما صلى أبو بكر الظهر رقى على المنبر فتشهد، وذكر شأن علي وتخلفه عن البيعة وعذره بالذي اعتذر إليه، ثم استغفر وتشهد علي، فعظم حق أبي بكر، وحدث أنه لم يحمله على الذي صنع نفاسة على أبي بكر، ولا إنكار للذي فضله الله به، ولكنه نرى لنا في هذا الأمر نصيباً، فاستبد علينا، فوجدنا في أنفسنا، فسر بذلك المسلمون وقالوا: أصبت،

الصفحة 348
وكان المسلمون إلى علي قريباً، حين راجع الأمر المعروف (1).

ويناقش الدكتور طه حسين كل أوجه القضية فيقول: بقيت مسألتان خلط فيهما الرواة تخليطاً عظيماً، وليس بد من أن نتبين وجه الحق فيهما:

فأما الأولى: فبيعة علي لأبي بكر: فالرواة يختلفون فيها أشد الاختلاف، يقول قوم: إن علياً بايع أبا بكر، حين بايعه غيره من المسلمين، وهؤلاء يختلفون فيما بينهم، فيزعم بعضهم أن علياً كان جالساً في داره وعليه قميص - ليس عليه إزار، ولا رداء - فجاءه من أنبأه بأن أبا بكر قد جلس للبيعة، وأن الناس يبايعونه، فأسرع علي إلى المسجد، وأعجله السرع عن أن يتخذ إزاره ورداءه، ومضى حتى بايع أبا بكر، ثم جلس وأرسل من جاءه بثوبه فجلله - وواضح ما في هذا من السرف.

وآخرون يزعمون أن علياً أبطأ عن البيعة، وأبطأ معه الزبير بن العوام، فأرسل عمر من جاء بهما، ثم قال لهما: والله لتبايعا طائعين، أو لتبايعا كارهين - وواضح كذلك ما في هذا من الكذب.

فما كان أبو بكر ليخلي بين عمر، وبين العنف بعلي، إثر وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزوجه فاطمة حية، وإنما هذا الخبر متكلف، أريد به إلى إظهار أن علياً لو ترك وشأنه ما بايع أبا بكر.

وكثير من الرواة يزعمون أن علياً لم يبايع أبا بكر إلا متأخراً، وأن بني هاشم صنعوا صنيعه، فامتنعوا على أبي بكر، وخالفوا جماعة المسلمين، وظلوا على هذا الخلاف ستة أشهر، حتى إذا توفيت فاطمة رحمها الله بايعوا.

وواضح في هذا من الكذب أيضاً، فما كان علي وبنو هاشم ليفارقوا جماعة المسلمين، وليتلبثوا حتى تموت فاطمة ثم يكون إقبالهم على البيعة، حين رأوا أن الناس قد انصرفوا عنهم، بعد موت فاطمة.

____________

(1) صحيح البخاري 5 / 177 - 178.

الصفحة 349
وأيسر العلم - بفضل علي، رحمه الله، ونصحه للمسلمين، وحسن بلائه في الإسلام أيام النبي صلى الله عليه وسلم، يمنع من قبول هذه الرواية، وإنما خلط الرواة بين أمرين مختلفين أشد الاختلاف، أحدهما بيعة علي لأبي بكر، والآخر ما كان من مغاضبة فاطمة لأبي بكر في ميراث النبي صلى الله عليه وسلم، فقد طلبت فاطمة حقها من ميراث أبيها في فدك، وفي سهمه في خيبر، فلم يجبها أبو بكر إلى ما طلبت، لأنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا نورث ما تركنا صدقة، فهجرته فاطمة، ولم تكلمه حتى ماتت.

وكان علياً جفا أبا بكر لهجران فاطمة له، والحقيقة أن هذا شئ لا شأن له بالبيعة، وإنما بايع علي حين بايع الناس في غير إسراع ولا إكراه، رأى أن كلمة المهاجرين والأنصار قد اجتمعت على أبي بكر، فلم يخالف عما أجمع عليه المسلمون، ولو خالف علي - أو هم بالخلاف - لاستطاع أن يحاج أبا بكر بحجته على الأنصار في سقيفة بني ساعدة، فقد احتج أبو بكر على الأنصار بأن المهاجرين من قريش هم أولى الناس بالنبي صلى الله عليه وسلم، وبالأمر من بعده.

