متون الكتب :  
الفهارس :  
أسماء الكتب والمؤلفين :  
هل تزول المعرفة والاِيمان بإنكار الضروري ؟
الكتاب : العقائد الإسلامية ج1    |    القسم : مكتبة عقائد الشيعة

هل تزول المعرفة والاِيمان بإنكار الضروري ؟

ـ نهاية الاَفكار ج 2 ص 190
وحيث انجر الكلام إلى هنا ينبغي عطف الكلام إلى بيان أن كفر منكر الضروري هل هو لمحض إنكاره أو أنه من جهة استتباعه لتكذيب النبي صلى الله عليه وآله وتظهر الثمرة فيما لو كان منشأ الاِنكار الاِعتقاد بعدم صدور ما أنكره عن النبي صلى الله عليه وآله أو اشتباه الاَمر عليه فإنه على الاَول يحكم عليه بالكفر ويرتب عليه آثاره بمحض إنكاره ، بخلاف الثاني حيث لا يحكم عليه بالكفر في الفرض المزبور .
فنقول : إن ظاهر إطلاق كلماتهم في كفر منكر الضروري وإن كان يقتضي الوجه
( 250 )
الاَول ، ولكن النظر الدقيق فيها يقتضي خلافه ، وذلك لما هو المعلوم من انصراف إطلاق كلماتهم إلى المنكر المنتحل للاِسلام المعاشر للمسلمين . ومن الواضح ظهور إنكار مثل هذا الشخص في تكذيبه للنبي صلى الله عليه وآله ومع هذا الاِنصراف لا مجال للاَخذ بإطلاق كلامهم في الحكم بكفر منكر الضروري حتى مع العلم بعدم رجوع إنكاره إلى تكذيب النبي صلى الله عليه وآله وبعد عدم دليل في البين على ثبوت الكفر بمحض الاِنكار أمكن الاِلتزام بعدم الكفر فيمن يحتمل في حقه الشبهة وخفاء الاَمر عليه بحسب ظهور حاله كما فيمن هو قريب عهد بالاِسلام عاش في البوادي ولم يختلط بالمسلمين حيث أن إنكار مثله لا يكون له ظهور في تكذيب النبي صلى الله عليه وآله وبذلك يندفع ما قد يتوهم من اقتضاء البيان المزبور عدم الحكم بالكفر حتى في من نشأ في الاِسلام وعاشر المسلمين مع احتمال الشبهة في حقه خصوصاً مع دعواه عدم اعتقاده بصدور ما أنكره عن النبي صلى الله عليه وآله وأنه من الموضوعات . إذ نقول إنه كذلك لولا ظهور حال مثله في تكذيب النبي صلى الله عليه وآله وعدم خفاء شيء عليه من أساس الدين وضرورياته ، حيث أن العادة قاضية بأن من عاشر المسلمين مدة مديدة من عمره لا يخفى عليه شيء من أساس الدين وضرورياته فضلاً عمن كان مسلماً وكان نشوؤه من صغره بين المسلمين ، فإنكار مثل هذا الشخص يكشف لا محالة بمقتضى ظهور حاله عن تكذيب النبي بحيث لو ادعى جهله بذلك أو اعتقاده بعدم صدور ما أنكره عن النبي لا يسمع منه بل يحكم بكفره .
وهذا بخلاف غيره ممن كان نشوؤه في البوادي أو البلاد التي لا يوجد فيها المسلم فإن ظهور حاله ربما يكون على العكس ، ومن ذلك لا نحكم بكفره بمجرد انكاره لشيء من ضروريات الدين خصوصاً مع دعواه عدم علمه بكون ما أنكره صادراً عن النبي صلى الله عليه وآله .
بل ولعل في جعل مدار الكفر على إنكار الضروري دلالة على ما ذكرنا من طريقية الاِنكار للتكذيب بلحاظ بعد خفاء ما هو أساس الدين وضرورياته على المنتحل
( 251 )
للاِسلام المعاشر مع المسلمين بخلاف غير الضروري حيث لا بعد في خفائه وإلا فلا فرق في استلزام الاِنكار للتكذيب بين الضروري وغيره ، وحينئذ فيمكن الجمع بين إطلاق كلامهم في كفر منكر الضروري وبين ما هو الظاهر من طريقية الاِنكار للتكذيب بحمل الاِطلاقات على المنكر المنتحل للاِسلام المعاشر مع المسلمين برهة من عمره .
وقد يستدل على استتباع مجرد الاِنكار للكفر بما رواه زرارة عن أبي عبدالله عليه السلام من قوله : لو أن العباد إذا جهلوا وقفوا ولم يجحدوا لم يكفروا ، ولكن يدفعه ظهور الرواية في الاِنكار الناشي عن العناد إذ الجحد ليس إلا عبارة عن ذلك ومن المعلوم عدم صلاحية مثله للدلالة على ثبوت الكفر بمحض الاِنكار ، ومجرد كون الاِنكار العنادي موجباً للكفر لا يقتضي تسرية الحكم إلى مطلق الاِنكار ، ومن ذلك نقول أن الاِنكار العنادي موجب للكفر مطلقاً ولو في غير الضروري .
