رابعاً : حب أهل البيت عليهم السلام هو أحد الحقائق الهامة التي تميز الاِيمان الصادق عن الزائف ، عن زر بن حبيش قال : رأيت أمير المؤمنين عليه السلام على المنبر فسمعته يقول : « والذي فلق الحبة وبرء النسمة ، أنه لعهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلي أنه لا يحبك إلاّ مؤمن ولا يبغضك إلاّ منافق»(4).
وعن جابر بن عبدالله بن حزام الاَنصاري قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم جماعة من الاَنصار فقال لنا : « يا معشر الاَنصار بوروا أولادكم بحب علي بن أبي طالب فمن أحبه فاعلموا أنه لرشدة ومن أبغضه فاعلموا أنه لغية » (5).
وعن أبي الزبير المكي قال : رأيت جابراً متوكئاً على عصاه وهو يدور في سكك الاَنصار ومجالسهم وهو يقول : «علي خير البشر فمن أبى فقد ____________ (1) كنز العمال 1 : 42 | 99 . (2) تحف العقول : 369 . (3) الخصال ، للشيخ الصدوق : 53 . (4) الارشاد ، للشيخ المفيد : 25 . (5) الارشاد ، للمفيد : 27 . وبوروا بمعنى : اختبروا .
( 20 )كفر ، يا معاشر الاَنصار أدبوا أولادكم على حب علي فمن أبى فانظروا في شأن أُمه» (1).
وأورد الثعلبي في تفسيره ونقله عنه الزمخشري في الكشّاف ، والقرطبي المالكي في الجامع لاَحكام القرآن ، والفخر الرازي في التفسير الكبير قوله صلى الله عليه وآله وسلم : « من مات على حب آل محمد مات شهيداً ، ألا ومن مات على حب آل محمد مات مغفوراً له ، ألا ومن مات على حب آل محمد مات تائباً ، ألا ومن مات على حب آل محمد مات مؤمناً مستكمل الاِيمان ، ألا ومن مات على حب آل محمد بشّره ملك الموت بالجنة ثم منكر ونكير ، ألا ومن مات على حب آل محمد يزّف إلى الجنة كما تزف العروس إلى بيت زوجها ، ألا ومن مات على حب آل محمد فتح له في قبره بابان إلى الجنة ، ألا ومن مات على حب آل محمد جعل الله قبره مزار ملائكة الرحمة ، ألا ومن مات على حب آل محمد مات على السُنّة والجماعة .
ألا ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوباً على عينيه آيس من رحمة الله ، ألا ومن مات على بغض آل محمد مات كافراً ، ألا ومن مات على بغض آل محمد لم يشم رائحة الجنة » (2).
فالاِمام علي عليه السلام وأهل بيته رمز الاِيمان وعلامة الطهر وعليه فمن أحبهم فقد وجد في قلبه حقيقة الاِيمان ، فهم مصابيح الدجى وأعلام ____________ (1) أمالي الصدوق : 71 . (2) الكشاف 3 : 467 . وانظر التفسير الكبير 27 : 165 ـ 166 . والجامع لاَحكام القرآن 16 : 23 .
( 21 )الهدى من أحبهم ذاق طعم الاِيمان قال أبو عبدالله عليه السلام : « إنّه لا يجد عبد حقيقة الاِيمان حتى يعلم أنّ ما لآخرنا لاَوّلنا » (1).
ولا يكفي الحب المجرّد بل لا بدَّ من الاتّباع وتحمل تبعات هذا الحب، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : « إنّا لا نعدُّ الرجل مؤمناً حتى يكون بجميع أمرنا متّبعاً مريداً » (2). وعن الاِمام الباقر عليه السلام : « لا يبلغ أحدكم حقيقة الاِيمان حتى يكون فيه ثلاث خصال : حتى يكون الموت أحبّ إليه من الحياة ، والفقر أحبّ إليه من الغنى ، والمرض أحبّ إليه من الصحة . قلنا : ومن يكون كذا ؟! قال : كلّكم ! ثم قال : أيّما أحبُّ إلى أحدكم يموت في حبّنا أو يعيش في بغضنا ؟ فقلت : نموت والله في حبّكم ؟ قال : وكذلك الفقر... » قلتُ : إي والله (3).
فالمقياس النبوي الدقيق لمعرفة حقيقة الاِيمان إذن هو حب أهل البيت عليهم السلام والتزام طاعتهم ، والتبرّي من أعدائهم ، وقد عرفنا من خلال بعض ما مرَّ أنه المقياس السليم الذي يتم به الكشف عن حقيقة الاِيمان الكامل .
ويمكن تصوير الاِيمان والكفر ـ بدليل ما تقدم ـ بميزان ذي كفتين : كفة بيضاء نقية تشتمل على حب أهل البيت عليهم السلام ؛ وهي كفة الاِيمان الصادق ، واُخرى سوداء مظلمة من بغضهم عليهم السلام ؛ وهي ليس إلاّ الكفر والنفاق والمروق من الدين .
____________ (1) الاختصاص ، للشيخ المفيد : 268 . (2) اُصول الكافي 2 : 78 | 13 كتاب الاِيمان والكفر . (3) معاني الاخبار : 189 .
|