الامر الاول : التعبئة المعنوية
التعبئةُ المعنوية لها دورٌ كبير في تكامل المواجهة وترسيخ النفس ، ومقاومتها لاخر رمق ; وذلك بالاقتناع التام بالهدف والمبدأ اللذينِ يُقاتل من أجلهما وفي سبيلهما ، إذ يهون حينها كل شيء ما دام يرى نفسَه على حق ، وبعكس ذلك لا يمكن أن يقف في المواجهة طالما لا هدف له من وراءِ ذلك ، وما دامَ غير مُقتنع فحينها لا يكونُ موطناً نفسه على ذلك.
وقد وجدنا أنصار الحسين (عليه السلام) قد وطنوا أنفسهم في مواجهة أعدائهم ، وذلك بعزيمة صادقة لا تردّدَ فيها ، وبإيمان لا يشوبُه شكٌ حيث الاقتناع التام بالمبدأ السامي الذي يدافعون عنه ويقاتلون من أجله ، فكانوا يتمتعون بروحيّة عالية
===============
( 175 ) تخوّلُهم الوقوفَ أمام ذلك الجيش الهائل ، فكان من يراهم يُصاب بالدهشة وذلك لعظِم موقفهم ، وربط جأشهم وقلة مُبالاتِهم ، فأصبحوا في ذلك مَضرباً للمثل بحق ، إذ لو تصفحت التاريخ لا تجد أنصاراً كهؤلاء قاتلوا بروحية عالية ، حيث يتمنى أحدهم أن يقاتل ويقتل سبعين مرةً بلا ملل في سبيل الحسين (عليه السلام) ، حتى أصبحت هذه النخبة المباركة متكاملةً من جميع الجهات ، ووصلت إلى الذروة في الاقدام والبطولة والصمود.
والفضل في هذا كله يعود في الحقيقة إلى الحسين (عليه السلام) الذي انتخبهم وانتقاهم من بين الاخرين ، حيث كان (عليه السلام) يلاحظ ذلك بعين الاعتبار من حيث كفاءة الرجل ونزاهته وتوطينه للنفس ، وقد أعلنها كلمة صريحة قبيل خروجه إلى العراق قائلا : مَنْ كان باذلاً فينا مهجته ، وموطنا على لقاء الله نفسه ، فليرحل معنا ، فإنني راحلٌ مصبحاً إنشاء الله تعالى (1) فكان (عليه السلام) حريصاً في أن تكون النخبة التي تقاتل معه وتقف الى جانبه متكاملة من حيث توطين النفس والاخلاص في التضحية ، ولهذا كان أحدهم كألف ، فكانوا كما قيل عنهم :
قومٌ إذا نــودوا لدفـع ملمـة * والخيل بين مدعس ومكردس لبسوا القلوب على الدروع كأنهم * يتهافتون إلى ذهاب الانفس (2)
وقال كعب بن جابر قاتل برير في وصفهم :
ولم تر عيني مثلهم فـي زمانهم * ولا قبلهم في الناس إذا أنا يافعُ أشدّ قراعاً بالسيوف لدى الوغى * ألا كلّ من يحمي الذمار مقارعُ ____________
(1) اللهوف : ص 26.
(2) اللهوف : ص48.
===============
( 176 )
وقد صبروا للطعن والضرب جُسّراً * وقد نازلــوا لــو أن ذلك نافــعُ (3)
وقد قال بعض المؤرخين يصف قتالهم يوم العاشر من المحرم : وقاتلوهم حتى انتصف النهار أشد قتال خلقه الله (1).
الامر الذي يدل على صدق نياتهم وشدة وثباتهم ، وناهيك عن شهادة أعدائهم لهم بذلك ، قيل لرجل شهد الطف مع ابن سعد : ويحك أقتلتم ذرية الرسول ؟ !
فقال : عضضت بالجندل ، إنك لو شهدت ما شهدنا لفعلت ما فعلنا ، ثارت علينا عصابةٌ أيديها على مقابض سيوفها كالاسود الضارية تحطم الفرسان يميناً وشمالاً تلقي نفسها على الموت ، لا تقبل الامان ولا ترغب في المال ولا يحول حائلٌ بينها وبين المنية أو الاستيلأ على الملك ، فلو كففنا عنها رويداً لأتت على نفوس العسكر بحذافيرها فما كنا فاعلين لا اُمَّ لك (3) !!
ووصفهم بعضهم بقوله : لقوا جبال الحديد ، واستقبلوا الرماح بصدورهم ، والسيوف بوجوهم وهم يُعرض عليهم الامان والامـوال فيأبون ويقولون : لا عذر لنا عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) إن قُتـل الـحسين(عليه السلام) ومنا عينٌ تَطرُف ، حتى قُتلوا حوله (4)
فبعد هذا تعرف أن هؤلاء الصفوة هم الذين استبقاهم الحسين (عليه السلام) وانتقاهم من بين أولئك الطامعين أو الخائفين ، فهو لا يقبل كلَّ من وفد عليه ما لم يكن مؤهلاً ، فهذا عبيد الله بن الحر لمَّا دعاه الحسين إلى نصرته ليمحو بها ذنوبه الـكثيرة ____________
(1) سفينة البحار للقمي : ج5 ، ص42.
