أقل ما يجب ، وأقصى ما يمكن ، من المعرفة ـ الكافي ج 1 ص 91 محمد بن أبي عبدالله رفعه ، عن عبدالعزيز بن المهتدي قال : سألت الرضا عليه السلام عن التوحيد فقال : كل من قرأ قل هو الله احد وآمن بها فقد عرف التوحيد ، قلت : كيف يقرؤها ؟ قال : كما يقرؤها الناس وزاد فيه كذلك الله ربي ، كذلك الله ربي .
ـ الكافي ج 1 ص 91
أحمد بن ادريس ، عن محمد بن عبدالجبار ، عن صفوان بن يحيى ، عن أبي أيوب ، عن محمد بن مسلم ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : إن اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وآله
( 199 )فقالوا : أنسب لنا ربك ، فلبث ثلاثاً لا يجيبهم ثم نزل : قل هو الله أحد ، إلى آخرها .
ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، ومحمد بن الحسين ، عن ابن محبوب ، عن حماد بن عمرو النصيبي ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : سألت أبا عبدالله عن قل هو الله أحد فقال : نسبة الله إلى خلقه أحداً صمداً أزلياً صمدياً لا ظل له يمسكه وهو يمسك الاَشياء بأظلتها ، عارف بالمجهول ، معروف عند كل جاهل ، فردانياً ، لا خلقه فيه ولا هو خلقه ، غير محسوس ولا محسوس ، لا تدركه الاَبصار ، علا فقرب ودنا فبعد ، وعصي فغفر وأطيع فشكر ، لا تحويه أرضه ولا تقله سماواته ، حامل الاَشياء بقدرته ديمومي أزلي لا ينسى ولا يلهو ولا يغلط ولا يلعب ، ولا لاِرادته فصل وفصله جزاء وأمره واقع ، لم يلد فيورث ولم يولد فيشارك ، ولم يكن له كفواً أحد .
ـ دعائم الاِسلام ج 1 ص 13
وعنه صلوات الله عليه أنه قيل له : يا أمير المؤمنين ما أدنى ما يكون به العبد مؤمناً ، وما أدنى ما يكون به كافراً ، وما أدنى ما يكون به ضالاً ؟
قال : أدنى ما يكون به مؤمناً أن يعرفه الله نفسه فيقر له بالطاعة ، وأن يعرفه الله نبيه صلى الله عليه وآله فيقر له بالطاعة ، وأن يعرفه الله حجته في أرضه وشاهده على خلقه فيعتقد إمامته فيقر له بالطاعة .
قيل : وإن جهل غير ذلك ؟ قال : نعم ولكن إذا أمر أطاع وإذا نهي انتهى .
وأدنى ما يصير به مشركاً أن يتدين بشيء مما نهى الله عنه فيزعم أن الله أمر به ، ثم ينصبه ديناً ويزعم أنه يعبد الذي أمر به وهو غير الله عزوجل . وأدنى ما يكون به ضالاً أن لا يعرف حجة الله في أرضه وشاهده على خلقه فيأتم به .
ـ الرسائل للشيخ الاَنصاري ج 1 ص 275
وقد ذكر العلامة في الباب الحادي عشر فيما يجب معرفته على كل مكلف ، من تفاصيل التوحيد والنبوة والاِمامة والمعاد ، أموراً لا دليل على وجوبها كذلك ، مدعياً
( 200 )أن الجاهل بها عن نظر واستدلال خارج عن ربقة الاِيمان مستحق للعذاب الدائم . وهو في غاية الاِشكال .
نعم يمكن أن يقال : إن مقتضى عموم وجوب المعرفة ، مثل قوله تعالى : وما خلقت الجن والاِنس إلا ليعبدون ، أي ليعرفون . وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : وما أعلم بعد المعرفة أفضل من هذه الصلوات الخمس ، بناء على أن الاَفضلية من الواجب ، خصوصاً مثل الصلاة ، تستلزم الوجوب .
وكذا عمومات وجوب التفقه في الدين الشامل للمعارف بقرينة استشهاد الاِمام عليه السلام بها ، لوجوب النفر لمعرفة الاِمام بعد موت الاِمام السابق عليه السلام وعمومات طلب العلم هو وجوب معرفة الله جل ذكره ومعرفة النبي صلى الله عليه وآله والاِمام عليه السلام ومعرفة ما جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم على كل قادر يتمكن من تحصيل العلم ، فيجب الفحص حتى يحصل اليأس ، فإن حصل العلم بشيء من هذه التفاصيل اعتقد وتدين به ، وإلا توقف ولم يتدين بالظن لو حصل له .
