متون الكتب :  
الفهارس :  
أسماء الكتب والمؤلفين :  
موج الفرية جاء من الشام
الكتاب : العقائد الإسلامية ج2    |    القسم : مكتبة عقائد الشيعة

موج الفرية جاء من الشام

مع أن الخليفة عمر أخذ من ثقافة كعب الاَحبار وجماعته وأجاز لهم رسمياً أن يحدثوا المسلمين في مساجدهم ، وأن يكتب المسلمون عنهم ، ولكن روايات الرؤية واجهت سداً من الصحابة فبقي انتشارها محدوداً في زمن الخليفة عمر ، ولكن الدولة الاَموية تبنت نشرها بقوة فارتفعت موجتها من الشام ، ووصلت إلى المدينة فاستنكرها أهل البيت وعائشة والصحابة !
تدل الرواية التالية على أن الشام كانت مركز القول بالتشبيه والتجسيم ، وسبب ذلك أن كعب الاَحبار وجماعته اتخذوا الشام قاعدة لهم وكانوا مقربين من معاوية ، وقد أطلق يدهم ليملوا أفكارهم وثقافتهم على المسلمين ، ويظهر أن أول من تأثر بهم وتبعهم أهل الشام حتى تأصلت أفكارهم فيهم .
ومن الظواهر الملفتة أن الشام في تاريخنا الاِسلامي كانت موطناً للتشبيه
( 10 )
والتجسيم أكثر من أي قطر إسلامي آخر ! فلا توجد في العالم الاِسلامي منطقة يعتبر فيها تأويل صفات الله تعالى التي يتوهم منها التشبيه والتجسيم جريمةً وخروجاً عن الدين إلا الشام ، فقد صارت كلمة ( متاولة ) تساوي كلمة كفار أو أسوأ منها ، وكم من مسلم قتل في بلاد الشام بجرم أنه ( متوالي ) أي متأول ! وما زالت هذه الكلمة إرثاً عند العوام ينبزون بها شيعة أهل البيت عليهم السلام وهي في فهم عوامهم أسوأ من الكفر أو مساوقة له !

ـ قال الصدوق في التوحيد ص 179
حدثنا أبو طالب المظفر بن جعفر بن المظفر العلوي السمرقندي رضي الله عنه قال : حدثنا جعفر بن محمد بن مسعود ، عن أبيه محمد بن مسعود العياشي قال : حدثنا الحسين بن أشكيب قال : أخبرني هارون بن عقبة الخزاعي ، عن أسد بن سعيد النخعي قال : أخبرني عمرو بن شمر ، عن جابر بن يزيد الجعفي قال : قال محمد بن علي الباقر عليهما السلام : يا جابر ما أعظم فرية أهل الشام على الله عز وجل ، يزعمون أن الله تبارك وتعالى حيث صعد إلى السماء وضع قدمه على صخرة بيت المقدس ، ولقد وضع عبد من عباد الله قدمه على حجر فأمرنا الله تبارك وتعالى أن نتخذه مصلى ، يا جابر إن الله تبارك وتعالى لا نظير له ولا شبيه ، تعالى عن صفة الواصفين ، وجلَّ عن أوهام المتوهمين ، واحتجب عن أعين الناظرين ، لا يزول مع الزائلين ، ولا يأفل مع الآفلين، ليس كمثله شيء وهو السميع العليم .
ـ ورواه العياشي في تفسيره ج 1 ص 59 ، ورواه المجلسي في بحار الاَنوار ج 102 ص270 وقال : بيان : الظاهر أن المراد بالعبد النبي صلى الله عليه وآله حيث وضع قدمه الشريف عليه ليلة المعراج وعرج منه كما هو المشهور ويحتمل غيره من الاَنبياء والاَوصياء عليهم السلام وعلى أي حال يدل على استحباب الصلاة عليه . انتهى . ولكن الصحيح ما قاله الرباني في هامش بحار الاَنوار :

( 11 )
بل الظاهر من الحجر أن المراد به مقام إبراهيم وبه أثر قدمه الشريف ، وقد أمرنا الله عز وجل بقوله : واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ، أن نتخذه مصلى . انتهى .
ولا يبعد أن يكون مقصود الاِمام الباقر عليه السلام بتعبيره ( أهل الشام ) بني أمية ، وهو تعبير يستعمله عنهم أهل البيت عليهم السلام وهذا يدعونا إلى القول بأن سبب عدم نجاح أفكار كعب في المدينة المنورة أو في الكوفة أو محدودية نجاحها في القرن الاَول ، الخليفة عمر رغم أنه أعطى كعباً مكانة عظيمة في دولة الخلافة وكان يقبل أفكاره ، ولكن كان يوجد في عهده صحابة كثيرون يجابهون كعباً ويردون إسرائيلياته كما شاهدنا في موقف عائشة ، وكما نرى في الموقف التالي لعلي عليه السلام حيث غضب من كلام كعب ونهض ليخرج من مجلس الخليفة عمر محتجاً على أفكاره التجسيمية اليهودية !

