متون الكتب :  
الفهارس :  
أسماء الكتب والمؤلفين :  
المبحث الاَول: معنى الاِيمان ومسمّاه
الكتاب : الاِيمان و الكفر في الكتاب و السنّة    |    القسم : مكتبة عقائد الشيعة
المبحث الاَول : معنى الاِيمان ومسمّاه :
أصل الاِيمان : الاذعان إلى الحقِّ على سبيل التصديق له واليقين. ولكنه صار اسماً لشريعة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم (1) .
واختلفوا في مسمى الاِيمان في العرف الشرعي .
فقد ذهب المعتزلة والخوارج والزيدية وأهل الحديث إلى أنّ الاِيمان اسم لاَفعال القلوب والجوارح مع الاقرار باللسان . وأنّ الاِيمان يتناول طاعة الله ومعرفته مع ما جعل الله تعالى عليه دليلاً عقلياً أو نقلياً في الكتاب والسُنّة المطهّرة . وأنّ الاخلال بواحد من هذه الاُمور كفرٌ .
وذهب أبو حنيفة والاَشعري إلى أنّ الاِيمان يحصل بالقلب واللسان معاً.
وهناك فريق ثالث يرى أنّ الاِيمان عبارة عن الاعتقاد بالقلب فقط . وتبلور عنه اتجاه يحصر الاِيمان في نطاق ضيق هو معرفة الله بالقلب حتى
____________
(1) الذريعة إلى مكارم الشريعة ، للراغب الاصفهاني : 100 مكتبة الكليات الازهرية ـ مصر 1393 هـ ط1 .

( 12 )
أنّ من عرف الله ثم جحد بلسانه ومات قبل أن يقرّ به فهو مؤمن كامل الاِيمان .
وبالمقابل برز فريق رابع يرى أنّ الاِيمان ـ حصراً ـ هو الاِقرار باللسان فقط .
وتبلور عنه إتجاه يرى أنّ الاِيمان هو إقرار باللسان ولكن بشرط حصول المعرفة في القلب (1).
ولكن التدبر في آيات القرآن الكريم يكشف حقيقة أُخرى للاِيمان بعيدة عن كلِّ ما تقدم ، وهي أنّ الاِيمان ليس مجرد العلم بالشيء والجزم بكونه حقاً ، لاَنَّ الذين تبين لهم الهدى لم يردعهم ذلك عن الارتداد على أدبارهم ولم يمنعهم من الكفر والصد عن سبيل الله ومشاققة الرسول كما في قوله تعالى : ( إنَّ الَّذين ارتَدُّوا على ادبارِهم مِنْ بَعدِ ما تَبينَ لهَمُ الهُدى... إنَّ الَّذينَ كَفَرُوا وصَدَّوا عَن سَبِيلِ اللهِ وشَاقُّوا الرسُولَ مِن بَعدِ ما تَبيَنَ لهُم الهُدى) (2) ومنهم من أضله الله على علم (3).
فالعلم إذن لا يكفي وحده في المقام ما لم يكن هناك نوع التزام بمقتضاه وعقد القلب على مؤداه بحيث تترتب عليه آثاره ولو في الجملة .
ومن هنا يظهر بطلان ما قيل : أنّ الاِيمان هو العمل ، وذلك لاَنّ العمل يجامع النفاق ، فالمنافق له عمل ، وربما كان ممن ظهر له الحق ظهوراً
____________
(1) التفسير الكبير ، للفخر الرازي 1 : 23 ، 25 الجزء الثاني .
(2) سورة محمد 47 : 25 و 32 .
(3) كما في سورة الجاثية 45 : 33 ( وأضله الله على علم ) .