ومن هنا قد يقال : إن الاِشتغال بالعلم المتكفل لمعرفة الله ومعرفة أوليائه صلوات الله عليهم أهم من الاِشتغال بعلم المسائل العلمية بل هو المتعين ، لاَن العمل يصح عن تقليد ، فلا يكون الاِشتغال بعلمه إلا كفائياً بخلاف المعرفة .
هذا ، ولكن الاِنصاف ممن جانب الاِعتساف يقتضي الاِذعان بعدم التمكن من ذلك إلا للاَوحدي من الناس ، لاَن المعرفة المذكورة لا تحصل إلا بعد تحصيل قوة استنباط المطالب من الاَخبار وقوة نظرية أخرى لئلا يأخذ بالاَخبار المخالفة للبراهين العقلية ، ومثل هذا الشخص مجتهد في الفروع قطعاً ، فيحرم عليه التقليد . ودعوى جوازه له للضرورة ليس بأولى من دعوى جواز ترك الاِشتغال بالمعرفة التي لا تحصل غالباً بالاَعمال المبتنية على التقليد .
هذا إذا لم يتعين عليه الاِفتاء والمرافعة لاَجل قلة المجتهدين . وأما في مثل زماننا فالاَمر واضح .
( 201 ) فلا تغتر حينئذ بمن قصر استعداده أو همته عن تحصيل مقدمات استنباط المطالب الاِعتقادية الاَصولية والعلمية عن الاَدلة العقلية والنقلية ، فيتركها مبغضاً لها لاَن الناس أعداء ما جهلوا ، ويشتغل بمعرفة صفات الرب جل ذكره وأوصاف حججه صلوات الله عليهم بنظر في الاَخبار لا يعرف به من ألفاظها الفاعل من المفعول ، فضلاً عن معرفة الخاص من العام . وبنظر في المطالب العقلية لا يعرف به البديهيات منها ، ويشتغل في خلال ذلك بالتشنيع على حملة الشريعة العملية واستهزائهم بقصور الفهم وسوء النية ، فيسأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون . هذا كله حال وجوب المعرفة مستقلاً .
وأما اعتبار ذلك في الاِسلام أو الاِيمان فلا دليل عليه ، بل يدل على خلافه الاَخبار الكثيرة المفسرة لمعنى الاِسلام والاِيمان .
ففي رواية محمد بن سالم عن أبي جعفر عليه السلام المروية في الكافي : إن الله عز وجل بعث محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وهو بمكة عشر سنين ، ولم يمت بمكة في تلك العشر سنين أحد يشهد أن لا إلَه إلا الله وأن محمداً رسول الله ، إلا أدخله الله الجنة بإقراره وهو إيمان التصديق .
فإن الظاهر أن حقيقة الاِيمان التي يخرج الاِنسان بها عن حد الكفر الموجب للخلود في النار لم تتغير بعد انتشار الشريعة . نعم ظهر في الشريعة أمور صارت ضرورية الثبوت من النبي صلى الله عليه وسلم ، فيعتبر في الاِسلام عدم إنكارها .
لكن هذا لا يوجب التغيير ، فإن المقصود أنه لم يعتبر في الاِيمان أزيد من التوحيد والتصديق بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وبكونه رسولاً صادقاً فيما يبلغ . وليس المراد معرفة تفاصيل ذلك ، وإلا لم يكن من آمن بمكة من أهل الجنة أو كان حقيقة الاِيمان بعد انتشار الشريعة غيرها في صدر الاِسلام .
وفي رواية سليم بن قيس عن أمير المؤمنين عليه السلام : إن أدنى ما يكون به العبد مؤمناً
( 202 )أن يعرفه الله تبارك وتعالى إياه فيقر له بالطاعة ، ويعرفه نبيه فيقر له بالطاعة ، ويعرفه إمامه وحجته في أرضه وشاهده على خلقه فيقر له بالطاعة .
فقلت له : يا أمير المؤمنين ! وإن جهل جميع الاَشياء إلا ما وصفت قال : نعم . وهي صريحة في المدعى .
وفي رواية أبي بصير عن أبي عبدالله عليه السلام قال : جعلت فداك ، أخبرني عن الدين الذي افترضه الله تعالى على العباد ما لا يسعهم جهله ولا يقبل منهم غيره ، ما هو ؟ فقال : أعده علي ، فأعاد عليه ، فقال : شهادة أن لا إلَه إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً ، وصوم شهر رمضان ، ثم سكت قليلاً ، ثم قال : والولاية والولاية ، مرتين ثم قال : هذا الذي فرض الله عز وجل على العباد ، لا يسأل الرب العباد يوم القيامة ، فيقول : ألا زدتني على ما افترضت عليك ، ولكن من زاد زاده الله . إن رسول الله صلى الله عليه وآله سن سنة حسنة ينبغي للناس الاَخذ بها .
