متون الكتب :  
الفهارس :  
أسماء الكتب والمؤلفين :  
الموقف الفقهي من الدعوة إلى معرفة الله تعالى عن طريق معرفة النفس
الكتاب : العقائد الإسلامية ج1    |    القسم : مكتبة عقائد الشيعة

الموقف الفقهي من الدعوة إلى معرفة الله تعالى عن طريق معرفة النفس

ما ذكره صاحب الميزان رحمه الله من الطريقين لمعرفة الله تعالى : طريق النظر في الآفاق وطريق النظر في الاَنفس ، مطلب شائع بين العرفانيين والمتصوفة ، والظاهر أنهم أخذوه من قوله تعالى ( سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ) ولابد هنا من تسجيل الملاحظات التالية :
أولاً : وردت أحاديث شريفة في تفسير الآية المذكورة بأنها من علامات ظهور الاِمام المهدي عليه السلام أو من الاَحداث التي تظهر على يده ، وأن المقصود بالآفاق آفاق الاَرض حيث ( تنتقض الاَطراف عليهم ) أي على الجبارين قرب ظهوره عليه السلام . ويؤيد ذلك سين الاِستقبال في الآية ، التي تخبر عن حدث في المستقبل ، وإلا لقال ( ولقد أريناهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم ) مثلاً . أو قال ( أولم ينظروا في الآفاق ) كما قال تعالى ( أولم ينظروا في ملكوت السماوات والاَرض ) .
ثانياً : لا شك أن النظر في ملكوت السماوات والاَرض ، أي فيما يمكن للاِنسان معرفته وفهمه وأخذ العبرة منه ، أمر محبوب شرعاً وموصل إلى معرفة الله تعالى وزيادة الاِيمان به . قال تعالى : أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والاَرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم ، فبأي حديث بعده يؤمنون . الاَعراف ــ 185 ، ولكن نفس الاِنسان جزء من هذا الملكوت وواحدة من هذه الآفاق ، وليست طريقاً في مقابل بقية الآفاق .
ثالثاً : لم أجد سنداً للحديث الذي ذكره ( المعرفة بالنفس أنفع المعرفتين ) ومن البعيد أن يكون حديثاً شريفاً ، وعلى فرض صحته لا يصح تفسيره بما ذكره رحمه الله فإن المقابل لمعرفة الله بالنفس معرفة الله بالله تعالى ، أو معرفة الله بأنبيائه وأوليائه ، أو
( 276 )
معرفة الله بآياته غير النفس . . فمن أين جعل رحمه الله المعرفة التي تقابل معرفة النفس ، معرفة الآفاق وحصره المقابلة بها . ثم إذا كانت المعرفة بالسير الآفاقي تشمل معرفة الله بالله تعالى وبأوليائه صلوات الله عليهم ، فكيف يصح تفضيل معرفته عن طريق النفس على هذه المعرفة ؟!
رابعاً : تقدم بحث الحد الاَدنى الواجب من معرفة الله تعالى ، ولم يتعرض الفقهاء والمتكلمون إلى طرقه ، ولم يفضلوا بعضها على بعض . كما تقدم أن معرفة الله هي من صنعه تعالى في نفس الاِنسان وألطافه به ، ولا صنع للاِنسان فيها .
خامساً : لا شك في صحة ما ذكره رحمه الله من أن تزكية النفس وتهذيبها من الرذائل والشهوات والتعلق بحطام الدنيا ومتاعها ، مقدمة لازمة لتحقيق هدف الدين الذي هو عبادة الله تعالى . قال تعالى ( وما خلقت الجن والاِنس إلا ليعبدون ) وقال تعالى (هو الذي بعث في الاَميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ) ولكن الوارد في القرآن الكريم والاَحاديث الشريفة هو تزكية النفس وجهاد النفس ومخالفة النفس ، وهي أمور عملية غير ما يطرحه المتصوفة والعرفاء من معرفة النفس ، وإن كانت تزكية النفس تتوقف على قدر من معرفتها .
سادساً : لو سلمنا أن تزكية النفس ومخالفتها وجهادها هي نفس معرفة النفس التي طرحها المتصوفة والعرفاء ، ولكن الدعوة إلى معرفة الله تعالى وطاعته عن طريق معرفة النفس على إجمالها وإهمالها تتضمن مخاطر عديدة لا يمكن قبولها ، لاَنها تتسع للضد والنقيض في الاَساليب والاَهداف والقدوات . . جميعاً .
فبعض الدعوات إلى معرفة الله تعالى عن طريق معرفة النفس تتبنى العزلة والرهبانية ، وبعضها يتبنى إصلاح النفس والمجتمع والحكم . وبعضها يدعو إلى التقيد بأحكام الشريعة المقررة في هذا المذهب أو ذاك . . . . وبعضها يدعو إلى تقليد الاَستاذ شيخ الطريقة أو أستاذ الاَخلاق وما شابه ، دون الحاجة إلى أخذ أي مفهوم أو حكم شرعي من غيره !

