بحث للشهيد الثاني في تعريف الاِيمان والكفر ـ رسائل الشهيد الثاني ج 2 ص 50
في تعريف الاِيمان لغة وشرعاً ، فاعلم أن الاِيمان لغةً : التصديق ، كما نص عليه
( 237 )أهلها ، وهو إفعال من الاَمن ، بمعنى سكون النفس واطمئنانها لعدم ما يوجب الخوف لها ، وحينئذ فكان حقيقة آمن به سكنت نفسه واطمأنت بسبب قبول قوله وامتثال أمره ، فتكون الباء للسببية . ويحتمل أن يكون بمعنى آمنه التكذيب والمخالفة ، كما ذكره بعضهم فتكون الباء فيه زائدة ، والاَول أولى كما لا يخفى وأوفق لمعنى التصديق ، وهو يتعدى باللام كقوله تعالى : وما أنت بمؤمن لنا ، فأمن له لوط . وبالباء كقوله تعالى : آمنا بما أنزلت .
وأما التصديق : فقد قيل أنه القبول والاِذعان بالقلب ، كما ذكره أهل الميزان .
ويمكن أن يقال : معناه قبول الخبر أعم من أن يكون بالجنان أو باللسان ، ويدل عليه قوله تعالى : قالت الاَعراب آمنا ، فأخبروا عن أنفسهم بالاِيمان وهم من أهل اللسان ، مع أن الواقع منهم هو الاِعتراف باللسان دون الجنان ، لنفيه عنهم بقوله تعالى : قل لم تؤمنوا . وإثبات الاِعتراف بقوله تعالى : ولكن قولوا أسلمنا ، الدال على كونه إقراراً بالشهادتين ، وقد سموه إيماناً بحسب عرفهم ، والذي نفاه الله عنهم إنما هو الاِيمان في عرف الشرع .
إن قلت : يحتمل أن يكون ما ادعوه من الاِيمان هو الشرعي ، حيث سمعوا الشارع كلفهم بالاِيمان ، فيكون المنفي عنهم هو ما ادعوا ثبوته لهم ، فلم يبق في الآية دلالة على أنهم أرادوا اللغوي .
قلت : الظاهر أنه في ذلك الوقت لم تكن الحقائق الشرعية متقررة عندهم ، لبعدهم عن مدارك الشرعيات ، فلا يكون المخبر عنه إلا ما يسمونه إيماناً عندهم .
وقوله تعالى : آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ، وقوله تعالى : ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين .
وجه الدلالة في هذه الآيات أن الاِيمان في اللغة التصديق ، وقد وقع في الاِخبار عنهم أنهم آمنوا بألسنتهم دون قلوبهم ، فيلزم صحة إطلاق التصديق على الاِقرار باللسان وإن لم يوافقه الجنان . وعلى هذا فيكون المنفي هو الاِيمان الشرعي أعني
( 238 )القلبي ، جمعاً بين صحة النفي والاِثبات في هذه الآيات .
لا يقال : هذا الاِطلاق مجاز ، وإلا لزم الاِشتراك ، والمجاز خير منه .
لاَنا نقول : هو من قبيل المشترك المعنوي لا اللفظي ، ومعناه قبول الخبر أعم من أن يكون باللسان أو بالجنان ، واستعمال اللفظ الكلي في أحد أفراد معناه باعتبار تحقق الكلي في ضمنه حقيقة لا مجازاً ، كما هو المقرر في بحث الاَلفاظ .
فإن قلت : إن المتبادر من معنى الاِيمان هو التصديق القلبي عند الاِطلاق ، وأيضاً يصح سلب الاِيمان عمن أنكر بقلبه وإن أقر بلسانه ، والاَول علامة الحقيقة والثاني علامة المجاز .
قلت : الجواب عن الاَول أن التبادر لا يدل على أكثر من كون المتبادر هو الحقيقي لا المجازي ، لكن لا يدل على كون الحقيقة لغوية أو عرفية ، وحينئذ فلا يتعين أن اللغوي هو التصديق القلبي ، فلعله العرفي الشرعي .
إن قلت : الاَصل عدم النقل ، فيتعين اللغوي .
