المناقشة والرد :
والظاهر بطلان ذلك للأمور التالية : الأول : إن كلام محمد بن هلال ، وعطاء الخراساني ، وغيرهما لا يدل على مطلوبهم ; لأن وجود المسوح على حجرات أزواج النبي ( ص ) ، لا يعني أنها لم تكن لها أبواب من خشب عرعر ، أو ساج ، أو من جذوع ، أو من سعف النخل ، وذلك لأمرين :
أولهما : أن المقصود بالعبارات المنقولة عن محمد بن هلال ، وعن عطاء ، وغيرهما : أن سطوح تلك البيوت والحجر كانت عبارة
|
( 1 ) وفاء الوفاء : ج 2 ص 459 و 460 ، وراجع ص 540 . ( 2 ) وفاء الوفاء ، ج 2 ص 461 . ( 3 ) المصدر السابق . |
| |
عن مسوح من شعر ، تستر من بداخلها من حر الشمس ، وغيره . ويدل على ذلك : قول الحسن البصري : " . . كنت أدخل بيوت رسول الله ( ص ) وأنا غلام مراهق ، وأنال السقف بيدي ، وكان لكل بيت حجرة ، وكانت حجره من أكسية من شعر ، مربوط في خشب عرعر ( 1 ) " .
فقد وصف أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بيوت آل النبي في عهده صلى الله عليه وآله وسلم ، فكان مما قاله : " . . ونحن أهل بيت محمد ( ص ) لا سقوف لبيوتنا ، ولا أبواب ، ولا ستور إلا الجرائد ( 2 ) ، وما أشبهها . ولا وطاء لنا ، ولا دثار علينا يتداول الثوب الواحد في الصلاة أكثرنا ، ونطوي الليالي والأيام عامتنا ، وربما أتانا الشئ مما أفاء الله علينا ، وصيره خاصة لنا دون غيرنا ، ونحن على ما وصفت من حالنا ; فيؤثر به رسول الله أرباب النعم والأموال ، تألفا منه لهم . . ( 3 ) " .
فأمير المؤمنين إذن يصف حالة الفقر المدقع الذي كان يعاني منه أهل البيت ( عليهم السلام ) ، ويذكر إيثار رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حتى أهل النعم والأموال بما يتوفر لديه منها ، مع ملاحظة : أن أبواب أهل البيت ( عليهم السلام ) بيوتهم كانت من جريد النخل الذي هو أصل السعفة بعد جرد الخوص عنها ، أما غيرهم ( عليهم السلام ) فكان لبيوتهم ستائر ، وكانت أبوابها من غير جريد النخل
|
( 1 ) وفاء الوفاء : ج 2 ص 541 ، وراجع ص 463 . ( 2 ) الجريد : الذي يجرد عنه الخوص ولا يسمى جريدا ما دام عليه الخوص . وإنما يسمى سعفا . وراجع لسان العرب ج 2 ص 237 . وصحاح اللغة للجوهري . ( 3 ) البحار : ج 38 ص 175 ، والخصال ج 2 ص 373 و 374 . ( * ) |
| |
أيضا ، ومنها الأخشاب لا مجرد ستائر ومسوح كما يدعون . ثانيهما : النصوص الدالة على أن الأبواب الخشبية والمصاريع كانت تجعل عليها ستور أيضا وستأتي هذه النصوص .
وقد كانت أبواب حجر أزواج رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) تفتح إلى المسجد ، الذي يتواجد الناس فيه في مختلف الأوقات ، ويتواجد فيه أهل الصفة أيضا . ولا يمكن حبس النساء فيه في حجراتهن شتاء وصيفا - والبلاد حارة - من دون أن يصل إليهن بعض النسيم الضروري ، فإذا فتح الباب ، وبقي الساتر المرخى عليه ، فإن ذلك سيسمح بتسرب بعض النسيم إلى داخل الحجرات المذكورة ، مع بقاء من في داخل الحجرة مستورا عن أعين الناظرين .
الثاني : مما يدل على بطلان قولهم : إننا نسأل : من الذي قال : إن ما أدركه محمد بن هلال وعطاء ، من صفة الحجر هو نفسه الذي كان موجودا في زمن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ؟ ! فقد مر دهر على تلك الحجرات ، وتعرضت للبيع والشراء ، ولغير ذلك . فلعل الأبواب قد استبدلت ، أو اقتلعت ، أو ما إلى ذلك ! !
الثالث : إن نفس محمد بن هلال قد ذكر في معرض حديثه عن الحجر الشريفة . ما يدل على وجود أبواب ذات مصاريع ، واحد أو أكثر ، فقد قال في تتمة كلامه الذي نقلناه عنه فيما سبق : " . . . وكان باب عائشة مواجه الشام ، وكان بمصراع واحد ، من عرعر أو ساج ( 1 ) " .
ويحدثنا أبو فديك عن محمد بن هلال ، فيقول :
|
( 1 ) وفاء الوفاء : ج 2 ص 542 و 460 . ( * ) |
| |
" . . . فسألته عن بيت عائشة ، فقال : كان بابه من جهة الشام . قلت : مصراعا كان أو مصراعين ؟ ! قال : كان باب واحد . قلت : من أي شئ كان ؟ . قال : من عرعر أو ساج . . ( 1 ) " .
قال السمهودي : " وهذا مستند ابن عساكر في قوله : وباب البيت شامي . ولم يكن على الباب غلق مدة حياة عائشة ( 2 ) " .
وقال ابن النجار : " . . كان لبيت عائشة مصراع واحد من عرعر أو ساج ( 3 ) " .
والعرعر هو شجر السرو . والساج شجر يعظم جدا ، وخشبه أسود ، وزين ، لا تكاد الأرض تبليه ، ومنبته بلاد الهند فقط ( 4 ) .
ونضيف هنا : أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) هو الذي بنى الحجر لنسائه ، في منازل كانت لحارثة بن النعمان ( 5 ) .
فهل يعقل أن يكون ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قد خصص عائشة بباب من ساج أو عرعر وترك سائر نسائه ؟ ! مع الإلفات إلى أن السؤال والجواب قد كانا عن خصوص
|
( 1 ) راجع : وفاء الوفاء : ج 2 ص 459 و 460 و 542 . ( 2 ) وفاء الوفاء : ج 2 ص 542 . ( 3 ) وفاء الوفاء : ج 2 ص 458 و 540 . |
( 4 ) راجع : أقرب الموارد : ج 1 ص 554 و ج 2 ص 262 ( 5 ) راجع : وفاء الوفاء : ج 2 ص 462 و 463 . ( * ) |
| |
بيتها ، وعدم التعرض لسائر الأبواب ، إنما كان لعدم تعلق غرض السائل بمعرفة مواصفات أبوابها ; وأنها كانت بمصراع واحد أو بمصراعين ، أو كانت من عرعر أو ساج أو غير ذلك . .
|