المقدِّمة
الحمدُ لله الذي حبَّبَ الاِيمان لعباده، وزيّنَهُ في قلوبهم، وكَرَّهَ إليهم الكُفر والفُسوقَ والعصيانَ. والصلاة والسلام على منار المؤمنين وقبلتهم ومبير الكافرين وأعوانهم أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين، وبعد..
لا يخفى أنَّ الاِيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله هو ذروة العقيدة الحقّة وسنام الدين الاَعلى، مما ينبغي على المسلمين في كل عصر وجيل أن يكون (الاِيمان) هو المقياس الحقيقي للتفاضل بينهم بعيداً عن جميع الاعتبارات الاُخرى التي لم يعطها كتاب الله العزيز قيمة ولا وزناً، وهو ليس شعاراً يرفعه من يشاء، وإنما هو سلوك وأدب وخلق وممارسة تتجسد في حياة الفرد بالحرص الشديد على بغض كل شر وحب كل خير وبثه.
وإذا كان كل مولود يولد مؤمناً على الفطرة وإنما أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، فإنّ هذا المبدأ الاستعدادي للاِيمان منذ الوهلة الاُولى لكلِّ مولود جديد غير كافٍ للوصول إلى الغاية الواضحة التي رسمها القرآن الكريم للاِيمان ما لم يقترن ذلك الاستعداد بتربية صحيحة وتوجيه سديد وتعليم متقن، وإلاّ فلا بدَّ من اهتزاز المثل الاِيمانية الرفيعة التي تؤدي إلى انحسار الاِيمان الحق شيئاً فشيئاً إلى أن ينسحب ظله من النفوس لا قدّر الله.
ولا أخال أحداً عاقلاً لا يعي ما للاِيمان من دور فعّال في حياة الفرد والمجتمع، فنظرة واحدة إلى ما أحرزته الاُمم المتقدمة من انتصارات كبيرة في الاَبعاد المادية كتسخيرها للطبيعة وتحقيقها تقدماً باهراً في الطب والتصنيع والاتصال، تكفي شاهداً على ما نقول، لاَنَّ هذا التقدّم لم يؤثّر إيجابياً في حياتها النفسية، فلم تجد الطمأنينة والاَمن النفسي بعد، ولم تذق طعم السلام إلى اليوم، وتنتاب أفرادها موجة من الشك والقلق والخوف من المستقبل، تدفعهم إلى الهروب من الحياة أو الانتحار الذي أصبح ظاهرة ملفتة للنظر في المجتمعات الغربية، لذلك أخذ علماؤها ومفكروها يدقون أجراس الخطر.
كما لم يؤثّر التقدم المادي المشهود في أبعادها الخُلقية إذ يلاحظ كثرة وتنوع مظاهر الفساد في أكثر البلدان وتفشي ظاهرة الجريمة والشذوذ وتعاطي المخدرات على أوسع نطاق. وفوق ذلك لم يحدث تطور في تصور الاِنسان عن غاية الوجود وأهداف الحياة الاِنسانية.
والمثير في الاَمر بروز مظاهر جديدة للكفر تقف وراءها مؤسسات عملاقة أخذت تحارب الاِسلام وتحاول النيل من مبادئه والحط من مكانة ومصداقية رموزه.
وأخذت دائرة الكفر تتسع بظهور جماعات تنتشر في كافة القارات، وتدعوا ـ علناً ـ لعبادة الشيطان !، وقد أوجدت لهذه الغاية طقوساً خاصة وأماكن مخصصة، مستفيدة من أحدث وسائل الاتصال لنشر أفكارها الهدّامة، لذلك وجدنا الحاجة ماسة للحديث عن قضية الاِيمان والكفر، ونعتقد أنها من القضايا الحيوية الاَولية التي يجب إعطاءها ما تستحقه من أهمية.
صحيح أنّ هناك من تضيق عدسة الرؤية لديه، ولا يرغب الحديث عن الاِيمان والكفر، ويرى أنها قضية جانبية هامشية، وأنّ في الدّنيا قضايا حياتية أهم. ولكن غاب عن هؤلاء أنّها من القضايا المصيرية التي يتوقف عليها مصير الفرد والمجتمع معاً. خصوصاً وأنّ الاِيمان مصدر خير للبشرية، وأنّ الكفر مصدر شرٍّ لها عبر تاريخها الطويل، فقد كبّل عقول الناس بالخرافات والاَساطير وحط من أخلاقهم وحال دون رقيهم، كما جلب لهم الخصام والتنازع ولم يذوقوا طعم السلام.
ولاَجل بيان ما يلزم بيانه، قسّمنا البحث على فصول أربعة وخاتمة، آملين أن تسهم في تشخيص معالم الكفر والاِيمان وبيان أثرهما على الفرد والمجتمع كخطوة مباركة ـ إن شاء الله ـ في دعم فطرة الاِنسان الاولى وتقويتها وصيانتها والحفاظ عليها من مغبة الانزلاق في مسالك الحياة المادية مع الاَخذ بيد المؤمنين إلى ما يقوي إيمانهم ويرفعه درجات.
ومنه تعالى نستمد العون والتوفيق
|