ونحوها رواية عيسى بن السري ، قلت لاَبي عبد الله عليه السلام : حدثني عما بنيت عليه دعائم الاِسلام التي إذا أخذت بها زكى عملي . . . .
وفي رواية أبي اليسع قال قلت لاَبي عبد الله عليه السلام أخبرني عن دعائم الاِسلام التي لا يسع أحداً التقصير عن معرفة شيء منها . . . . ( وقد أوردنا الروايتين في بحث معرفة الاِمام )
وفي رواية إسماعيل : قال : سألت أبا جعفر عليه السلام عن الدين الذي لا يسع العباد جهله فقال : الدين واسع ، وإن الخوارج ضيقوا على أنفسهم بجهلهم .
فقلت : جعلت فداك أما أحدثك بديني الذي أنا عليه . فقال : بلى . قلت : أشهد أن لا إلَه إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله ، والاِقرار بما جاء به من عند الله ، وأتولاكم وأبرأ من عدوكم ومن ركب رقابكم وتأمر عليكم وظلمكم حقكم . فقال : ما جهلت شيئاً . فقال : هو والله الذي نحن عليه . فقلت : فهل يسلم أحد لا يعرف هذا الاَمر .
( 203 )قال : لا إلا المستضعفين . قلت : من هم قال : نساؤكم وأولادكم . قال : أرأيت أم أيمن! فإني أشهد أنها من أهل الجنة ، وما كانت تعرف ما أنتم عليه .
فإن في قوله ( ما جهلت شيئاً ) دلالة واضحة على عدم اعتبار الزائد في أصل الدين . والمستفاد من الاَخبار المصرحة بعدم اعتبار معرفة أزيد مما ذكر فيها في الدين ، وهو الظاهر أيضاً من جماعة من علمائنا الاَخيار كالشهيدين في الاَلفية وشرحها ، والمحقق الثاني في الجعفرية ، وشارحها وغيرهم ، وهو أنه يكفي في معرفة الرب التصديق بكونه موجوداً وواجب الوجود لذاته والتصديق بصفاته الثبوتية الراجعة إلى صفتي العلم والقدرة ونفي الصفات الراجعة إلى الحاجة والحدوث ، وأنه لا يصدر منه القبيح فعلاً أو تركاً .
والمراد بمعرفة هذه الاَمور ركوزها في اعتقاد المكلف ، بحيث إذا سألته عن شيء مما ذكر أجاب بما هو الحق فيه ، وإن لم يعرف التعبير عنه بالعبارات المتعارفة على ألسنة الخواص .
ويكفي في معرفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم معرفة شخصه بالنسب المعروف المختص به ، والتصديق بنبوته وصدقه ، فلا يعتبر في ذلك الاِعتقاد بعصمته ، أعني كونه معصوماً بالملكة من أول عمره إلى آخره . قال في المقاصد العلية : ويمكن اعتبار ذلك ، لاَن الغرض المقصود من الرسالة لا يتم إلا به ، فينتفي بالفائدة التي باعتبارها وجب إرسال الرسل . وهو ظاهر بعض كتب العقائد المصدرة بأن من جهل ما ذكروه فيها فليس مؤمناً مع ذكرهم ذلك ، والاَول غير بعيد عن الصواب . انتهى .
أقول : والظاهر أن مراده ببعض كتب العقائد هو الباب الحادي عشر للعلامة قدس سره حيث ذكر تلك العبارة ، بل ظاهره دعوى إجماع العلماء عليه .
نعم يمكن أن يقال : إن معرفة ما عدا النبوة واجبة بالاِستقلال على من هو متمكن منه بحسب الاِستعداد وعدم الموانع ، لما ذكرنا من عمومات وجوب التفقه وكون المعرفة أفضل من الصلوات الواجبة ، وأن الجهل بمراتب سفراء الله جل ذكره مع
( 204 )تيسر العلم بها تقصير في حقهم وتفريط في حبهم ونقص يجب بحكم العقل رفعه ، بل من أعظم النقائص .