ومما لا شك فيه أن علياً كان أقرب إلى النبي من أبي بكر وعمر، فهو ابن عمه، وزوج ابنته، وأبو سبطيه، ولكن علياً لم يفعل، على ما زعم بعض الرواة، وما كان في حاجة إلى أن يفعل، فأبو بكر كان يعرف قرابته حق المعرفة، كما كان يعرفها غيره من المسلمين، وإنما نظر الناس إلى سن أبي بكر، وفضله وحسن مواساته للنبي صلى الله عليه وسلم، وللمسلمين، واختصاص النبي له بمصاحبته في هجرته، ثم أمره أن يصلي بالناس، حين ثقل عليه المرض، فكان الناس يقولون: اختاره رسول الله لديننا، فلم لا نختاره لأمر دنيانا.

والمهم أن أحداً لم يخالف على أبي بكر، لا من بني هاشم ولا من غيرهم، وكل ما يقال غير هذا إنما تكلفه المتكلفون بآخره، حين افترق الناس شيعاً وأحزاباً (1).

____________

(1) طه حسين: الشيخان ص 34 - 37 (القاهرة 1992).

الصفحة 350
ولعل من الأهمية بمكان الإشارة هنا إلى أننا نستطيع من الآراء السابقة أن نستنتج أن هناك اتجاهاً بين الصحابة يذهب إلى تفضيل الإمام علي بن أبي طالب على جميع الصحابة، وأن هذا الاتجاه قد ظهر بمجرد وفاة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن هناك دواعي سياسية دعت إلى هذا الاتجاه، فقد اجتمع المهاجرون والأنصار في سقيفة بني ساعدة - والإمام علي مشغول بتجهيز النبي صلى الله عليه وسلم، لقبره فبايعوا أبا بكر، باقتراح من عمر، وثقل على فارس الإسلام وبطله أن يمضي الصحابة الأمور دونه، وثقل على الزهراء، وعلى شيعة علي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما رأى البعض أحقية علي بالخلافة.

وهكذا بدأت تظهر شيعة للإمام علي، قال أبان بن تغلب: قلت لجعفر بن محمد (الصادق) - جعلت فداك - هل كان أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنكر على أبي بكر فعله؟ قال: نعم، اثنا عشر رجلاً، من المهاجرين: خالد بن سعيد بن العاص وسلمان الفارسي وأبو ذر الغفاري والمقداد بن الأسود وعمار بن ياسر وبريدة الأسلمي، ومن الأنصار: أبو الهيثم بن التيهان وسهل وعثمان ابنا حنيف، وخزيمة بن ثابت وأبي بن كعب وأبو أيوب الأنصاري (1).

وفي كتاب العيون والمحاسن أن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب الهاشمي قال - عندما بويع أبو بكر -:

ما كنت أحسب أن الأمر منتقل * عن هاشم ثم منها عن أبي حسن
أليس أول من صلى لقبلتهم * وأعلم الناس بالآيات والسنن
وآخر الناس عهداً بالنبي ومن * جبريل عون له في الغسل والكفن
ما الذي ردكم عنه فنعلمه * ها إن بيعتكم من أول الفتن

وقال عبد الله بن أبي سفيان بن الحرث بن عبد المطلب الهاشمي:

____________

(1) عبد الحليم الجندي: الإمام جعفر الصادق ص 32 - 33 (القاهرة 1977).

الصفحة 351

وكان ولي الأمر بعد محمد * علي وفي كل المواطن صاحبه
وصي رسول الله حقاً وجاره * وأول من صلى ومن لان جانبه (1)

وكل هذا إنما يدل على أن التشيع بدأ منذ أيام النبي صلى الله عليه وسلم، وظهر واضحاً يوم وفاته، وإن لم يستطع أن يقوم بدور في الأحداث التي جرت وقت ذاك، وعلى أية حال، فما أن بويع الصديق بالخلافة حتى شعر حزب الإمام علي بن لصرف الحق عن أهله.

