الفصل الثالث : ظلم الزهراء ( ع ) في الاحتجاجات المذهبية عبر الأجيال
------------------------------- ج2 ص 75 -------------------------------
توطئة وبيان : ثم إن قضية التعدي على الزهراء ( عليها السلام ) بالضرب ، ومهاجمة بيتها ، ومحاولة إحراقه ، ومباشرة ذلك بالفعل ، بل وإسقاط جنينها ، وغير ذلك من أمور ، - إن كل ذلك - قد دخل في مجالات الحجاج والاحتجاج المذهبي ، منذ الصدر الأول ، وإلى يومنا هذا . . ونحن نذكر عينات من احتجاجات المتكلمين وغيرهم من أعيان الطائفة على خصومهم عبر العصور المتلاحقة . ليظهر أن هذه المفردات لم يخترعها قراء العزاء لاستنزاف دموع الناس بالكلمة الصادقة والكاذبة على حد تعبير البعض . ونترك أمر تقصي ذلك إلى من يشاء . فنقول : وعلى الله نتوكل ، ومنه نستمد الحول والقوة والسداد .
1 - القاضي عبد الجبار ( ت 415 ه ) .
قال القاضي عبد الجبار ، وهو من أعاظم المعتزلة ، ردا على الشيعة : " . . . ومن جملة ما ذكروه من الطعن ادعاؤهم : أن فاطمة ( ع )
لغضبها على أبي بكر وعمر أوصت أن لا يصليا عليها ، وأن تدفن سرا منهما ، فدفنت ليلا وادعوا برواية رووها عن جعفر بن محمد وغيره : أن عمر ضرب فاطمة بسوط ، وضرب الزبير بالسيف . وذكروا : أن عمر قصد منزلها ، وعلي ، والزبير ، والمقداد ، وجماعة ممن تخلف عن أبي بكر يجتمعون هناك ، فقال لها : ما أجد بعد أبيك أحب إلي منك . وأيم الله ، لئن اجتمع هؤلاء النفر عندك ليحرقن عليهم ، فمنعت القوم من الاجتماع ، ولم يرجعوا إليها حتى بايعوا لأبي بكر إلى غير ذلك من الروايات البعيدة . الجواب : إنا لا نصدق بذلك . . . " ( 1 ) . وقال : " . . فأما ما ذكروه من حديث عمر في باب الاحراق ، فلو صح لم يكن طعنا على عمر ، لأن له أن يهدد من امتنع عن المبايعة ( 2 ) .
2 - السيد المرتضى علم الهدى ( ت 436 ه ) .
وقال السيد المرتضى علم الهدى ، ردا على كلام القاضي : " قد بينا : أن خبر الإحراق قد رواه غير الشيعة ممن لا يتهم على القوم " . إلى أن قال : " والذي اعتذر به من حديث الإحراق إذا صح طريف ، وأي عذر لمن أراد أن يحرق على أمير المؤمنين ، وفاطمة ( ع ) منزلهما ؟ ! ( 3 ) " .
|
( 1 ) المغني للقاضي عبد الجبار : ج 20 ق 1 ص 335 ، وراجع : الشافي للسيد المرتضى : ج 4 ص 110 ، وشرح نهج البلاغة للمعتزلي : ج 16 ص 271 . ( 2 ) المغني : ج 2 ق 1 ص 337 ، والشافي ج 4 ص 112 و 119 . ( 3 ) الشافي للسيد المرتضى : ج 4 ص 119 و 120 . ( * ) |
| |
وقال : ردا على إنكار عبد الجبار ضرب فاطمة ( ع ) والهجوم على دارها ، والتهديد بالإحراق ، وقوله : لا نصدق ذلك ولا نجوزه : " فإنك لم تسند إنكارك إلى حجة أو شبهة فنتكلم عليها . والدفع لما يروى بغير حجة لا يلتفت إليه " ( 1 ) .
وحين ادعى عبد الجبار : إن أخبار ضرب فاطمة ( ع ) كروايات الحلول ، أجابه السيد المرتضى رحمه الله بقوله : " ألست تعلم : أن هذا المذهب يذهب إليه أصحاب الحلول ، والعقل دال على بطلان قولهم ؟ ! فهل العقل دال على استحالة ما روي من ضرب فاطمة ( ع ) ؟ !
فإن قال : هما سيان . قيل له : فبين استحالة ذلك في العقل ، كما بينت استحالة الحلول ، وقد ثبت مرادك . ومعلوم عجزك عن ذلك " ( 2 ) .