وقد أومأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى ذلك حيث قال مشيراً إلى بعض العلوم الخارجة من العلوم الشرعية : إن ذلك علم لا يضر جهله . ثم قال : إنما العلوم ثلاثة ، آية محكمة وفريضة عادلة وسنة قائمة ، وما سواهن فهو فضل .
وقد أشار إلى ذلك رئيس المحدثين في ديباجة الكافي ، حيث قسم الناس إلى أهل الصحة والسلامة وأهل المرض والزمانة ، وذكر وضع التكليف عن الفرقة الاَخيرة .
ويكفي في معرفة الاَئمة صلوات الله عليهم ، معرفتهم بنسبهم المعروف والتصديق بأنهم أئمة يهدون بالحق ويجب الاِنقياد إليهم والاَخذ منهم . وفي وجوب الزائد على ما ذكر من عصمتهم الوجهان . وقد ورد في بعض الاَخبار تفسير معرفة حق الاِمام بمعرفة كونه إماماً مفترض الطاعة .
ويكفي في التصديق بما جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم التصديق بما علم مجيؤه به متواتراً من أحوال المبدأ والمعاد ، كالتكليف بالعبادات والسؤال في القبر وعذابه والمعاد الجسماني والحساب والصراط والميزان والجنة والنار إجمالاً ، مع تأمل في اعتبار معرفة ما عدا المعاد الجسماني من تلك الاَمور في الاِيمان المقابل للكفر الموجب للخلود في النار ، للاَخبار المتقدمة المستفيضة والسيرة المستمرة ، فإنا نعلم بالوجدان جهل كثير من الناس بها من أول البعثة إلى يومنا هذا . ويمكن أن يقال : إن المعتبر هو عدم إنكار هذه الاَمور وغيرها من الضروريات ، لا وجوب الاِعتقاد بها ، على ما يظهر من بعض الاَخبار ، من أن الشاك إذا لم يكن جاحداً فليس بكافر . ففي رواية زرارة عن أبي عبدالله عليه السلام : لو أن العباد إذا جهلوا وقفوا ولم يجحدوا لم يكفروا . ونحوها غيرها . ويؤيدها ما عن كتاب الغيبة للشيخ قدس سره بإسناده عن الصادق عليه السلام : إن
( 205 )جماعة يقال لهم الحقية ، وهم الذين يقسمون بحق علي ولا يعرفون حقه وفضله ، وهم يدخلون الجنة .
وبالجملة ، فالقول بأنه يكفي في الاِيمان الاِعتقاد بوجود الواجب الجامع للكمالات المنزه عن النقائص وبنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبإمامة الاَئمة عليهم السلام والبراءة من أعدائهم ، والاِعتقاد بالمعاد الجسماني الذي لا ينفك غالباً عن الاِعتقادات السابقة غير بعيد ، بالنظر إلى الاَخبار والسيرة المستمرة .
وأما التدين بسائر الضروريات ففي اشتراطه ، أو كفاية عدم إنكارها ، أو عدم اشتراطه أيضاً ، فلا يضر إنكارها إلا مع العلم بكونها من الدين وجوه ، أقواها الاَخير ثم الاَوسط . وما استقربناه في ما يعتبر في الاِيمان وجدته بعد ذلك في كلام محكي عن المحقق الورع الاَردبيلي في شرح الاِرشاد .
ـ كفاية الاَصول ص 329
نعم يجب تحصيل العلم في بعض الاِعتقادات لو أمكن ، من باب وجوب المعرفة لنفسها كمعرفة الواجب تعالى وصفاته ، أداء لشكر بعض نعمائه ، ومعرفة أنبيائه فإنهم وسائط نعمه وآلائه ، بل وكذا معرفة الاِمام عليه السلام على وجه صحيح ، فالعقل يستقل بوجوب معرفة النبي ووصيه لذلك ، ولاحتمال الضرر في تركه .
ولا يجب عقلاً معرفة غير ما ذكر ، إلا ما وجب شرعاً معرفته كمعرفة الاِمام عليه السلام على وجه آخر غير صحيح ، أو أمر آخر مما دل الشرع على وجوب معرفته ، وما لا دلالة على وجوب معرفته بالخصوص ، لا من العقل ولا من النقل ، كان أصالة البراءة من وجوب معرفته محكمة . ولا دلالة لمثل قوله تعالى : وما خلقت الجن والاِنس .. الآية ، ولا لقوله صلى الله عليه وآله : وما أعلم شيئاً بعد المعرفة أفضل من هذه الصلوات الخمس . ولا لما دل على وجوب التفقه وطلب العلم من الآيات والروايات على وجوب معرفته بالعموم ، ضرورة أن المراد من ( ليعبدون ) هو خصوص عبادة الله ومعرفته ، والنبوي إنما هو بصدد بيان فضيلة الصلوات لا بيان حكم المعرفة ، فلا إطلاق فيه
( 206 )أصلاً . ومثل آية النفر ، إنما هو بصدد بيان الطريق المتوسل به إلى التفقه الواجب ، لا بيان ما يجب فقهه ومعرفته ، كما لا يخفى . وكذا ما دل على وجوب طلب العلم إنما هو بصدد الحث على طلبه لا بصدد بيان ما يجب العلم به .