قلت : لا ريب أن المعنى اللغوي الذي هو مطلق التصديق لم يبق على إطلاقه بل أخرج عنه إما بالتخصيص عند بعض أو النقل عند آخرين . ومما يدل على ذلك أن الاِيمان الشرعي هو التصديق بالله وحده وصفاته وعدله ، وبنبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وبما علم بالضرورة مجيئه به لا ما وقع فيه الخلاف وعلى هذا أكثر المسلمين . وزاد الاِمامية التصديق بإمامة إمام الزمان ، لاَنه من ضروريات مذهبهم ، أيضاً أنه مما جاء به النبي صلى الله عليه وآله وقد عرفت أن الاِيمان في اللغة التصديق مطلقاً ، وهذا أخص منه .
ويؤيد ذلك قوله تعالى يا أيها الذين آمَنُوا آمِنُوا بالله ورسوله ، أخبر عنهم تعالى بالاِيمان ، ثم أمرهم بإنشائه فلابد أن يكون الثاني غير الاَول ، وإلا لكان أمراً بتحصيل الحاصل . وإذا حصلت المغايرة كان الثاني المأمور به هو الشرعي ، حيث لم يكن حاصلاً لهم ، إذ لا محتمل غيره إلا التأكيد ، والتأسيس خير منه . وعن الثاني بالمنع من كون ما صح سلبه هو الاِيمان اللغوي بل الشرعي ، وليس النزاع فيه .
( 239 ) إن قلت : ما ذكرته معارض بما ذكره أهل الميزان في تقسيم العلم إلى التصور والتصديق ، من أن المراد بالتصديق الاِذعان القلبي ، فيكون في اللغة كذلك لاَن الاَصل عدم النقل .
قلت : قد بينا سابقاً أن الخروج عن هذا الاَصل ولو سلم فلا دلالة في ذلك على حصر معنى التصديق مطلقاً في الاِذعان القلبي ، بل التصديق الذي هو قسم من العلم وليس محل النزاع .
على أنا نقول : لو سلمنا صحة الاِطلاق مجازاً ثبت مطلوبنا أيضاً ، لانا لم ندع إلا أن معناه قبول الخبر مطلقاً ، ولا ريب أن الاَلفاظ المستعملة لغة في معنى من المعاني حقيقة أو مجازاً تعد من اللغة ، وهذا ظاهر .
واما الاِيمان الشرعي : فقد اختلفت في بيان حقيقته العبارات بحسب اختلاف الاِعتبارات . وبيان ذلك : إن الاِيمان شرعاً : إما أن يكون من أفعال القلوب فقط ، أو من أفعال الجوارح فقط أو منهما معاً . فإن كان الاَول فهو التصديق بالقلب فقط ، وهو مذهب الاَشاعرة وجمع من متقدمي الاِمامية ومتأخريهم ، ومنهم المحقق الطوسي رحمه الله في فصوله ، لكن اختلفوا في معنى التصديق فقال أصحابنا : هو العلم . وقال الاَشعرية : هو التصديق النفساني ، وعنوا به أنه عبارة عن ربط القلب على ما علم من أخبار المخبر ، فهو أمر كسبي يثبت باختيار المصدق ، ولذا يثاب عليه بخلاف العلم والمعرفة ، فإنها ربما تحصل بلا كسب ، كما في الضروريات .
وقد ذكر حاصل ذلك بعض المحققين ، فقال : التصديق هو أن تنسب باختيارك الصدق للمخبر حتى لو وقع ذلك في القلب من غير اختيار لم يكن تصديقاً وإن كان معرفة ، وسنبين إن شاء الله تعالى [ قصور ] ذلك .
وإن كان الثاني ، فإما أن يكون عبارة عن التلفظ بالشهادتين فقط ، وهو مذهب الكرامية . أوعن جميع أفعال الجوارح من الطاعات بأسرها فرضاً ونفلاً ، وهو مذهب الخوارج وقدماء المعتزلة والغلاة والقاضي عبدالجبار . أو عن جميعها من الواجبات
( 240 )وترك المحظورات دون النوافل ، وهو مذهب أبي علي الجبائي وابنه هاشم وأكثر معتزلة البصرة .
وإن كان الثالث ، فهو إما أن يكون عبارة عن أفعال القلوب مع جميع أفعال الجوارح من الطاعات ، وهو قول المحدثين وجمع من السلف كابن مجاهد وغيره فإنهم قالوا : إن الاِيمان تصديق بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالاَركان .
