ثانياً: علائم نفسية
يتميز المؤمن عن غيره بعدة علائم نفسية، يمكن الاِشارة إلى أبرزها بالنقاط التالية:
1 ـ الصلابة والثبات:
فالمؤمن يكون ثابتاً كالطود الشامخ لم تزعزعه الحوادث ويستسهل كل صعب بقلب مطمئن بقضاء الله وقدره، ويتمسك بعروة الصبر في مواطن الخطر، وقور لا يخرج عن طوره، شاكراً لربه قانعاً برزقه، يؤثر راحة الآخرين على راحته كالشجرة العظيمة في الصحراء
____________
(1) اُصول الكافي 2: 55 | 4 باب الاِيمان والكفر.
(2) تنبيه الخواطر 1: 250 | باب التفكر.
المحرقة تُظلل الناس بوارف ظلها، وهي تصطلي حرَّ الهاجرة وأوارها. روي عن الاِمام الصادق عليه السلام أنّه قال: «ينبغي للمؤمن أن يكون فيه ثمان خصال: وقورٌ عند الهزائز، صبور عند البلاء، شكور عند الرخاء، قانع بما رزقه الله، لا يظلم الاَعداء، ولا يتحامل للاَصدقاء، بدنه منه في تعب، والناس منه في راحة» (1).
ولا بدَّ من إلفات النظر إلى أنّ المؤمن وعلى الرغم من صلابته الاِيمانية فهو يتصف بالمرونة مثل العشب الناعم ينحني أمام النسيم ولكن لاينكسر للعاصفة، يقول الاِمام الصادق عليه السلام: «المؤمن له قوّة في دين، وحزم في لين، وإيمان في يقين» (2).
2 ـ إلتزام الحق عند الرّضا والغضب:
المؤمن لا يندفع بغريزته إلى آفاق تبعده عن ساحة الحق، كما أنه يقاوم بلا هوادة نزعة الغضب الكامنة في نفسه حتى لا تجره إلى مهاوي الباطل، وفي حالة امتلاكه القوة أو القدرة يتجنب الظلم والعدوان كأمير المؤمنين عليه السلام الذي كان يرى أن سلب جُلب شعيرة من نملة ظلم وعصيان لله وابتعاد عن الحق، وفي ذلك يقول: «والله لو أعطيت الاَقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جُلب شعيرة ما فعلته..» (3).
وعليه فالمؤمن من يبلغ مرحلة من السموّ الروحي والتهذيب الوجداني بحيث لا يخرج عن جادة الحق المستقيمة، وفي هذا الاَطار
____________
(1) اُصول الكافي 2: 47 | 1 كتاب الاِيمان والكفر.
(2) اُصول الكافي 2: 231 | 4 كتاب الاِيمان والكفر.
(3) نهج البلاغة، صبحي الصالح: 347 | خطبة 224.
ورد عن أبي حمزة قال: سمعت فاطمة بنت الحسين عليه السلام تقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «ثلاث من كنَّ فيه استكمل خصال الاِيمان، الذي إذا رضي لم يدخله رضاه في باطل، وإذا غضب لم يخرجه غضبه من الحقِّ، وإذا قدر لم يتعاط ما ليس له» (1).
أنّ القوة الحقيقية هي القوة النفسية التي يصنعها الاِيمان ويرسخها اليقين، تلك القوة التي يتميز بها المؤمن والتي يتمكن من خلالها من كبح عواطفه المتأججة عند نشوة الحب وسورة الغضب وسكرة القوة التي تغري صاحبها بالجموح والغطرسة، فعن الاِمام الصادق عليه السلام، عن أبيه عن جده عليه السلام قال: «مرَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوم يرفعون حجراً، فقال: ما هذا ؟ قالوا: نعرف بذلك أشدّنا وأقوانا فقال: ألا أخبركم بأشدّكم وأقواكم ؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: أشدّكم وأقواكم الذي إذا رضي لم يدخله رضاه في إثم ولا باطل، وإذا سخط لم يخرجه سخطه من قول الحق وإذا قدر لم يتعاط ما ليس له بحق» (2).
3 ـ البشر وانشراح الصدر:
من العلائم الاُخرى للمؤمن أنّ البشر يطفح على وجهه أما حزنه فيدفنه في أعماق قلبه كما إنّه يمتاز بسعة الصدر وإنشراحه، قال أمير المؤمنين عليه السلام محدداً أبرز علامات المؤمن: «المؤمن بشره في وجهه وحزنه في قلبه، أوسع شيء صدراً، وأذل شيء نفساً، يكره الرفعة، ويشنأ السمعة، طويل غمه، بعيدٌ همهُ، كثيرٌ صمته، مشغول وقتُه. شكورٌ صبور، مغمور بفكرته، ضنين بخلَّته، سهلُ الخليقة،
____________
(1) الاختصاص: 233.
(2) معاني الاَخبار: 366.