ثم إنه لا يجوز الاِكتفاء بالظن فيما يجب معرفته عقلاً أو شرعاً حيث أنه ليس بمعرفة قطعاً ، فلا بد من تحصيل العلم لو أمكن ، ومع العجز عنه كان معذوراً إن كان عن قصور لغفلة أو لغموضة المطلب مع قلة الاِستعداد ، كما هو المشاهد في كثير من النساء بل الرجال ، بخلاف ما إذا كان عن تقصير في الاِجتهاد ، ولو لاَجل حب طريقة الآباء والاَجداد واتباع سيرة السلف ، فإنه كالجبلي للخلف ، وقلما عنه تخلف . ولا يصغى إلى ما ربما قيل: بعدم وجود القاصر فيها ، لكنه إنما يكون معذوراً غير معاقب على عدم معرفة الحق ، إذا لم يكن يعانده بل كان ينقاد له على إجماله لو احتمله .
ـ حاشية السيد البروجردي على كفاية الاَصول ج 2 ص 193
فصل . إنما الثابت بمقدمات دليل الاِنسداد في الاَحكام هو حجية الظن فيها ، لا حجيته في تطبيق المأتي به في الخارج معها ، فيتبع مثلاً في وجوب صلاة الجمعة يومها ، لا في إتيانها ، بل لا بد من علم أو علمي بإتيانها ، كما لا يخفى . نعم ربما يجري نظير مقدمة الاِنسداد في الاَحكام في بعض الموضوعات الخارجية ، من انسداد باب العلم به غالباً ، واهتمام الشارع به بحيث علم بعدم الرضا بمخالفة الواقع بإجراء الاَصول فيه مهما أمكن ، وعدم وجوب الاِحتياط شرعاً أو عدم إمكانه عقلاً ، كما في موارد الضرر المردد أمره بين الوجوب والحرمة مثلاً ، فلا محيص عن اتباع الظن حينئذ أيضاً ، فافهم .
خاتمة : يذكر فيها أمران استطراداً :
الاَول : هل الظن كما يتبع عند الاِنسداد عقلاً في الفروع العملية ، المطلوب فيها أولاً العمل بالجوارح ، يتبع في الاَصول الاِعتقادية المطلوب فيها عمل الجوانح من الاِعتقاد به وعقد القلب عليه وتحمله والاِنقياد له ، أو لا . الظاهر لا ، فإن الاَمر
( 207 )الاِعتقادي وإن أنسد باب القطع به ، إلا أن باب الاِعتقاد إجمالاً ــ بما هو واقعه والاِنقياد له وتحمله ــ غير منسد ، بخلاف العمل بالجوارح فإنه لا يكاد يعلم مطابقته مع ما هو واقعه إلا بالاِحتياط ، والمفروض عدم وجوبه شرعاً ، أو عدم جوازه عقلاً ، ولا أقرب من العمل على وفق الظن . وبالجملة : لا موجب مع إنسداد باب العلم في الاِعتقاديات لترتيب الاَعمال الجوانحية على الظن فيها ، مع إمكان ترتيبها على ما هو الواقع فيها ، فلا يتحمل إلا لما هو الواقع ، ولا ينقاد إلا له ، لا لما هو مظنونه ، وهذا بخلاف العلميات ، فإنه لا محيص عن العمل بالظن فيها مع مقدمات الاِنسداد .
نعم يجب تحصيل العلم في بعض الاِعتقادات لو أمكن ، من باب وجوب المعرفة لنفسها ، كمعرفة الواجب تعالى وصفاته أداء لشكر بعض نعمائه ، ومعرفة أنبيائه ، فإنهم وسائط نعمه وآلائه ، بل وكذا معرفة الاِمام عليه السلام على وجه صحيح ، فالعقل يستقل بوجوب معرفة النبي ووصيه لذلك ، ولاِحتمال الضرر في تركه ، ولا يجب عقلاً معرفة غير ما ذكر ، إلا ما وجب شرعاً معرفته ، كمعرفة الاِمام عليه السلام على وجه آخر غير صحيح ، أو أمر آخر مما دل الشرع على وجوب معرفته ، وما لا دلالة على وجوب معرفته بالخصوص ، لا من العقل ولا من النقل ، كان أصالة البراءة من وجوب معرفته محكمة .