(2) تاريخ الطبري : ج4 ، ص333 ، وقعة الطف لابي مخنف : ص228.
(3) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج3 ، ص263 ، مقتل الحسين للمقرم : ص69.
(4) إختيار معرفة الرجال للطوسي : ج1 ، ص293 | 133.
===============
( 177 ) قال ابن الحر : فإن نفسي لا تسمـح بالموت ولكن فرسي هذه الملحقة والله ما طلبت عليها شيئاً قط إلا لحقته ولا طلبني أحد وأنا عليها إلا سبقته فخذها لك.
فقال له الحسين (عليه السلام) : أما إذا رغبت بنفسك عنا فلا حاجة لنا في فرسك ولا فيك ( وما كنتُ متخذُ المضلينُ عَضُداً ) (1) وإني أنصحك كما نصحتني ، إن استطعت أن لا تسمع صراخنا ، ولا تشهد وقعتنا فافعل ، فوالله لا يسمع واعيتنا أحد ولا ينصرنا إلا أكبه الله في نار جهنم (2).
فكان أمثال هؤلاء يجنّبهم الحسين (عليه السلام) ساحة القتـال ، ويحذرهم من سماع واعيته ما داموا غير موطنين أنفسهم للدفاع عنه.
ولذا كان لأذن الحسين عليه السلام لاصحابه بالتفرق عنه أكبر الأثر في ابقاء الصفوة الخالصة التي لا يحتمل في حقها الهزيمة أو الخذلان إذ من الطبيعي من كان صادقاً في عزيمته وموطناً على ذلك نفسه ـ وانطلاقاً من الشعور بالمسؤولية ـ لا يتخلى عنه في ساعة المحنة وفي أحلك الظروف واشتداد الامر ، ولذا بقي معه من وطَّن نفسه على ذلك وأبت حفيظتُهُ مفارقتَه ولسان حالهم يقول :
إنّا على العهد لم نخذلك في غدنا * وكيف يخذل مَنْ في حبكم فُطِما
وأما من كان غير متصف بهذا كان من الطبيعي أن يتخلى عنه ولو بقي معه مثل هذا ! لا يؤمن منه أن يسلمه عند الوثبة ويخذله في ساحة الحرب ، فيكون أسوأ حالاً ممن انصرف عنه (عليه السلام) ليلة العاشر ، فعلى هذا لا محالة يواجه خطرين عظيمين :
أحدهما : أنه يبوءُ بغضبِ الله تعالى لا نهزامه وزحفه من ساحة المعركة ، ولا ____________
(1) سورة الكهف : الاية 51.
(2) مقتل الحسين للمقرم : ص189 ، تاريه الطبري : ج4 ، ص307 ، بتفاوت.
===============
( 178 ) يخفى أن هذا من أعظم الكبائر ، فيكون مصداقاً لقول الحسين (عليه السلام) : مَن سمع واعيتنا أو رأى سوادنا فلم يجبنا أو يغثنا كان حقاً على الله عزوجل أن يكبه على منخريه في النار (1).
ثانيهما : إظهار الوهن والخذلان في أصحاب الحسين (عليه السلام) كما يثير ذلك أيضاً شماتة الاعداء ! !
وهذا ما دفع زينب عليها السلام أن تسأل الحسين (عليه السلام) عن صدق نيات أصحابه ؟
فقالت له : هل استعلمت من أصحابك نياتهم فإني أخشى أن يسلموك عند الوثبة ؟!
فقال لها : والله لقد بلوتهم فما وجدتُ فيهم إلا الاشوس الاقعس ، يستأنسون بالمنية دوني استيناس الطفل إلى محالب أمه ! !
وعلى إثر هذا الكلام جاء حبيب بن مظاهر مع أصحابه وواجهوا النسوة قائلين : يا معشرَ حرائر رسول الله هذه صوارم فتيانكم آلوا ألا يغمدوها إلا في رقاب من يريد السوء فيكم وهذه أسنة غلمانكم أقسموا ألا يركزوها إلا في صدور من يفرق ناديكم (2) ، فعند ذلك طابت خواطرهن وسكنت قلوبهن. وذلك لما رأين عزائم الابطال الصادقة وثبات موقفهم.
وبهذا يكونُ أصحاب الحسين (عليه السلام) متفوقين بالروح المعنوية على أعدائهم مع قلتهم ، وبمحض إرادتهم ، ودوافعهم النفسية والدينية ، وهذا كما لاي يخفى له دور كبير. ____________
(1) ثواب الاعمال للصدوق : ص309 ، إختيار معرفة الرجال للطوسي : ج1 ، ص331 / 181 بحار الانوار : ج45 ص84 ، مقتل الحسين للمقرم : ص190.
(2) معالي السبطين : ج1 ، ص345 ، الدمعة الساكبة : ج4 ، ص273 ـ 274 ، مقتل الحسين للمقرم : ص219.
===============
( 179 ) في تعزيز المواجهة والاستعداد لدخول المعركة
|