المذهب الرابع: مذهب المتنقلين بين المذاهب والمذبذبين والمتحيرين |
الكتاب :
العقائد الإسلامية ج2 | القسم :
مكتبة عقائد الشيعة
|
|
المذهب الرابع : مذهب المتنقلين بين المذاهب والمذبذبين والمتحيرين
الاِنتقال من مذهب فقهي إلى مذهب آخر أمر طبيعي يكثر حدوثه في المسلمين، وكذا الاِنتقال من مذهب عقائدي إلى مذهب آخر . ونلاحظ في مسألتنا أن المنتقلين من مذهب عقائدي إلى مذهب آخر كثيرون . كما نلاحظ ظاهرةً ثانية عند بعضهم هي الجمع بين التأويل والتفويض فترى أحدهم متأولاً تارة مفوضاً أخرى . والظاهر أن ذلك كان أمراً شائعاً ومقبولاً عند القدماء ، لاَنهم يجوزون الاَمرين .
ولكن تبقى ظاهرة التناقض بين التأويل والتفويض والحمل على الظاهر عند أصحاب الظاهر ، أمراً لا يقبل الحل ، لاَنهم حرموا التأويل والتفويض وهاجموا الآخرين بسببه بل تكفروهم ، ثم ارتكبوا ما حرموه . وفيما يلي نماذج من التهافت عند أهل هذه المذاهب ، فبدؤها بما ذكره ابن تيمية عن تهافت آراء ابن فورك ، في
( 53 )حين نسي هو تهافت آرائه ، قال ابن تيمية في تفسيره ج 6 ص 108
فصل . أقوال الفرق في صفات الله تعالى . . . هذا مع أن ابن فورك هو ممن يثبت الصفات الخبرية كالوجه واليدين وكذلك المجيء والاِتيان موافقة لاَبي الحسن فإن هذا قوله وقول متقدمي أصحابه ، فقال ابن فورك فيما صنف في أصول الدين : فإن سألت الجهمية عن الدلالة على أن القديم سميع بصير ؟ قيل لهم : قد اتفقنا على أنه من تستحيل عليه الآفات والحي إذا لم يكن مأووناً بآفات تمنعه من إدراك المسموعات والمبصرات كان سميعاً بصيراً .
وإن سألت فقلت : أين هو ؟ فجوابنا إنه في السماء كما أخبر في التنزيل عن نفسه بذلك ، فقال عز من قائل : أأمنتم من في السماء ، وإشارة المسلمين بأيديهم عند الدعاء في رفعها إليه ، وإنك لو سألت صغيرهم وكبيرهم فقلت : أين الله ؟ لقالوا إنه في السماء ، ولم ينكروا بلفظ السؤال بـ ( أين ) لاَن النبي صلى الله عليه وسلم سأل الجارية التي عرضت للعتق فقال : أين الله ؟ فقالت في السماء مشيرة بها . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إعتقها فإنها مؤمنة ، ولو كان ذلك قولاً منكراً لم يحكم بإيمانها ولاَنكره عليها ، ومعنى ذلك أنه فوق السماء لاَن ( في ) بمعنى ( فوق ) قال الله تعالى: فسيحوا في الاَرض أي فوقها .
قال ابن فورك : وإن سألت كيف هو ؟ قلنا له : كيف سؤال عن صفته وهو ذو الصفات العلى ، هو العالم الذي له العلم ، والقادر الذي له القدرة ، والحي الذي له الحياة ، الذي لم يزل منفرداً بهذه الصفات ، لا يشبه شيئاً ولا يشبهه شيء .
( قلت ) فهذا الكلام هو موافق لما ذكره الاَشعري في كتاب الاِبانة ولما ذكره ابن كلاب لما حكاه عنه ابن فورك ، لكن ابن كلاب يقول إن العلو والمباينة من الصفات العقلية ، وأما هؤلاء فيقولون : كونه في السماء صفة خبريه كالمجيء والاِتيان ، ويطلقون القول بأنه بذاته فوق العرش وذلك صفة ذاتية عندهم .
والاَشعري يبطل تأويل من تأول الاِستواء بمعنى الاِستيلاء والقهر بأنه لم يزل
( 54 )مستولياً على العرش وعلى كل شيء ، والاِستواء مختص بالعرش ، فلو كان بمعنى الاِستيلاء لجاز أن يقال ( هو مستولياً ( كذا ) على كل شيء وعلى الاَرض وغيرها ) كما يقال إنه مستول عليها ، ولما اتفق المسلمون على أن الاِستواء مختص بالعرش ، فهذا الاِستواء الخاص ليس بمعنى الاِستيلاء العام ، وأين للسلطان جعل الاِستواء بمعنى الغلبة والقهر وهو الاِستيلاء فيشبه والله أعلم أن يكون اجتهاده مختلفاً في هذه المسائل كما اختلف اجتهاد غيره ، فأبو المعالي كان يقول بالتأويل ثم حرمه ، وحكى إجماع السلف على تحريمه ، وابن عقيل له أقوال مختلفة ، وكذلك لاَبي حامد والرازي وغيرهم .
ومما بين اختلاف كلام ابن فورك أنه في مصنف آخر قال : فإن قال قائل : أين هو فقال : ليس بذي كيفية فنخبر عنها إلا أن يقول : كيف صنعه ؟ فمن صنعه أنه يعز من يشاء ويذل من يشاء وهو الصانع للاَشياء كلها .