ولا دلالة لمثل قوله تعالى : وما خلقت الجن والاِنس .. الآية ، ولا لقوله صلى الله عليه وآله : وما أعلم شيئاً بعد المعرفة أفضل من هذه الصلوات الخمس ، ولا لما دل على وجوب التفقه وطلب العلم من الآيات والروايات على وجوب معرفته بالعموم ، ضرورة أن المراد من ( ليعبدون ) هو خصوص عبادة الله ومعرفته ، والنبوي إنما هو بصدد بيان فضيلة الصلوات لا بيان حكم المعرفة ، فلا إطلاق فيه أصلاً ، ومثل آية النفر إنما هو بصدد بيان الطريق المتوسل به إلى التفقه الواجب ، لا بيان ما يجب فقهه ومعرفته كما لا يخفى ، وكذا ما دل على وجوب طلب العلم إنما هو بصدد الحث على طلبه ، لا بصدد بيان ما يجب العلم به .
( 208 ) ثم إنه لا يجوز الاِكتفاء بالظن فيما يجب معرفته عقلاً أو شرعاً ، حيث أنه ليس بمعرفة قطعاً ، فلا بد من تحصيل العلم لو أمكن ، ومع العجز عنه كان معذوراً إن كان عن قصور لغفلة أو لغموضة المطلب مع قلة الاِستعداد ، كما هو المشاهد في كثير من النساء بل الرجال ، بخلاف ما إذا كان عن تقصير في الاِجتهاد ، ولو لاَجل حب طريقة الآباء والاَجداد واتباع سيرة السلف ، فإنه كالجبلي ، وقلما عنه تخلف .
والمراد من المجاهدة في قوله تعالى : والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ، هو المجاهدة مع النفس ، بتخليتها عن الرذائل وتحليتها بالفضائل ، وهي التي كانت أكبر من الجهاد ، لا النظر والاِجتهاد ، وإلا لاَدى إلى الهداية ، مع أنه يؤدي إلى الجهالة والضلالة ، إلا إذا كانت هناك منه تعالى عناية ، فإنه غالباً بصدد إثبات أن ما وجد آباءه عليه هو الحق ، لا بصدد الحق ، فيكون مقصراً مع اجتهاده ومؤاخذ إذا أخطأ على قطعه واعتقاده .
ثم لا استقلال للعقل بوجوب تحصيل الظن مع اليأس عن تحصيل العلم ، فيما يجب تحصيله عقلا لو أمكن ، لو لم نقل باستقلاله بعدم وجوبه بل بعدم جوازه ، لما أشرنا إليه من أن الاَمور الاِعتقادية مع عدم القطع بها أمكن الاِعتقاد بما هو واقعها والاِنقياد لها ، فلا إلجاء فيها أصلاً إلى التنزل إلى الظن فيما انسد فيه باب العلم ، بخلاف الفروع العملية كما لا يخفى .
وكذلك لا دلالة من النقل على وجوبه فيما يجب معرفته مع الاِمكان شرعاً ، بل الاَدلة الدالة على النهي عن اتباع الظن ، دليل على عدم جوازه أيضاً .
وقد انقدح من مطاوي ما ذكرنا أن القاصر يكون في الاِعتقاديات للغفلة ، أو عدم الاِستعداد للاِجتهاد فيها ، لعدم وضوح الاَمر فيها بمثابة لا يكون الجهل بها إلا عن نقص ٍ كما لا يخفى ، فيكون معذوراً عقلاً .
ولا يصغى إلى ما ربما قيل بعدم وجود القاصر فيها ، لكنه إنما يكون معذوراً غير معاقب على عدم معرفة الحق ، إذا لم يكن يعانده ، بل كان ينقاد له على إجماله لو احتمله .