ليِّن العريكة ! نفسه أصلب من الصلد وهو أذل من العبد» (1). وعن أبي عبدالله عليه السلام قال: «ما من مؤمن إلاّ وفيه دُعابة، قلتُ: ما الدعابة ؟ قال: المزاح» (2). فالمؤمن تتألق ملامحه بالبشر والنور وتفيض عيناه بالوداعة واللطف فيعبر عما يجيش في نفسه من أحاسيس خيرة تجاه الناس عن طريق المزاح محاولاً إدخال السرور على قلوبهم، على العكس من المنافق الذي يغلي قلبه غيضاً وحقداً كالمرجل على المؤمنين، فينعكس ما في داخله على صفحات وجهه فتجده مقطب الجبين تنتابه نوبات من الهستريا والغضب.
وقد ورد عن الرسول الاَكرم صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: «المؤمن دعبٌ لعبٌ، والمنافق قطب غضب» (3).
والملاحظ أنه في الوقت الذي يُعتبر (المزاح) أحد علائم المؤمن النفسية، نجد أنّ الاِسلام يحث على عدم الاسراف فيه بحيث يصل إلى حد السخف والسفاهة أو تجافي الحق. وقد كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يمازح أصحابه وأهل بيته عليهم السلام ويحب إدخال السرور على الجميع، ولكن لا يقول إلاّ حقاً، ولا يخرج عن طوره، ولا يخل بوقاره وهيبته.
عن الاِمام الصادق عليه السلام: «أنَّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال: كثرة المزاح يذهب بماء الوجه، وكثرة الضحك يمحو الاِيمان..» (4).
____________
(1) نهج البلاغة، صبحي الصالح: 533 | حكم 333.
(2) معاني الاَخبار: 164.
(3) تحف العقول: 49.
(4) أمالي الصدوق: 223 | 4.
وعن أبي عبدالله عليه السلام قال: «كان بالمدينة رجل بطّال يضحك الناس منه، فقال: قد أعياني هذا الرجل أن أضحكه يعني علي بن الحسين عليهما السلام قال: فمرَّ علي عليه السلام وخلفه موليان له فجاء الرجل حتى انتزع ردائه من رقبته ثم مضى لم يلتفت إليه علي عليه السلام فاتبعوه وأخذوا الرداء منه فجاؤا به فطرحوه عليه، فقال لهم من هذا، فقالوا له هذا رجل بطّال يضحك أهل المدينة، فقال عليه السلام: قولوا له إنَّ لله يوماً يخسر فيه المبطلون» (1).
4 ـ قوة الاِرادة:
وهي من علامات المؤمن الرئيسية التي يتمكن من خلالها من كبح شهواته والسيطرة على غرائزه، فالاِنسان بلا إرادة كالسفينة بلا بوصلة سرعان ما تنحرف عن المسير فالاِرادة هي الخيط المتين الذي يكبح جموح النفس ويمكّنها من السيطرة على رغباتها. فمن يفتقد الاِرادة ـ إذن ـ يكون حاله كقارب تمزقت حبال مرساته في بحر هائج مائج !
وهنا يبدو من الضروري بمكان الاِشارة الاجمالية إلى علائم نفسية أُخرى تميز المؤمن عن غيره قد تنكشف لنا من خلال نظرته الواعية لمن حوله وما حوله، كما قد تظهر أيضاً في طبيعة صمته وذكره أو سرعة رضاه وعفوه عمن أساء إليه، كما قد ننتهي إليها من نيته وما يضمره من الخير للغير، ويجمع هذه الاُمور ما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام: «إنَّ المؤمن إذا نظر إعتبر، وإذا سكت تذكّر، وإذا تكلّم ذكر، وإذا استغنى شكر. وإذا أصابته شدّة صبر، فهو ربيب الرضى بعيد السخط، يرضي عن الله اليسير، ولا يسخطه الكثير ولا يبلغ بنّيته إرادته في الخير، ينوي كثيراً في الخير
____________
(1) المصدر السابق: 183 | 6.
ويعمل بطائفةٍ منه ويتلهف على ما فاته من الخير كيف لم يعمل به» (1).
5 ـ الاستغلال الاَمثل للزمن:
للزمن ـ كما هو معروف ـ قيمة حضارية كبرى، لذلك نجد المؤمن حريصاً على الزمن الذي هو رأس مال حضاري كبير، فيقسّم أوقاته بين العبادة الحقة والعمل المثمر واللذَّة المباحة، لذلك ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام: «للمؤمن ثلاثُ ساعات: فساعة يُناجي فيها ربَّهُ، وساعة يَرُمُّ معاشه، وساعة يُخلِّي بين نفسه وبين لذتها فيما يحلُ ويجمُلُ. وليس للعاقل أن يكون شاخصاً إلاّ في ثلاث: مرَمَّةٍ لمعاش، أو خطوةٍ في معادٍ، أو لذَّةٍ في غير مُحرَّمٍ» (2).
إذن فأحد علامات المؤمن الحضارية هي الحرص على الزمن والاستغلال الاَمثل له.
|