وإما أن يكون عبارة عن التصديق مع كلمتي الشهادة ، ونسب إلى طائفة منهم أبوحنيفة .
أو يكون عبارة عن التصديق بالقلب مع الاِقرار باللسان ، وهو مذهب المحقق نصير الدين الطوسي رحمه الله في تجريده ، فهذه سبعة مذاهب ذكرت في الشرح الجديد للتجريد وغيره .
واعلم أن مفهوم الاِيمان على المذهب الاَول يكون تخصيصاً للمعنى اللغوي ، وأما على المذاهب الباقية فهومنقول ، والتخصيص خير من النقل .
وهنا بحث وهو أن القائلين بأن الاِيمان عبارة عن فعل الطاعات ، كقدماء المعتزلة والعلاف والخوارج ، لا ريب أنهم يوجبون اعتقاد مسائل الاَصول ، وحينئذ فما الفرق بينهم وبين القائلين بأنه عبارة عن أفعال القلوب والجوارح ؟
ويمكن الجواب ، بأن اعتقاد المعارف شرط عند الاَولين وشطر عند الآخرين .. . .
إعلم أن المحقق الطوسي رحمه الله ذكر في قواعد العقائد أن أصول الاِيمان عند الشيعة ثلاثة : التصديق بوحدانية الله تعالى في ذاته تعالى ، والعدل في أفعاله ، والتصديق بنبوة الاَنبياء عليهم السلام والتصديق بإمامة الاَئمة المعصومين من بعد الاَنبياء عليهم السلام .
وقال أهل السنة : إن الاِيمان هو التصديق بالله تعالى وبكون النبي صلى الله عليه وآله صادقاً ، والتصديق بالاَحكام التي يعلم يقيناً أنه صلى الله عليه وآله حكم بها دون ما فيه اختلاف واشتباه .
والكفر يقابل الاِيمان ، والذنب يقابل العمل الصالح ، وينقسم إلى كبائر وصغائر .
( 241 ) ويستحق المؤمن بالاِجماع الخلود في الجنة ، ويستحق الكافر الخلود في العقاب. انتهى .
وذكر في الشرح الجديد للتجريد أن الاِيمان في الشرع عند الاَشاعرة هو التصديق للرسول فيما علم مجيئه به ضرورة ، فتفصيلاً فيما علم تفصيلاً ، وإجمالاً فيما علم إجمالاً ، فهو في الشرع تصديق خاص . انتهى .
فهؤلاء اتفقوا على أن حقيقة الاِيمان هي التصديق فقط ، وإن اختلفوا في المقدار المصدق به . والكلام هاهنا في مقامين :
الاَول : في أن التصديق الذي هو الاِيمان المراد به اليقين الجازم الثابت ، كما يظهر من كلام من حكينا عنه .
الثاني : في أن الاَعمال ليست جزء من حقيقة الاِيمان الحقيقي ، بل هي جزء من الاِيمان الكمالي . أما الدليل على الاَول فآيات بينات :
منها قوله تعالى : إن الظن لا يغني من الحق شيئاً . والاِيمان حق للنص والاِجماع، فلا يكفي في حصوله وتحققه الظن .
ومنها : إن يتبعون إلا الظن ، إن هم إلا يظنون ، إن بعض الظن إثم ، فهذه قد اشتركت في التوبيخ على اتباع الظن ، والاِيمان لا يوبخ من حصل له بالاِجماع ، فلا يكون ظناً .
ومنها قوله : إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا ، فنفى عنهم الريب ، فيكون الثابت هو اليقين .
إن قلت : هذه الآية الكريمة لا تدل على المدعى بل على خلافه ، وهو عدم اعتبار اليقين في الاِيمان ، وذلك أنها إنما دلت على حصر الاِيمان فيما عدا الشك ، فيصدق الاِيمان على الظن .
قلت : الظن في معرض الريب ، لاَن النقيض مجوز فيه ويقوى بأدنى تشكيك ،
( 242 )فصاحبه لا يخلو من ريب حيث أنه دائماً يجوز النقيض ، على أن الريب قد يطلق على ما هو أعم من الشك ، يقال : لا أرتاب في كذا . ويريد أنه منه على يقين ، وهذا شائع ذائع .