( 209 )ـ حقائق الاَصول ج 2 ص 211
قوله : فإن الاَمر الاِعتقادي ، يعني أن العمل على الظن في الاَصول الاِعتقادية يتوقف على تتميم مقدمات الاِنسداد فيها وهو غير ممكن إذ منها عدم إمكان الاِحتياط الموجب للدوران بين الاَخذ بالطرف المظنون والموهوم ، وبقاعدة قبح ترجيح المرجوح يتعين الاَول ، وفي المقام لا مجال للدوران المذكور لاِمكان الاِعتقاد بها إجمالاً على ما هي عليه واقعاً ، إلا أن يدعى وجوب الاِعتقاد بها تفصيلاً حتى في حال الجهل ، فإنه حيث لا يمكن العلم بها لابد من سلوك الظن لاَنه أقرب إلى الواقع ، لكن لابد من الاِلتزام بالكشف إذ لو لم تكشف المقدمات عن كون الظن حجة شرعاً كان الاِعتقاد المطابق له تشريعاً محرماً عقلاً ، فتأمل جيداً .
إلا أن دعوى وجوب الاِعتقاد تفصيلاً مطلقاً لا دليل عليها من عقل أو شرع فلاحظ .
قوله : كمعرفة الواجب تعالى ، لا ريب ظاهراً في وجوب هذه المعارف وإنما الخلاف في وجوبها عقلاً أو شرعاً ، فالمحكي عن العدلية الاَول ، وعن الاَشاعرة الثاني ، والخلاف في ذلك منهم مبني على الخلاف في ثبوت قاعدة التحسين والتقبيح العقليين ، فعلى القول بها ــ كما هو مذهب الاَولين ــ تكون واجبة عقلاً لاَن شكر المنعم ودفع الخوف عن النفس واجبان وهما يتوقفان على المعرفة وما يتوقف عليه الواجب واجب ، وظاهر تقرير هذا الدليل كون وجوب المعرفة غيري ، والمصنف رحمه الله جعل وجوبها نفسياً بناء منه على كون المعرفة بنفسها شكراً ، فإذا كان الشكر واجباً عقلاً لكونه حسناً بنفسه كانت المعرفة بنفسها واجبة لا أنها مقدمة لواجب ، ولذا قال في تعليل وجوبها : أداء لشكر بعض . . . . الخ .
نعم لو كان الشكر واجباً من باب وجوب دفع الضرر كان وجوبه غيرياً فيكون وجوب المعرفة حينئذ غيرياً ، بل لو قلنا حينئذ بأن وجوب دفع الضرر ليس عقلياً بل فطرياً كان وجوبها فطرياً غيرياً لا عقلياً لا نفسياً ولا غيرياً .
( 210 ) والاِنصاف يقتضي التأمل في وجوب الشكر لنفسه وإن كان حسناً لاَن حسنه لا يلازم وجوبه ، نعم هو واجب من باب وجوب دفع الضرر المحتمل ، فيكون وجوب المعرفة غيرياً لا نفسياً . وأما كونه عقلياً أو فطرياً فقد عرفت فيما سبق تحقيقه . فلاحظ .
ثم إنه قد يتوهم كون وجوب المعرفة غيرياً من جهة توقف الاِعتقاد عليها ، لكنه إنما يتم لو كان الاِعتقاد واجباً تفصيلاً مطلقاً غير مشروط بالمعرفة مع توقفه على المعرفة ، وقد عرفت الاِشكال في الاَول ، كما يمكن منع الثاني لاِمكان تحقق الاِعتقاد بلا معرفة غاية الاَمر أنه تشريع محرم عقلاً لكن تحريمه كذلك لا يقتضي وجوب المعرفة . نعم لو كان الواجب عقلاً هو الاِعتقاد عن معرفة كانت واجبة لغيرها لكنه أول الكلام .
قوله : فإنهم وسائط ، يعني فتكون معرفتهم أداء للشكر الواجب وكذا معرفة الاِمام عليه السلام على وجه صحيح ( هامش : وهو كون الاِمامة كالنبوة منصباً إلَهياً يحتاج إلى تعيينه تعالى ونصبه لا أنها من الفروع المتعلقة بأفعال المكلفين وهو الوجه الآخر منه قدس سره ) فالعقل يستقل بوجوب معرفة النبي ووصيه لذلك ولاِحتمال الضرر في تركه ولا يجب عقلاً معرفة غير ما ذكر إلا ما وجب شرعاً معرفته ــ كمعرفة الاِمام عليه السلام ــ على وجه آخر غير صحيح أو أمر آخر مما دل الشرع على وجوب معرفته وما لا دلالة على وجوب معرفته بالخصوص لا من العقل ولا من النقل كان أصالة البراءة من وجوب معرفته محكمة ولا دلالة لمثل قوله تعالى : وما خلقت الجن والاِنس ، الآية ولا لقوله صلى الله عليه وآله وسلم : وما أعلم شيئاً بعد المعرفة أفضل من هذه الصلوات الخمس ، ولا لما دل على وجوب التفقه وطلب العلم من الآيات والروايات على وجوب معرفته بالعموم أن المراد من : ليعبدون ، هو خصوص عبادة الله ومعرفته والنبوي إنما هو بصدد بيان فضيلة الصلوات لا بيان حكم المعرفة فتجب .