( 13 )
علمياً، ولا إيمان له على أي حال (1).
وفي هذا الخصوص ، وردت أحاديث كثيرة عن أهل البيت عليهم السلام تعكس التصور الاِيماني الصحيح وفق نظرة شمولية ترى أنّ الاِيمان هو عقد بالقلب وقول باللِّسان وعمل بالاركان .
سُئل أمير المؤمنين عليه السلام عن الاِيمان ، فقال : « الاِيمان معرفة بالقلب، وإقرار باللسان ، وعمل بالاَركان »(2).
وقال الاِمام الباقر عليه السلام في معرض تفريقه بين الاِسلام والاِيمان : «الاِيمان إقرار وعمل والاِسلام إقرار بلا عمل » (3).
ويؤكد الاِمام الصادق عليه السلام على قاعدة التلازم بين القول والعمل في تحقق مفهوم الاِيمان ، فيقول : « ليس الاِيمان بالتحلي ولا بالتمني ، ولكن الاِيمان ما خلص في القلوب وصدّقته الاَعمال » (4). وعن سلام الجعفي قال : سألت أبا عبدالله عليه السلام عن الاِيمان فقال : « الاِيمان أن يطاع الله فلا يعصى » (5).
ويتضح من خلال تلك الاَحاديث ونظائرها أنّ أهل البيت عليهم السلام قد رفضوا كون الاِيمان مجرد إقرار باللسان ، أو اعتقاد بالقلب ، أو بهما معاً ؛ لاَنه فهم سطحي قاصر ، إذ هكذا إيمان لا روح فيه ولا حياة ، ما لم يقترن
____________
(1) تفسير الميزان ، للعلاّمة الطباطبائي 18 : 259 مؤسسة الاَعلمي ـ بيروت 1393 هـ ط2 .
(2) نهج البلاغة ، صبحي الصالح : 508 | حكم 227 .
(3) تحف العقول : 297 .
(4) تحف العقول : 370 .
(5) اُصول الكافي 2 : 33 | 3 كتاب الاِيمان والكفر .

( 14 )
بالطاعة المطلقة لله وتنفيذ ما أمر والنهي عما زجر كل ذلك في دائرة الوعي والسلوك والعمل .
هذا ، وتبلغ دائرة الاِيمان أقصى إتساع لها في جواب الاِمام الصادق عليه السلام على سؤال عجلان أبي صالح عندما سأله عن حدود الاِيمان ، فقال عليه السلام : « شهادة أن لا إله إلاّ الله ، وأنَّ محمداً رسول الله ، والاِقرار بما جاء به من عند الله ، وصلاة الخمس ، وأداء الزكاة ، وصوم شهر رمضان ، وحجّ البيت ، وولاية وليّنا ، وعداوة عدّونا ، والدخول مع الصادقين » (1).
وهكذا نجد أنّ مفهوم الاِيمان في مدرسة أهل البيت عليهم السلام يتجاوز دائرة الاعتقاد المنسلخ عن السلوك ، ويرتكز على رؤية موحدة ومترابطة تذهب إلى أنّ الاعتقاد القلبي متقدم رتبياً على الاِقرار اللفظي ، ولا بدَّ من أن يتجسد هذا الاعتقاد وذلك الاِقرار إلى سلوك سوي . ثم إنّ كلّ تفكيك بين الاِيمان وبين العمل يفتح الباب على مصراعيه أمام النفاق والمظاهر الخادعة والدعاوى الباطلة . وعلى هذا الاَساس قال الاِمام الصادق عليه السلام : «الكفر إقرارٌ من العبد فلا يُكلف بعد إقراره ببيّنة ، والاِيمان دعوى لايجوز إلا ببيّنة وبينته عمله ونيته » (2).
فالاِمام عليه السلام في هذا الحديث يضع ميزاناً دقيقاً للاِيمان يرتكز في أحد كفتيه على الباطن الذي تعكسه نية الفرد وانعقاد قلبه على الاِيمان ، وفي الكفة الاُخرى يرتكز على الظاهر الذي يتمثل بعمله وسلوكه السوي الذين يكونا كمرآة صافية لتلك النية .

