ثالثاً: الاِيمان يمنح البركة والقوّة
الاِيمان يدفع الاَفراد نحو التقدم المطرَّد، والسير إلى الاَمام وعدم الانكفاء إلى الوراء، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «من اعتدل يوماه فهو مغبون، ومن كان غده شراً من يومه فهو ملعون، ومن لم يتفقد النقصان من نفسه فهو في نقصان، ومن كان في نقصان فالموت خيرٌ له» (2). وعن علي بن الحسين عليه السلام قال: «بينما أمير المؤمنين ذات يوم جالس مع أصحابه يعبيهم للحرب إذ أتاه شيخ عليه شحبة السفر.. فقال: إنّي أتيتك من ناحية الشام وأنا شيخ كبير وقد سمعتُ فيك من الفضل ما لا أحصيه وإنّي أظنّك ستُغتال ! فعلمني ما علمّك الله قال: نعم يا شيخ من اعتدل يوماه فهو مغبون.. ومن كان في نقص فالموت خير له» (3).
إذن فالاِيمان يُحفز أفراد المجتمع على التقدم نحو الاَفضل،
____________
(1) نهج البلاغة، ضبط صبحي الصالح: 475 | حكم 37.
(2) تنبيه الخواطر 2: 29.
(3) تنبيه الخواطر 2: 173.
والاستفادة من طاقاتهم وقدراتهم على النحو الاَكمل.
وعلى هذا الصعيد لا بدَّ من التنويه على أنّ التوجه المخلص لله تعالى تنعكس آثاره النافعة على الطبيعة التي يعيش فيها الاِنسان فتجود ـ بإذن الله تعالى ـ بالخير والبركة الاَمر الذي يساعد على زيادة القوة سواءاً كانت قوة إقتصادية أم اجتماعية وما إلى ذلك. ومن الشواهد القرآنية على ذلك ما قاله النبي هود عليه السلام لاَبناء مجتمعه الذين أصابهم القحط والجدب بسبب كفرهم وإعراضهم عن الله تعالى: (ويا قَومِ استغفِرُوا ربَّكُم ثمَّ تُوبُوا إليهِ يُرسِلِ السَّماءَ عَليكُم مِدراراً ويَزدكُم قُوّةً إلى قُوَّتِكُم ولا تَتولوا مُجرِمِينَ) (1).
لقد بدا واضحاً أنّ هود عليه السلام قد أعلم قومه الكافرين بأنّ طريق الاِيمان والهداية يؤدي إلى حصول الخير والبركة للمجتمع حيثُ ترسل السماء مطرها الغزير وتجود الاَرض بالخصب فتتضاعف القوة. أما الاعراض على طريق الاِيمان فسوف يُنذر بعواقب خطيرة تبرز مؤشراتها المأساوية بارتفاع البركات المؤدي إلى تدمير المجتمعات، قال تعالى: (وَضَرَبَ اللهُ مَثلاً قَريةً كانت آمِنَةً مُطمئنةً يأتِيها رِزقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مكانٍ فَكَفَرتْ بأنعُمِ اللهِ فأذاقَها اللهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوفِ بِما كانُوا يَصنَعُونَ * وَلَقَد جاءهُم رَسُولٌ مِنهُم فكذَّبُوهُ فأخذهُم العَذابُ وهُم ظَالِمُونَ) (2).
وهكذا نجد أنّ الكفر عامل أساسي في تدمير المجتمع وفناءه.
وقد دمّر الله تعالى الاُمم الكافرة بمختلف ألوان وأشكال العذاب وكانت الطبيعة أداةً هامة في تنفيذ العقوبة الاِلهية.
____________
(1) سورة هود 11: 52.
(2) سورة النحل 16: 112 ـ 113.
وقد خاطب تعالى الكافرين محذراً من الاغترار بدوام حالة الاَمن التي يعيشونها، فإنّ من سُنته الاِمهال قبل حلول النكال، قال لهم بصيغة الاستفهام الانكاري: (أفأمنتُم أن يَخسِفَ بكُم جَانبَ البر أو يُرسِلَ عَليكُم حاصِبَاً ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُم وكيلاً * أم أمنتُم أن يُعيدَكُم فِيه تارةً أُخرى فَيُرسِلَ عَليكُم قاصِفاً مِنَ الرِيحِ فَيُغرِقَكُم بِما كَفرتُم ثُمَّ لا تَجِدوا لكُم عَلينا بِهِ تَبِيعاً) (1).
ومن يقرأ سورة هود يلاحظ أنها تستعرض سريعاً أوجه الدمار الذي حلَّ بالمجتمعات الكافرة ابتداءاً من قوم عاد إلى قوم فرعون. وتستخلص السورة من كلِّ ذلك عبرة قيّمة مفادها أنّ الظلم كان السبب وراء تدمير المجتمعات: (.. وَكَذلِكَ أخذُ رَبِكَ إذا أخَذَ القُرى وهِيَ ظَالِمةٌ إنَّ أخذَهُ أليمٌ شَدِيدٌ) (2).
وهذا بخلاف الاِيمان الذي تمتد بركاته وثماره لا إلى حياة المؤمن فحسب وإنما إلى أبنائه وأحفاده قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في وصيته لاَبي ذر: «ياأبا ذرّ إنَّ الله يصلح بصلاح العبد ولده وولد ولده ويحفظه في دويرته والدور حوله ما دام فيهم» (3).
وصفوة القول إنّ الاِيمان بمثابة السور الوقائي الذي يقي المجتمع من الدمار ويحقق له البركة والرفاهية ويمنحه القوة. أما الكفر وما يرافقه من الظلم فإنّه ينطوي على نتائج مأساوية كالدمار والبوار.
والحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين
____________
(1) سورة الاسراء 17: 68 ـ 69.
(2) سورة هود 11: 102.
(3) مكارم الاخلاق، للطبرسي: 465 منشورات الاعلمي ـ بيروت 1403 هـ ط5.
|