وقال : " . . . وبعد ، فلا فرق بين أن يهدد بالاحراق للعلة التي ذكرها ، وبين ضرب فاطمة لمثل هذه العلة ، فإن إحراق المنازل أعظم من ضربة بالسوط . . . فلا وجه لامتعاض صاحب الكتاب من ضربة سوط ، وتكذيب ناقلها " ( 3 ) .
|
( 1 ) الشافي للسيد المرتضى : ج 4 ص 110 - 113 . ونقول هنا للسيد المرتضى رحمه الله : ما أشبه الليلة بالبارحة ! ! ( 2 ) الشافي : ج 4 ص 117 . ( 3 ) الشافي : ج 4 ص 120 . ( * ) |
| |
3 - الشيخ الطوسي ( ت 460 ه ) .
وقال شيخ الطائفة ، الشيخ محمد بن الحسن الطوسي رحمه الله تعالى . " ومما أنكر عليه : ضربهم لفاطمة ( ع ) ، وقد روي : أنهم ضربوها بالسياط ، والمشهور الذي لا خلاف فيه بين الشيعة : أن عمر ضرب على بطنها حتى أسقطت ، فسمي السقط ( محسنا ) . والرواية بذلك مشهورة عندهم . وما أرادوا من إحراق البيت عليها - حين التجأ إليها قوم ، وامتنعوا من بيعته . وليس لأحد أن ينكر الرواية بذلك ، لأنا قد بينا الرواية الواردة من جهة العامة من طريق البلاذري وغيره ، ورواية الشيعة مستفيضة به ، لا يختلفون في ذلك . وليس لأحد أن يقول : إنه لو صح ذلك لم يكن طعنا ، لأن للإمام أن يهدد من امتنع من بيعته إرادة للخلاف على المسلمين . وذلك : أنه لا يجوز أن يقوم عذر في إحراق الدار على فاطمة ( ع ) وأمير المؤمنين والحسن والحسين ( عليهما السلام ) . وهل في مثل ذلك عذر يسمع ؟ وإنما يكون مخالفا للمسلمين وخارقا لإجماعهم إذا كان الإجماع قد تقرر وثبت ، وإنما يصح ذلك ويثبت متى كان أمير المؤمنين ومن قعد عن بيعته ممن انحاز إلى بيت فاطمة ( ع ) داخلا فيه غير خارج عنه . وأي إجماع يصح مع خلاف أمير المؤمنين ( عليه السلام ) - وحده ، فضلا عن أن يبايعه على ذلك غيره . ؟ ومن قال هذا من الجبائي
وغيره - بانت عداوته ، وعصبيته ، لأن قصة الاحراق جرت قبل مبايعة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) والجماعة الذين كانوا معه في منزله ، وهم إنما يدعون الإجماع - فيما بعد - لما بايع الممتنعون . . . فبان : أن الذي أنكرناه منكر ( 1 ) " .
وقال الشيخ الطوسي أيضا : وقد روى البلاذري ، عن المدائني ، عن مسلمة بن محارب ، عن سليمان التميمي عن أبي عون : أن أبا بكر أرسل إلى علي ( عليه السلام ) يريده على البيعة ، فلم يبايع - ومعه قبس - فتلقه فاطمة ( عليها السلام ) على الباب ، فقالت : يا ابن الخطاب ، أتراك محرقا علي بابي ؟ قال : نعم ( 2 ) وذلك أقوى فيما جاء به أبوك . وجاء علي ( ع ) ، فبايع .
قال الشيخ الطوسي : وهذا الخبر قد روته الشيعة من طرق كثيرة ، وإنما الطريف أن يرويه شيوخ محدثي العامة ، لكنهم كانوا يروون ما سمعوا بالسلامة . وربما تنبهوا على ما في بعض ما يروونه عليهم ، فكفوا منه ، وأي اختيار لمن يحرق عليه بابه حتى يبايع ؟ ( 3 ) .
|
( 1 ) تلخيص الشافي : ج 3 ص 156 و 157 . ( 2 ) تلخيص الشافي : ج 3 ص 76 ، والشافي للسيد المرتضى : ج 3 ص 261 . وراجع : البحار : ج 28 ص 389 و 411 ، وهامش ص 268 ، وأنساب الأشراف : ج 1 ص 586 . وراجع : المصادر التالية ، فإن بعضها أبدل كلمة : بابي ، بكلمة : بيتي : العقد الفريد : ج 4 ص 259 و 260 ، وكنز العمال : ج 3 ص 149 ، والرياض النضرة : ج 1 ص 167 ، والمختصر في أخبار البشر : ج 1 ص 156 ، والطرائف : ص 239 ، وتاريخ الخميس : ج 1 ص 178 ، ونهج الحق : ص 271 ، ونفحات اللاهوت ، ص 79 ، وراجع : العوالم ج 11 ص 602 و 408 ، والشافي لابن حمزة : ج 4 ص 174 . ( 3 ) تلخيص الشافي : ج 3 ص 76 . ( * ) | |
|