ومن السنة المطهرة قوله عليه السلام : يا مقلب القلوب والاَبصار ثبت قلبي على دينك ، فلو لم يكن ثبات القلب شرطاً في الاِيمان لما طلبه عليه السلام والثبات هو الجزم والمطابقة ، والظن لا ثبات فيه ، إذ يجوز ارتفاعه .
وفيه ، منع كون الثبات شرطاً في تحقيق الاِيمان ، ويجوز أن يكون عليه السلام طلبه لكونه الفرد الاَكمل ، وهو لا نزاع فيه .
ومن جملة الدلائل على ذلك أيضاً الاِجماع ، حيث ادعى بعضهم أنه يجب معرفة الله تعالى التي لا يتحقق الاِيمان بها إلا بالدليل إجماعاً من العلماء كافة ، والدليل ما أفاد العلم ، والظن لا يفيده .
وفي صحة دعوى الاِجماع بحث ، لوقوع الخلاف في جواز التقليد في المعارف الاَصولية ، كما سنذكره إن شاء الله تعالى .
واعلم أن جميع ما ذكرناه من الاَدلة لا يفيد شيء منه العلم بأن الجزم والثبات معتبر في التصديق الذي هو الاِيمان إنما يفيد الظن باعتبارهما ، لاَن الآيات قابلة للتأويل وغيرها كذلك ، مع كونها من الآحاد .
ومن الآيات أيضاً قوله تعالى : فاعلم أنه لا إلَه إلا الله . واعترض على هذا الدليل بأنه أخص من المدعى ، فإنه إنما يدل على اعتبار اليقين في بعض المعارف ، وهو التوحيد دون غيره ، والمدعى اعتبار اليقين في كل ما التصديق به شرط في تحقق الاِيمان ، كالعدل والنبوة والمعاد وغيرها .
وأجيب بأنه لا قائل بالفرق ، فإن كل من اعتبر اليقين اعتبره في الجميع ، ومن لم يعتبره لم يعتبره في شيء منها . واعلم أن ما ذكرناه على ما تقدم وارد هاهنا أيضاً .
( 243 ) واعترض أيضاً بأن الآية الكريمة خطاب للرسول صلى الله عليه وآله فهي إنما تدل على وجوب العلم عليه وحده دون غيره .
وأجيب بأن ذلك ليس من خصوصياته صلى الله عليه وآله بالاِجماع ، وقد دل دليل وجوب التأسي به على وجوب اتباعه ، فيجب على باقي المكلفين تحصيل العلم بالعقائد الاَصولية .
وأيضاً أورد أنه إنما يفيد الوجوب لو ثبت أن الاَمر للوجوب ، وفيه منع لاحتماله غيره ، وكذا يتوقف على كون المراد من العلم هاهنا القطعي ، وهو غير معلوم ، إذ يحتمل أن يراد به الظن الغالب ، وهو يحصل بالتقليد . وبالجملة فهو دليل ظني .
وأما المقالة الثانية وهو أن الاَعمال ليست جزء من الاِيمان ولا نفسه فالدليل عليه من الكتاب العزيز ، والسنة المطهرة ، والاِجماع .
أما الكتاب ، فمنه قوله تعالى : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، فإن العطف يقتضي المغايرة ، وعدم دخول المعطوف في المعطوف عليه ، فلو كان عمل الصالحات جزء من الاِيمان أو نفسه لزم خلو العطف عن الفائدة لكونه تكراراً .
وَرُدَّ ذلك بأن الصالحات جمع معرف يشمل الفرض والنفل ، والقائل بكون الطاعات جزء من الاِيمان يريد بها فعل الواجبات واجتناب المحرمات ، وحينئذ فيصح العطف لحصول المغايرة المفيدة لعموم المعطوف ، فلم يدخل كله في المعطوف عليه ، نعم ذلك يصلح دليلاً على إبطال مذهب القائلين بكون المندوب داخلاً في حقيقة الاِيمان كالخوارج .
ومنه قوله تعالى : ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن ، أي حالة إيمانه ، فإن عمل الصالحات في حالة الاِيمان يقتضي المغايرة لما أضيف إلى تلك الحالة وقارنه فيها ، وإلا لصار المعنى : ومن يعمل بعض الاِيمان حال حصول ذلك البعض ، أو ومن يعمل من الاِيمان حال حصوله ، وحينئذ فيلزم تقدم الشيء على نفسه وتحصيل الحاصل .