فهنا أبطل السؤال عن الكيفية ، وهناك جوزه وقال : الكيفية هي الصفة وهو ذو الصفات ، وكذلك السؤال عن الماهية . قال في ذلك المصنف : وإن سألت الجهمية فقلت ما هو يقال لهم ( ما ) يكون استفهاماً عن جنس أو صفة في ذات المستفهم ، فإن أردت بذلك سؤالاً عن صفته فهو العلم والقدرة والكلام والعزة والعظمة .
ـ سير أعلام النبلاء ج 10 ص 610
. . . أخبرنا محمد بن إسماعيل الترمذي ، سمعت نعيم بن حماد يقول : من شبه الله بخلقه ، فقد كفر ، ومن أنكر ما وصف به نفسه ، فقد كفر ، وليس ما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه .
قلت : هذا الكلام حق ، نعوذ بالله من التشبيه ومن إنكار أحاديث الصفات ، فما ينكر الثابت منها من فقه ، وإنما بعد الاِيمان بها هنا مقامان مذمومان : تأويلها وصرفها عن موضوع الخطاب ، فما أولها السلف ولا حرفوا ألفاظها عن مواضعها ، بل آمنوا بها ، وأمروها كما جاءت .
( 55 )المقام الثاني : المبالغة في إثباتها ، وتصورها من جنس صفات البشر ، وتشكلها في الذهن ، فهذا جهل وضلال ، وإنما الصفة تابعة للموصوف ، فإذا كان الموصوف عز وجل لم نره ، ولا أخبرنا أحد أنه عاينه مع قوله لنا في تنزيله : ليس كمثله شيء ، فكيف بقي لاَذهاننا مجال في إثبات كيفية الباري تعالى الله عن ذلك ، فكذلك صفاته المقدسة ، نقر بها ونعتقد أنها حق ، ولا نمثلها أصلاً ولا نتشكلها .
ـ وقال الذهبي في سيره ج 20 ص 80 ـ 86
التيمي الاِمام العلامة الحافظ شيخ الاِسلام أبوالقاسم إسماعيل بن محمد . . . حدث عنه : أبوسعد السمعاني وأبو العلاء الهمذاني وأبوطاهر السلفي وأبو القاسم بن عساكر . . . قال أبو موسى المديني : أبوالقاسم إسماعيل الحافظ إمام أئمة وقته وأستاذ علماء عصره وقدوة أهل السنة في زمانه ، حدثنا عنه جماعة في حال حياته ... قال أبو موسى : ولا أعلم أحداً عاب عليه قولاً ولا فعلاً ولا عانده أحد إلا ونصره الله . . . وقال السلفي : وسمعت أبا الحسين بن الطيوري غير مرة يقول : ما قدم علينا من خراسان مثل إسماعيل بن محمد .
. . . وقد سئل أبو القاسم التيمي قدس سره : هل يجوز أن يقال لله حد أو لا ، وهل جرى هذا الخلاف في السلف ؟ فأجاب : هذه مسألة أستعفي من الجواب عنها لغموضها وقلة وقوفي على غرض السائل منها ، لكني أشير إلى بعض ما بلغني : تكلم أهل الحقائق في تفسير الحد بعبارات مختلفة محصولها أن حد كل شيء موضع بينونته عن غيره ، فإن كان غرض القائل : ليس لله حد لا يحيط علم الحقائق به فهو مصيب ، وإن كان غرضه بذلك لا يحيط علمه تعالى بنفسه فهو ضال ، أو كان غرضه أن الله بذاته في كل مكان فهو أيضاً ضال .
قلت : الصواب الكف عن إطلاق ذلك إذ لم يأت فيه نص ، ولو فرضنا أن المعنى صحيح فليس لنا أن نتفوه بشيء لم يأذن به الله خوفاً من أن يدخل القلب شيَ من البدعة اللهم إحفظ علينا إيماننا .
( 56 )ـ وقال في هامش سير أعلام النبلاء ج 19 ص 443
وقد بين شيخ الاِسلام في درء تعارض العقل والنقل 8 ـ 60 ـ 61 نوع الخطأ الذي وقع فيه ( ابن عقيل ) فقال :
ولابن عقيل أنواع من الكلام ، فإنه كان من أذكياء العالم كثير الفكر والنظر في كلام الناس ، فتارة يسلك مسلك نفاة الصفات الحبرية وينكر على من يسميها صفات ويقول : إنما هي إضافات موافقة للمعتزلة كما فعله في كتابه ذم التشبيه وإثبات التنزيه ، وغيره من كتبه ، واتبعه على ذلك أبوالفرج ابن الجوزي في كف التشبيه بكف التنزيه ، وفي كتابه منهاج الوصول .
وتارة يثبت الصفات الخبرية ويرد على النفاة والمعتزلة بأنواع من الاَدلة الواضحات ، وتارة يوجب التأويل كما فعله في كتابه الواضح وغيره . وتارة يحرم التأويل ويذمه وينهى عنه كما فعله في كتابه الاِنتصار لاَصحاب الحديث ، فيوجد في كلامه من الكلام الحسن البليغ ما هو معظم مشكور ، ومن الكلام المخالف للسنة والحق ما هو مذموم ومدحور . . . ولابن عقيل من الكلام في ذم من خرج عن الشريعة من أهل الكلام والتصوف ما هو معروف كما قال في الفنون ، ومن خطه نقلت ثم ذكر فصلاً مطولاً استوعب سبع صفحات من الكتاب فراجعه .
|