غير أنهم سرعان ما بدأوا يوجهون الناس نحو الإمام علي، ويحدثونهم عن فضائله ومكانته عند الله ورسوله، ويؤكدون حقه في الخلافة، ويركزون دعايتهم هذه على كتاب الله وسنة نبيه، وهما أشد وسائل الدعاية تأثيراً في نفوس المسلمين، بل الدعاية، مهما يكن نوعها، لا تبلغ غايتها إلا عن طريق الدين، لأنه كان يومذاك أساس الحياة، بخاصة الحكم والسلطان.

هذا وقد انتشر الشيعة من الأصحاب في الأمصار على أيام الصدق والفاروق وذي النورين، وكثير منهم تولى الإمارة والمناصب في الحكومات في البلاد الإسلامية، وكانوا يحدثون الناس عن الإمام علي وفضائله، وعلى سبيل المثال: كان سلمان الفارسي - والي المدائن - يحدث الناس ويقول: بايعنا النبي صلى الله عليه وسلم، على النصح للمسلمين، والائتمام بعلي بن أبي طالب، والموالاة له وقال: إن عند علي علم المنايا والوصايا، وفصل الخطاب، وقد قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنت وصيي وخليفتي في أهلي، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى، ثم يقول: أما والله لو وليتموها علياً لأكتم من فوقكم ومن تحت أرجلكم (2).

____________

(1) محمد جواد مغنية: الشيعة في الميزان ص 22 - 23 (ط دار التعارف - بيروت).

(2) الشيعة في الميزان ص 26.

الصفحة 352
هذا وقد نسب إلى سلمان - حين بويع أبو بكر - قوله: يا أيها الناس قدموا من هو أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعلم بكتاب الله وسنة نبيه، ومن قدمه النبي في حياته، وأوصاكم به عند وفاته، ألا إن لكم منايا تتبعها بلايا، وإن عند علي بن أبي طالب علم المنايا والبلايا وفصل الخطاب (1).

وكان أبو ذر الغفاري ينادي - يوم بويع أبو بكر - يا معشر قريش، تركتم قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ليرتد جماعة من العرب، ولتشكن في هذا الدين، ولو جعلتم الأمر في أهل بيت نبيكم ما اختلف عليكم سيفان، والله لقد صارت لمن غلب، ولتطمحن إليها عين من ليس من أهلها، وليسفكن في طلبها دماء كثيرة، إن علياً هو الصديق الأكبر. وهو الفاروق - بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم - يفرق بين الحق والباطل، وهو يعسوب الدين، والمال يعسوب الظلمة (2).

وقد وصف سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، الإمام علي بذلك، روى الحاكم في المستدرك بسنده عن عبد الله بن أسعد بن زرارة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أوحي إلي في علي ثلاث: إنه سيد المسلمين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين (3).

وروى أبو نعيم في حليته بسنده عن الحارث بن حصيرة عن القاسم بن جندب عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أنس اسكب لي وضوءاً، ثم قام فصلى ركعتين، ثم قال: يا أنس أول من يدخل عليك من هذا الباب، أمير المؤمنين، وسيد المسلمين، وقائد الغر المحجلين، وخاتم الوصيين، قال أنس: قلت اللهم اجعله رجلاً من الأنصار وكتمته، إذ جاء علي فقال: من هذا يا أنس، فقلت: علي، فقام مستبشراً فاعتنقه، ثم جعل يمسح عرق علي

____________

(1) نفس المرجع السابق ص 99.

(2) نفس المرجع السابق ص 99.

(3) المستدرك للحاكم 3 / 137، وانظر: كنز العمال 6 / 157، مجمع الزوائد 9 / 121، حلية الأولياء 1 / 66.

الصفحة 353
بوجهه، قال علي: يا رسول الله، لقد رأيتك صنعت شيئاً ما صنعت بي من قبل، قال: وما يمنعني، وأنت تؤدي عني وتسمعهم صوتي، وتبين لهم ما اختلفوا فيه بعدي (1).