( 244 ) إن قلت : الآية الكريمة إنما تدل على المغايرة في الجملة ، لكن لا يلزم من ذلك أن لا تكون الاَعمال جزءاً ، فإن المعنى والله أعلم : ومن يعمل من الصالحات حال إيمانه ، أي تصديقه بالمعارف الاِلَهية ، وحينئذ فيجوز أن يكون الاِيمان الشرعي بمجموع الجزئين ، أي عمل الصالحات والتصديق المذكور ، فالمغايرة إنما هي بين جزئي الاِيمان ولا محذور فيه ، بل لابد منه وإلا لما تحقق الكل ، بل لابد لنفي ذلك من دليل .
قلت : من المعلوم أن الاِيمان قد غير عن معناه لغة ، فأما التصديق بالمعارف فقط فيكون تخصيصاً ، أو مع الاَعمال فيكون نقلاً ، لكن الاَول أولى ، لاَن التخصيص خير من النقل .
ووجه الاِستدلال بالآية أيضاً بأن ظاهرها كون الاِيمان الشرعي شرطاً لصحة الاَعمال ، حيث جعل سعيه مقبولاً إذا وقع حال الاِيمان ، فلابد أن يكون الاِيمان غير الاَعمال ، وإلا لزم إشتراط الشيَ بنفسه .
ويرد على هذا ما ورد على الاَول بعينه ، نعم اللازم هنا أن يكون أحد جزئي المركب شرطاً لصحة الآخر ولا محذور فيه .
والجواب عن هذا هو الجواب عن ذلك فتأمل .
ومنه قوله تعالى : وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ، فإنه أثبت الاِيمان لمن ارتكب بعض المعاصي ، فلو كان ترك المنهيات جزء من الاِيمان لزم تحقق الاِيمان وعدم تحققه في موضع واحد في حالة واحدة وهو محال .
ولهم أن يجيبوا عن ذلك بمنع تحقق الاِيمان حالة ارتكاب المنهي ، وكون تسميتهم بالمؤمنين باعتبار ما كانوا عليه وخصوصاً على مذهب المعتزلة ، فإنهم لا يشترطون في صدق المشتق على حقيقة بقاء المعنى المشتق منه .
ويمكن دفعه بأن الشارع قد منع من جواز إطلاق المؤمن على من تحقق كفره وعكسه ، والكلام في خطاب الشارع ، فلا نسلم لهم الجواب .
( 245 ) ومنه قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ، فإن أمرهم بالتقوى التي لا تحصل إلا بفعل الطاعات والاِنزجار عن المنهيات مع وصفهم بالاِيمان ، يدل على عدم حصول التقوى لهم ، وإلا لما أمروا بها مع حصول الاِيمان لو صفهم به ، فلا تكون الاَعمال نفس الاِيمان ولا جزء منه ، وإلا لكان أمراً بتحصيل الحاصل .
ويرد عليه ، جواز أن يراد من الاِيمان الذي وصفوا به اللغوي ، ويكون المأمور به هو الشرعي وهو الطاعات ، أو جزؤه عند من يقول بالجزئية . ويجاب عنه بنحو ما أجيب عما أورد على الدليل الثاني ، فليتأمل .
ومنه أيضاً الآيات الدالة على كون القلب محلاً للاِيمان من دون ضميمة شيء آخر كقوله تعالى : أولئك كتب في قلوبهم الاِيمان ، أي جمعه وأثبته فيها والله أعلم . ولو كان الاِقرار غيره من الاَعمال نفس الاِيمان أو جزءه ، لما كان القلب محل جمعه ، بل هو مع اللسان وحده ، أو مع بقية الجوارح على اختلاف الآراء .
وقوله تعالى : ولما يدخل الاِيمان في قلوبكم ، ولو كان غير القلب من أعمال الجوارح نفس الاِيمان أو جزءه ، لما جعل كله محل القلب ، كما هو ظاهر الآية الكريمة .
وقوله تعالى : وقلبه مطمئن بالاِيمان ، فإن اطمئنانه بالاِيمان يقتضي تعلقه كله به ، وإلا لكان مطمئناً ببعضه لا كله .