( 277 )
وبعضها يدعي أنه يتصل بالله تعالى عن طريق المعرفة فيلهم العقائد والاَحكام الشرعية ، ولا يحتاج عند ذلك إلى شريعة ! بل ولا إلى نبوة !!
وبعض الدعوات تجعل قدوتها في المعرفة بعض الصحابة أو الاَولياء الذين لم يجعلهم الله تعالى ولا رسوله قدوة . بل قد يتخذ بعضهم قدوة من العرفاء والمتصوفة غير المسلمين . . الى آخر ما هنالك من تعدد الاَساليب والاَهداف والقدوات .
ولهذا ، فإن من المشكل جداً أن ندعو الناس إلى معرفة الله تعالى عن طريق معرفة النفس ، ونقول لهم اقتدوا بأستاذكم حتى يصل أحدكم إلى الله تعالى فيصير أستاذاً مجتهداً ! فما أيسر أن يجلس الشيطان في هذا الطريق وينحرف بالاِنسان !
سابعاً : بما أن حب الذات أقوى غرائز الاِنسان على الاِطلاق ، فإن دعوة العوام بل وأكثر المتعلمين إلى سلوك طريق العرفان والتصوف بدون تحديد الوسائل والاَهداف والقدوة ، يجعلهم في معرض الوقوع في عبادة الذات وتعظيمها ، فيتخيل أحدهم أنه وصل إلى الله تعالى ، وحصل على ارتباط به ، وصار صاحب أسرار إلَهية، ويزين له الشيطان العيش في عالم من نسيج الخيال وحب الذات ، وقد تظهر منه ادعاءات باطلة واتجاهات منحرفة ، أعاذنا الله وجميع المؤمنين .
لذلك فإن الاِئتمام في المعرفة وتعيين وسائلها وهدفها من أول ضرورياتها ، فالواجب التركيز على القدوة في معرفة النفس والسلوك ، قبل الدعوة إلى سلوك طريقٍ لا إمام له .
ثامناً : ما دامت معرفة النفس عند المتصوفة طريقاً الى معرفة الله تعالى ، ومعرفة الله تعالى طريقاً الى عبادته ، فالهدف المتفق عليه عند الجميع هو عبادة الله سبحانه . وهذه العبادة التي هي غاية الخلق وطريق التكامل الاِنساني الوحيد ، إنما تحصل بإطاعته سبحانه ، وإطاعة رسوله صلى الله عليه وآله وإطاعة أهل بيته عليهم السلام أولي الاَمر الذين أمرنا الله ورسوله بإطاعتهم والاِقتداء بهم . .
ولذلك فلابد في الدعوة إلى المعرفة والعرفان وتزكية النفس وتطهيرها وجهادها
( 278 )
وغرس الفضائل فيها . . أن تتقيد بإطاعة الاَحكام الشرعية كاملة ، وتتخذ من النبي وآله صلى الله عليه وعليهم قدوة وأئمة في المسلك والسلوك . . حتى تكون طريقاً صحيحاً في الحياة ، موصلة إلى رضوان الله تعالى . ولذلك أجاب أحد الفقهاء شخصاً سأله ما هو العرفان ، وكيف يكون الاِنسان عارفاً ، فقال له : هذه الاَحكام الشرعية التي تطبقها يومياً فتصلي وتقوم بالواجبات وتترك المحرمات هي العرفان ، وأنت بسلوكك هذا تمارس المعرفة .
ومن الطبيعي أن يكون ذلك السلوك على درجات ومراتب ومقامات ، ولكنها تتحقق من هذا الطريق الذي سلكه النبي وآله وتلامذتهم ، لا من غيره .

 شبكة البتول عليها السلام  @ 11-2006  -  www.albatoul.net

إنتاج : الأنوار الخمسة للإستضافة والتصميم @ Anwar5.Net