وكان أبو ذر ينادي في الناس، ويقول: عليكم بكتاب الله، وعلي بن أبي طالب، وكان يدخل الكعبة، ويتعلق بحلقة بابها، ويقول: أنا جندب بن جنادة، لمن عرفني، وأنا أبو ذر لمن لم يعرفني، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنما مثل أهل بيتي في هذه الأمة مثل سفينة نوح في لجة البحر، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق، ألا هل بلغت؟

وكان أبو ذر يسمي علياً بأمير المؤمنين في عهود أبي بكر وعمر وعثمان، وكان يقف في موسم الحج ويقول: يا معشر الناس أنا صاحب رسول الله، وسمعته يقول في هذا المكان - وإلا صمت أذناي - علي بن أبي طالب، الصديق الأكبر، فيا أيتها الأمة المتحيرة بعد نبيها، لو قدمتم ما قدمه الله ورسوله، وأخرتم من أخره الله ورسوله، لما عال ولي الله ولا طاش سهم في سبيل الله، ولا اختلفت الأمة بعد نبيها (2).

وقال عمار بن ياسر - يوم بويع أبو بكر - يا معشر قريش، ويا معشر المسلمين، إن أهل بيت نبيكم أولى به - أي النبي - وأحق بأثره، وأقوم بأمور الدين، وأحفظ لملته، وأنصح لأمته، فردوا الحق إلى أهله، قبل أن يضطرب حبلكم، ويضعف أمركم، ويظهر شتاتكم، تعظم الفتنة بكم، ويطمع فيكم عدوكم، فقد علمتم أن بني هاشم أولى بهذا الأمر منكم، وعلي أقرب إلى نبيكم، وهو من بينكم وليكم بعهد الله ورسوله (3).

____________

(1) حلية الأولياء 1 / 63 - 64.

(2) الشيعة في الميزان ص 26.

(3) نفس المرجع السابق ص 100.

الصفحة 354
وهكذا قام هؤلاء الأصحاب بدور رئيسي - مع غيرهم من محبي الإمام علي - في بث التشيع على أيام الخلفاء الثلاثة - أبي بكر وعمر وعثمان - وغرس جذوره وبذوره في كل أرض وطأتها أقدامهم، دعوا إلى التشيع على صعيد القرآن والحديث، وبذكاء ومرونة وطول أناة، وكانوا محل التعظيم والثقة عند الناس لمكانتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن هنا تجاوبت معهم عقول الكثيرين وقلوبهم، وكان لأقوالهم أثرها البالغ، ونتائجها البعيدة، ورغم أن بعضهم تعرض للشتم والتشريد والضرب - كأبي ذر وعمار - فقد استمروا في بث الدعوة بصبر وشجاعة (1).

هذا ويذهب الشيخ أبو زهرة إلى أن نشأة الشيعة إنما كانت ابتداء في مصر، وكان ذلك على أيام عثمان، إذ وجد الدعاة فيها أرضاً خصبة، ثم عمت بعد ذلك أرض العراق (2).

وفي أعيان الشيعة: أن عثمان أرسل رجلاً يتحرون العمال، ومنهم عمار بن ياسر، الذي أرسله إلى مصر، فعاد هؤلاء الرجال يمتدحون الولاة، إلا عماراً، استبطأه الناس، حتى ظنوا أنه اغتيل، فلم يفاجئهم إلا كتاب من عبد الله بن أبي السرح (3) - والي مصر - يخبرهم أن عماراً قد استمال القوم

____________

(1) نفس المرجع السابق ص 28.

(2) محمد أبو زهرة: الإمام زيد ص 107.