هذا كله في صورة التمكن من تحصيل العلم والاِعتقاد الجزمي ، ولقد عرفت وجوبه عليه فيما يرجع إلى الله جل شأنه وما يرجع إلى أنبيائه ورسله وحججه وأنه مع الاِخلال به يكون معاقباً لا محالة .
نعم يبقى الكلام حينئذ في كفره وترتيب آثاره عليه من النجاسة وغيرها مع الاِخلال بتحصيل المعرفة ، فنقول :
أما مع عدم إظهاره للشهادتين فلا إشكال في كفره وترتيب آثاره عليه من النجاسة وعدم الاِرث والمناكحة . وأما مع إظهار الشهادتين ففيه إشكال ينشأ من كفاية مجرد إظهار الشهادتين مع عدم الاِنكار في الحكم بالاِسلام ، ومن عدم كفايته ولزوم الاِعتقاد في الباطن أيضاً .
ولكنه لا ينبغي التأمل في عدم كفايته فإن حقيقة الاِسلام عبارة عن الاِعتقاد بالواجب تعالى والتصديق بالنبي عليه السلام بكونه رسولاً من عند الله سبحانه وأن الاِكتفاء بإظهار الشهادتين من جهة كونه أمارة على الاِعتقاد في الباطن كما يظهر ذلك أيضاً
( 252 )
من النصوص الكثيرة . ولا ينافي ذلك ما يترائى في صدر الاِسلام من معاملة النبي صلى الله عليه وآله مع المنافقين معاملة الاِسلام بمجرد إظهارهم الشهادتين مع علمه صلى الله عليه وآله بعدم كونهم مؤمنين بالله ولا مصدقين برسوله واقعاً وأن إظهارهم الشهادتين كان لمحض الصورة إما لاَجل خوفهم من القتل وإما لبعض المصالح المنظورة لهم كالوصول إلى مقام الرياسة والآمال الدنيوية لما سمعوا وعلموا من الكهنة بارتقاء الاِسلام وتفوقه على سائر المذاهب والاَديان ، مع أنهم لم يؤمنوا بالله طرفة عين كما نطقت به الاَخبار والآثار المروية عن الاَئمة الاَطهار . إذ نقول إن في معاملة النبي صلى الله عليه وآله والوصي مع هؤلاء المنافقين في الصدر الاَول معاملة الاِسلام بمحض إظهارهم الشهادتين وجوها ومصالح شتى .
منها تكثير جمعية المسلمين وازديادهم في قبال الكفار وعبدة الاَوثان الموجب لازدياد صولة المسلمين في أنظار المشركين .
ومنها حفظ من في أصلابهم من المؤمنين الذين يوجدون بعد ذلك .
ومنها تعليم الاَمة في الاَخذ بما يقتضيه ظاهر القول بالشهادتين في الكشف عن الاِعتقاد في الباطن ، فإنه لو فتح مثل هذا الباب في الصدر الاَول لقتل كل أحد صاحبه لاَجل ما كان بينهم من العداوة في الجاهلية بدعوى أن اعتقاده على خلاف ما يظهره باللسان وأن إظهار الشهادتين كان لاَجل الخوف من القتل أو الطمع في الشركة في أخذ الغنيمة ومثله لا يزيد المسلمين وشوكتهم إلا ضعفاً كما يشهد لذلك الآية الشريفة : ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً ، وقضية أسامة بن زيد في ذلك معروفة .
ومنها غير ذلك من المصالح التي لاحظها النبي صلى الله عليه وآله مع علمه بكونهم حقيقة غير مؤمنين على ما نطق به الكتاب المبين في مواضع عديدة في قوله سبحانه : يحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ، وقوله : وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض . . .. الخ . وغير ذلك من الآيات الكثيرة .

( 253 )
وأين ذلك وزماننا هذا الذي قد كثر فيه المسلمون كثرة عظيمة ، وحينئذ فلا يمكن الاِلتزام بترتيب آثار الاِسلام على مجرد إظهار الشهادتين مع العلم بعدم كون إظهارها إلا صورياً محضاً خصوصاً مع ظهور اعتبار القول في كونه لاَجل الحكاية والطريقية عن الاِعتقاد في الباطن ، بل لابد من ترتيب آثار الكفر عليه في الفرض المزبور .

 شبكة البتول عليها السلام  @ 11-2006  -  www.albatoul.net

إنتاج : الأنوار الخمسة للإستضافة والتصميم @ Anwar5.Net