أقول : يرد على الاَخير أنه لا يلزم من اطمئنانه بالاِيمان كونه محلاً له ، إذ من الجائز كونه عبارة عن الطاعات وحدها ، أو مع شيء آخر واطمئنان القلب لاطلاعه على حصول ذلك ، فإن القلب يطلع على الاَعمال .
ويرد على الاَولين أن الاِيمان المكتوب والداخل في القلب إنما هو العقائد الاَصوليه ، ولا يدل على حصر الاِيمان في ذلك ، ونحن لا نمنع ذلك بل نقول باعتبار ذلك في الاِيمان إما على طريق الشرطية لصحته ، أو الجزئية له ، إذ من يزعم أنه
( 246 )الطاعات فقط لابد من حصول ذلك التصديق عنده أيضاً لتصح تلك الاَعمال ، غاية الاَمر أنه شرط للاِيمان أو جزؤه لا نفسه ، كما تقدمت الاِشارة إليه .
نعم هما يدلان على بطلان مذهب الكرامية ، حيث يكتفون في تحققه بلفظ الشهادتين من غير شيء آخر أصلاً لا شرطاً ولا جزءاً .
قيل : وكذا آيات الطبع والختم تشعر بأن محل الاِيمان القلب ، كقوله تعالى : اولئك الذين طبع الله على قلوبهم فهم لا يؤمنون ، وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله . وفيه ما تقدم .
وأما السنة المطهرة ، فكقوله عليه السلام : يا مقلب القلوب والاَبصار ثبت قلبي على دينك ، وجه الدلالة فيه أن المراد من الدين هنا الاِيمان ، لاَن طلب تثبيت القلب عليه يدل على أنه متعلق بالاِعتقاد ، وليس هناك شيء آخر غير الاِيمان من الاِعتقاد يصلح لثبات القلب عليه بحيث يسمى ديناً ، فتعين أن يكون هو الاِيمان ، وحيث لم يطلب غيره في حصول الاِيمان علم أن الاِيمان يتعلق بالقلب لا بغيره .
وكذا ما روي أن جبرئيل عليه السلام أتى النبي صلى الله عليه وآله فسأله عن الاِيمان ؟ فقال : أن تؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر . ومعنى ذلك : أن تصدق بالله ورسله واليوم الآخر ، فلو كان فعل الجوارح أو غيره من الاِيمان لذكره له ، حيث سأله الرسول صلى الله عليه وآله عما هو الاِيمان المطلوب للشارع .
وإن قيل : ظاهر الحديث فيه مناقشة ، وذلك أن الرسول عليه السلام سأله عن حقيقة الاِيمان ، فكان من حق الجواب في شرح معناه أن يقال : أن تصدق بالله لا أن تؤمن لاَن أن مع الفعل في تأويل المصدر ، فيصير حاصله الاِيمان هو الاِيمان بالله ، فيلزم منه تعريف الشيء بنفسه في الجملة ، وذلك لا يليق بنفس الاَمر .
والجواب أن المراد من قوله : أن تؤمن بالله ، أن تصدق ، وقد كان التصديق معلوماً له عليه السلام لغة ، فلم يكن تعريف الشيء بنفسه ، فهذا إنما يكون بالقياس إلى غيرهما عليهما السلام وإلا فالسائل والمسؤول غنيان عن معرفة المعاني من الاَلفاظ .
( 247 ) وأما الاِجماع ، فهو أن الاَمة أجمعت على أن الاِيمان شرط لسائر العبادات ، والشيء لا يكون شرطاً لنفسه ، فلا يكون الاِيمان هو العبادات .
أقول : على تقدير تسليم دعوى الاِجماع ، فللخصوم أن يقولوا : نحن نقول بكون التصديق بمسائل الاَصول شرطاً لصحة العبادات التي هي الاِيمان ، ولا يلزمنا بذلك أن يكون تلك المسائل هي الاِيمان ، فإن سميتموها إيماناً بالمعنى اللغوي فلا مشاحة في ذلك ، وإن قلتم بل هي الاِيمان الشرعي ، فهو محل النزاع ودليلكم لا يدل عليه .
وأجمعت أيضاً على أن فساد العبادات لا يوجب فساد الاِيمان ، وذلك يقتضي كون الاِيمان غير أعمال الجوارح .
أقول : إن صح نقل الاِجماع ، فلا ريب في دلالته على المدعى ، وسلامته عن المطاعن المتقدمة .
|