____________
(1) اُصول الكافي 2 : 18 | 2 كتاب الاِيمان والكفر .
(2) اُصول الكافي 2 : 40 | 8 كتاب الاِيمان والكفر .

( 15 )
ومن هنا يؤكد الاَئمة عليهم السلام على أنّ الاِيمان كل لا يتجزأ ، ويرتكز على ثلاث مقومات : الاعتقاد والاِقرار والعمل .
فعن أبي الصلت الهروي ، قال : سألت الرضا عليه السلام عن الاِيمان ، فقال عليه السلام : « الاِيمان عقد بالقلب ولفظ باللسان ، وعمل بالجوارح ، ولا يكون الاِيمان إلاّ هكذا » (1).
تأمل جيداً في العبارة الاَخيرة من الحديث «... ولا يكون الاِيمان إلاّ هكذا » فهي خير شاهد على النظرة الشمولية غير التجزيئية للاِيمان التي تتبناها مدرسة أهل البيت عليهم السلام .
ولم تنطلق تلك النظرة من فراغ ، أو جرّاء التأثر بالمدارس الكلامية ، وإنما هي ربانية التلقي نبوية التوجيه ، قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : « الاِيمان والعمل شريكان في قرن ، لا يقبل الله تعالى أحدهما إلاّ بصاحبه » (2).
ثم أنّ هذه النظرة الشمولية للاِيمان ـ بمقوماتها الثلاثة ـ تستقي من منابع قرآنية صافية ، يقول العلاّمة الراغب الاصفهاني : «والاِيمان يُستعمل تارة اسماً للشريعة التي جاء بها محمد عليه الصلاة والسلام وعلى ذلك : ( إنَّ الَّذينَ آمنُوا والَّذين هادُوا والصّابئينَ ) (3) ويُوصف به كلُّ من دخل في شريعته مُقراً بالله وبنبوَّته ، قيل وعلى هذا قال تعالى : ( وما يؤمِنُ أكثرهُمُ باللهِ إلاّ وهُم مُشرِكُونَ ) (4) وتارةً يستعمل على سبيل المدح ويُراد
____________
(1) معاني الاخبار : 186 باب الاِيمان والاِسلام .
(2) كنز العمال 1 : 95 | 422 .
(3) سورة الحج 22 : 17 .
(4) سورة يوسف 12 : 106 .

( 16 )
به إذعانُ النَّفس للحقِّ على سبيل التصديق وذلك باجتماع ثلاثة أشياء : تحقيقٌ بالقلب ، وإقرار باللِّسان ، وعمل بحسب ذلك بالجوارح ، وعلى هذا قوله : (والَّذينَ آمنُوا باللهِ ورُسُلهِ أولئكَ هُمُ الصِدِّيقُونَ ) (1).
وإن قال قائل : إنَّ الله سبحانه قال : ( والَّذينَ آمنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أولئِكَ أصحابُ الجَنَّةِ ) (2) والعطف دليل التغاير ، ومعنى هذا أنَّ العمل ليس جزءاً في مفهوم الاِيمان . قلنا في جوابه : المراد بالاِيمان هنا مجرَّد التصديق تماماً كقوله تعالى حكاية عن أخوة يوسف : ( وما أنت بمؤمنٍ لنا ولو كُنَّا صادقين ) (3)أمّا أكمل الاِيمان فهو أن يعمل حامله بموجب إيمانه، ويؤثره على ميوله وأهوائه ويتجشم الصعاب من أجله لا لشيء إلاّ طاعة لاَمر الله (4).
وصفوة القول إنّ الاِيمان برنامج حياة كامل ، لا مجرد نية تُعقد بالقلب ، أو كلمة تقال باللِّسان بلا رصيد من العمل الايجابي المثمر .
ونخلص إلى القول بأنّ للايمان مرتبتين ، تعني الاُولى منهما : التصديق بقول «لا إله إلاّ الله محمد رسول الله» وهذا هو الحد الاَدنى من الايمان ، وهو الايمان بمعناه الاَعم الذي يصدق على كل من دخل في دين الاِسلام مقراً بالله وبنبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم .

____________
(1) مفردات ألفاظ القرآن ، للراغب الاصفهاني : 26 المكتبة المرتضوية . والآية من سورة الحديد 57 : 17 .
(2) سورة البقرة 2 : 82 .
(3) سورة يوسف 12 : 17 .
(4) في ظلال الصحيفة السجادية ، للشيخ محمد جواد مغنية : 181 .

( 17 )
فيما يراد بالمرتبة الثانية من الاِيمان ما هو فوق التصديق من الاقرار باللسان والعمل بالاركان ، أي التزام مبادىء الشريعة الاِسلامية وأحكامها، من أداء الواجبات والعمل بالطاعات وتجنب المنكرات والشبهات ، وهذا هو الايمان الممدوح في القرآن والسُنّة .
وهذه المرتبة الاخيرة من الايمان هي التي ستكون محل الاهتمام في هذا الكتاب ، دون المرتبة الاُولى .

 شبكة البتول عليها السلام  @ 11-2006  -  www.albatoul.net

إنتاج : الأنوار الخمسة للإستضافة والتصميم @ Anwar5.Net