ثانياً: تغيير الروابط الاجتماعية
بينما يدفع الكفر بأبناء المجتمع نحو هاوية العصبية المقيتة ويركز على روابط الدم والرَّحم ومظاهر اللون والمكان وما إلى ذلك من روابط جاهلية، كما قال تعالى: (إذ جَعَلَ الَّذينَ كفرُوا في قُلُوبِهِم الحَميّةَ حَمِيّةَ الجَاهليةِ) (2).
نجد أنّ الاِيمان يفتح آفاقاً جديدة من العلائق بين البشر ترتكز على الاَخاء والمساواة، وغدا معيار التفاضل الوحيد بين البشر يقوم أساساً على الاِيمان والتقوى والفضيلة، قال تعالى: (يا أيُّها النَّاسُ إنّا خلقنَاكُم من ذَكَر وأُنثى وجعلنَاكُم شُعوباً وقَبائلَ لِتَعارفُوا إنَّ أكرَمَكُم عندَ اللهِ أتقاكُم..) (3).
وهكذا نجد أنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد ركّز في عمله التبليغي على إزالة غيوم العصبية السوداء، وعمل جاهداً على إزالة الرواسب الجاهلية من نفوس أصحابه والمحيطين به، ومن الشواهد الدالة على هذه الحالة، أنّ الصحابي الجليل سلمان الفارسي رضي الله عنه الذي رفعه الاِيمان من أسفل القاع الاجتماعي إلى القمة، فبعد أن كان عبداً فارسياً أصبح حراً ومن أهل البيت عليهم السلام ينظر له المسلمون بعين الاحترام، ويقابلوه بالتعظيم والاِكرام الاَمر الذي أثار حفيظة بعض الاَصحاب كعمر بن الخطاب الذي لم تغادر العصبية ـ يومئذ ـ قاع وعيه ولم تنفك رواسبها تتحكم في مشاعره، فقد
____________
(1) تنبيه الخواطر 2: 226.
(2) سورة الفتح 48: 26.
(3) سورة الحجرات 49: 13.
دخل سلمان الفارسي ـ ذات يوم ـ مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فعظّموه وقدّموه وصدّروه إجلالاً لحقه وإعظاماً لشيبه واختصاصه بالمصطفى وآله صلوات الله عليهم. فدخل عمر فنظر إليه فقال: من هذا العجمي المتصدر فيما بين العرب ؟! فصعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المنبر فخطب فقال: «إنَّ الناس من عهد آدم إلى يومنا هذا مثل أسنان المشط، لا فضل للعربي على العجمي ولا للاَحمر على الاَسود إلاّ بالتقوى» (1).
كما وجّه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم اللَّوم والعتاب للصحابي الجليل أبي ذر ـ إنْ صحّ الحديث ـ، فعن المعرور بن سويد قال: «مررنا بأبي ذر بالرَّبذة وعليه بُرد وعلى غلامه مثله، فقلنا: يا أبا ذر لو جمعت بينهما كانت حُلّة ؟! فقال: إنَّهُ كان بيني وبين رجل من إخواني كلامٌ، وكانت أُمَّهُ أعجميَّة، فعيَّرتهُ بأُمَّه، فشكاني إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلقيت النبي فقال: «يا أبا ذرٍّ إنَّك أمرؤٌ فيك جاهلية !.
قلتُ: يا رسول الله من سبَّ الرجال سبَّوا أباهُ وأُمَّهُ.
قال: يا أبا ذرّ إنَّك أمرؤٌ فيك جاهلية، هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم فأطعموهم ممّا تأكلون، وألبسوهم ممّا تلبسون» (2).
وقد زود الاِسلام المؤمن بنظرة واعية عميقة تحصّنه من الانزلاق في حضيض العنصرية وتفاخرها بالاحساب والانساب، ويكفي مثلاً على ذلك أنّه لما: «تفاخرت قريش عند سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: لكن خلقت من نطفة قذرة، وأعود جيفة منتنة ثم إلى الميزان فإن ثقل فأنا كريم وإن
____________
(1) الاختصاص، للشيخ المفيد: 341.
(2) صحيح مسلم، للنيشابوري 3: 1282 دار إحياء التراث العربي ط1.
خفّ فأنا لئيم» (1).
ولعل من أجلى مظاهر التغيير الاِجتماعي الذي أحدثه الاِيمان أنّ أفراداً كانوا في أسفل السلّم الاجتماعي قبل الاِسلام أصبحوا ـ على حين غرة ـ بعد الاِسلام في مواقع اجتماعية عالية يتزوجون من بيوتات مرموقة، يقول الرسول الاَكرم صلى الله عليه وآله وسلم: «إنَّما زوّجت مولاي زيد بن حارثة زينب بنت جحش، وزوّجت المقداد ضباعة بنت الزبير لتعلموا أنّ أكرمكم عند الله أحسنكم إسلاماً» (2). كما تبوأ البعض مناصب رفيعة كبلال الحبشي الذي أصبح مؤذناً للرسول صلى الله عليه وآله وسلم. وكان أُسامة بن زيد شاباً يافعاً فأصبح قائداً عسكرياً أناط به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قيادة الجيش الاِسلامي المتجه إلى «مؤتة» لمواجهة دولة عظمى هي دولة الروم، وأدخل تحت إمرته أبا بكر وعمر وكبار المهاجرين والاَنصار.
زد على ذلك دفع الاِيمان على إقامة عادات وتقاليد جديدة بدلاً من التقاليد البالية التي تمجّد الثراء والرفعة فقد ترك الدين بصماته وآثاره حتى على مراسم الزواج وعاداته فبينما كان معيار الاختيار يتم على أساس المال والثروة والجاه غدا يتمحور على التقوى والفضيلة، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من زوّج كريمته من فاسق فقد قطع رحمه» (3).
وجاء رجل إلى الحسن عليه السلام يستشيره في تزويج ابنته ؟ فقال عليه السلام: «زوّجها من رجل تقي، فإنّه إنّ أحبّها أكرمها وإن أبغضها لم يظلمها» (4).
____________
(1) تنبيه الخواطر 1: 203.
(2) كنز العمال 1: 78 | 313.
(3) مكارم الاخلاق، للطبرسي: 204.
(4) مكارم الاخلاق، للطبرسي: 204.
ثم إنّ الاِسلام حارب التقاليد البالية التي تمجد المراسم الفارغة التي لاتنسجم مع بساطة الاِسلام والتي لا تنفع بقدر ما تولد العنت والمشقة وتضع الحواجز النفسية والاجتماعية خاصة بين الحاكم والمحكوم. وكان الاِمام علي عليه السلام نموذجاً للحاكم الاِسلامي الذي يحب البساطة والتواضع ويكره التكلّف والتعظّم بدليل أنّه: «لما لقيه عند مسيره إلى الشام دهاقين الاَنبار، فترجلوا له واشتدوا بين يديه، فقال عليه السلام: «ما هذا الذي صنعتموه؟ فقالوا: خُلق منّا نعظِّم به أُمراءَنا، فقال عليه السلام: والله ما ينتفعُ بهذا أمراؤكم ! وإنَّكم لتشقُّون على أنفسكم في دُنياكم، وتشقون به في آخرتكم..» (1).
|