ـ فقد روى المجلسي في بحار الاَنوار ج 44 ص 194
عن ابن عباس أنه حضر مجلس عمر بن الخطاب يوماً وعنده كعب الحبر إذ قال : يا كعب أحافظ أنت للتوراة .
قال كعب : إني لاَحفظ منها كثيراً .
فقال رجل من جنبة المجلس : يا أمير المؤمنين سله أين كان الله جل ثناؤه قبل أن يخلق عرشه ، ومم خلق الماء الذي جعل عليه عرشه . فقال عمر : يا كعب هل عندك من هذا علم ؟
فقال كعب : نعم يا أمير المؤمنين نجد في الاَصل الحكيم أن الله تبارك وتعالى كان قديماً قبل خلق العرش وكان على صخرة بيت المقدس في الهواء ، فلما أراد أن يخلق عرشه تفل تفلة كانت منها البحار الغامرة واللجج الدائرة ، فهناك خلق عرشه من بعض الصخرة التي كانت تحته ، وآخر ما بقي منها لمسجد قدسه !
قال ابن عباس : وكان علي بن أبي طالب عليه السلام حاضراً فعظم على ربه وقام على قدميه ونفض ثيابه فأقسم عليه عمر لما عاد إلى مجلسه ففعله .

( 12 )
قال عمر: غص عليها يا غواص ، ما تقول يا أبا الحسن فما علمتك إلا مفرجاً للغم.
فالتفت علي عليه السلام إلى كعب فقال :
غلط أصحابك وحرفوا كتب الله وفتحوا الفرية عليه ! يا كعب ويحك إن الصخرة التي زعمت لا تحوي جلاله ولا تسع عظمته ، والهواء الذي ذكرت لا يحوز أقطاره ، ولو كانت الصخرة والهواء قديمين معه لكان لهما قدمته ، وعز الله وجل أن يقال له مكان يومى إليه ، والله ليس كما يقول الملحدون ولا كما يظن الجاهلون ، ولكن كان ولا مكان بحيث لا تبلغه الاَذهان ، وقولي ( كان ) عجز عن كونه وهو مما علم من البيان يقول الله عز وجل ( خلق الاِنسان علمه البيان ) فقولي له ( كان ) ما علمني من البيان لاَنطق بحججه وعظمته ، وكان ولم يزل ربنا مقتدراً على ما يشاء محيطاً بكل الاَشياء ، ثم كوَّن ما أراد بلا فكرة حادثة له أصاب ، ولا شبهة دخلت عليه فيما أراد ، وإنه عز وجل خلق نوراً ابتدعه من غير شيء ، ثم خلق منه ظلمة ، وكان قديراً أن يخلق الظلمة لا من شيء كما خلق النور من غير شيء ، ثم خلق من الظلمة نوراً وخلق من النور ياقوتة غلظها كغلظ سبع سماوات وسبع أرضين ، ثم زجر الياقوتة فماعت لهيبته فصارت ماء مرتعداً ولا يزال مرتعداً إلى يوم القيامة ، ثم خلق عرشه من نوره وجعله على الماء ، وللعرش عشرة آلاف لسان يسبح الله كل لسان منها بعشرة آلاف لغة ليس فيها لغة تشبه الاَخرى ، وكان العرش على الماء من دونه حجب الضباب ، وذلك قوله : وكان عرشه على الماء ليبلوكم .
يا كعب ويحك ، إن من كانت البحار تفلته على قولك ، كان أعظم من أن تحويه صخرة بيت المقدس أو يحويه الهواء الذي أشرت إليه أنه حل فيه ، فضحك عمر بن الخطاب وقال : هذا هو الاَمر وهكذا يكون العلم لا كعلمك يا كعب ، لاعشت إلى زمان لا أرى فيه أبا حسن . انتهى .
وفي هذه الرواية مادة غنية للبحث نكتفي منها بأن كعب الاَحبار طرح التجسيم رسمياً في دار الخلافة ومجلس الخليفة ولم يرده إلا علي عليه السلام وقد قبل الخليفة تنزيه
( 13 )
عليّ لله تعالى ووبخ كعب الاَحبار في ذلك المجلس ، ولكن يظهر أنه قبل منه التجسيم بعد ذلك كما سيأتي في أحاديث الخليفة عن تجسيم الله تعالى ، وأنه يجلس على عرشه ويطقطق العرش من ثقله . . إلخ .

 شبكة البتول عليها السلام  @ 11-2006  -  www.albatoul.net

إنتاج : الأنوار الخمسة للإستضافة والتصميم @ Anwar5.Net