(3) عبد الله بن سعد بن أبي سرح، من قريش الظواهر، وليس من قريش البطاح، أخو عثمان بن عفان من الرضاعة، أرضعته أم عثمان، أسلم قبل الفتح، وهاجر إلى المدينة، وكتب الوحي لرسول الله، ثم ارتد مشركاً، وعاد إلى مكة يحدث قريشاً الكذب على رسول الله، ويقول: كنت أصرف محمداً حيث أريد، كان يملي علي عزيز حكيم فأقول أو عليم حكيم، فيقول: نعم كل صواب، فافتتن وقال: ما يدري محمد ما يقول: إني لأكتب ما شئت، هذا الذي يوحي إلي، كما يوحي إلى محمد، ثم خرج هارباً إلى مكة مرتداً، وفيه نزلت آية الأنعام (93)، وفي فتح مكة أهدر النبي دمه فقال: من أخذ ابن أبي سرح فليضرب عنقه حيثما وجده، وإن كان متعلقاً بأستار الكعبة فاختبأ عند عثمان الذي جاء به وطلب من النبي مبايعته، كل ذلك يأبى، فبايعه بعد ثلاث، ثم قال لأصحابه: أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله، قالوا: ما ندري يا رسول الله ما في نفسك، ألا أومأت إلينا بعينك، قال: إنه لا ينبغي لنبي أن تكون خائنة الأعين وفي عهد عثمان عين والياً على مصر عام 25 هـ‍، بدلاً من

=>


الصفحة 355
بمصر، وقد انقطعوا إليه، فكان تصريح عمار بالحق سبباً في اعتداء غلمان عثمان عليه، فضربوه حتى انفتق له في بطنه فتق، وكسروا ضلعاً من أضلاعه (1).

وهكذا - كما يقول الأستاذ مغنية - كان الصفوة الخلص من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، أجهزة الدعاية للتشيع، يوجد حيثما يوجدون، وينبت حيث يحلون، وسلاحهم الوحيد كتاب الله وسنة نبيه، ابتدأ التشيع في مصر بسبب عمار، وفي الشام وتوابعها - كجبل عامل - بسبب أبي ذر، حيث نفاه عثمان إلى هناك، وفي المدائن بسبب سلمان الفارسي، وفي الحجاز بسبب هؤلاء أنفسهم، وآخرين مثل حذيفة بن اليمان (2) - صاحب رسول الله - وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأبي بن كعب، ومن إليهم.

وقد أورد صاحب الكشكول فيما جرى على آل الرسول أسماء أكثر من مائة صحابي، كانوا يتشيعون للإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة - ويحفظون الأحاديث التي كانوا قد سمعوها من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الولاية، وينشرونها في الأمصار الإسلامية، الأمر الذي يشير بوضوح إلى عدم صحة دعوة من يرون أن سبب التشيع إنما هو الفرس وابن سبأ، وأن ذلك مجرد افتراء (3).

____________

<=

عمرو بن العاص الذي بدا يطعن في عثمان بسبب عزله، ومات عبد الله عام 36 هـ‍أو 37، وقيل بقي إلى أيام معاوية فمات عام 59 هـ‍، (أنظر: أسد الغابة 2 / 259 - 261، ابن كثير: السيرة النبوية 3 / 565 - 566، سيرة ابن هشام 4 / 311 - 312، تفسير الطبري 11 / 533 - 535، تفسير القرطبي ص 2475 - 2477، تفسير النسفي 2 / 23، تفسير الظلال 6 / 1149، الإصابة 2 / 316 - 318، الإستيعاب 2 / 375 - 378، مهران السيرة النبوية الشريفة 2 / 397 - 398، السيرة الحلبية 3 / 36 - 37).

(1) أعيان الشيعة 42 / 213 (ط 1958).

(2) أنظر عن مصادر ترجمة حذيفة بن اليمان (الإصابة 1 / 317 - 318، الإستيعاب 1 / 277 - 278، أسد الغابة 1 / 468 - 470، حلية الأولياء 1 / 270 - 283، البخاري 5 / 49، ابن حنبل: كتاب الزهد ص 179 - 180، مروج الذهب للمسعودي 1 / 671).

(3) محمد جواد مغنية: الشيعة في الميزان ص 29.

الصفحة 356


 شبكة البتول عليها السلام  @ 11-2006  -  www.albatoul.net

إنتاج : الأنوار الخمسة للإستضافة والتصميم @ Anwar5.Net