قوله : وكذا معرفة الاِمام عليه السلام ، يعني واجبة لنفسها لاَن الاِمامة كالنبوة من المناصب
( 211 )الاِلَهية فيكون الاِمام عليه السلام من وسائط النعم فتجب معرفته كمعرفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهذا هو الوجه الصحيح . . . .
ـ نهاية الاَفكار ج 2 ص 188
أما المقام الاَول ، فلا ينبغي الاِشكال في وجوب تحصيل معرفة الواجب تعالى ومعرفة ما يرجع إليه من صفات الجمال والجلال ، ككونه واحداً قادراً عالماً مريداً حياً غنياً لم يكن له نظير ولا شبيه ، ولم يكن بجسم ولا مرئي ولا له حيز ونحو ذلك .. كما لا إشكال أيضاً في كون الوجوب المزبور نفسياً ، لاَن المعرفة بالمبدأ سبحانه هي الغاية القصوى والغرض الاَصلي من خلق العباد وبعث الرسل كما ينبيء عنه قوله سبحانه : وما خلقت الجن والاِنس إلا ليعبدون ، حيث أن حقيقة العبودية هي المعرفة ولا ينافي ذلك مقدميتها لواجب آخر عقلي أو شرعي كالتدين والاِنقياد ونحوه . ثم إن عمدة الدليل على وجوب المعرفة إنما هو حكم العقل الفطري واستقلاله بوجوب تحصيل المعرفة بالمبدأ تعالى على كل مكلف بمناط شكر المنعم باعتبار كونها من مراتب أداء شكره فيجب بحكم العقل تحصيل المعرفة به سبحانه ، وبما يرجع إليه من صفات الجمال والجلال ، بل ويجب أيضاً معرفة أنبيائه ورسله وحججه الذين هم وسائط نعمه وفيضه .
وإلا فمع الاِغماض عن هذا الحكم العقلي الفطري لا تجدي الاَدلة السمعية كتاباً وسنة من نحو قوله سبحانه : ما خلقت الجن والاِنس إلا ليعبدون ، لعدم تمامية مثل هذه الاِستدلالات للجاهل بهما لا إلزاماً ولا إقناعاً ، لاَن دليليتهما فرع الاِعتقاد بهما وبكلامهما ، وحينئذ فالعمدة في الدليل على الوجوب هو حكم العقل الفطري .
نعم بعد تحصيل المعرفة بالمبدأ ووسائط نعمه بحكم العقل ، لا بأس بالاستدلال بالكتاب والسنة لاِثبات وجوب المعرفة لما عداهما في فرض تمامية إطلاق تلك الاَدلة من حيث متعلق المعرفة ، وإلا فبناء على عدم إطلاقها من هذه الجهة فلا مجال للتمسك بها أيضاً .
( 212 ) ثم إنه مما ذكرنا ظهر الحال في المقام الثاني حيث أنه بعد ما وجب تحصيل المعرفة بالواجب تعالى وبوسائط نعمه يجب بحكم العقل الاِعتقاد وعقد القلب والاِنقياد له سبحانه لكون مثله أيضاً من مراتب أداء شكره الواجب عليه . بل الظاهر أن وجوب ذلك أيضاً كوجوب أصل المعرفة مطلق غير مشروط بحصول العلم من الخارج ، فيجب عليه حينئذ تحصيل العلم مقدمة للاِنقياد الواجب .
هذا كله بالنسبة إلى أصل وجوب المعرفة ، وأما المقدار الواجب منها فإنما هو المعرفة بالمبدأ جل شأنه وبوحدانيته وبما يرجع إليه من صفات الجمال والجلال ، وكذا معرفة أنبيائه ورسله وحججه الذين هم وسائط نعمه وفيضه ، وكذلك الحشر والنشر ولو بنحو الاِجمال .
وأما ما عدا ذلك كتفاصيل التوحيد وكيفية علمه وإرادته سبحانه ، وتفاصيل المحشر وخصوصياته ، وأن الميزان والصراط بأي كيفية ، ونحو ذلك فلا يجب تحصيل العلم ولا الاِعتقاد بها بتلك الخصوصيات .
نعم في فرض حصول العلم بها من الخارج يجب الاِعتقاد وعقد القلب بها . فوجوب الاِعتقاد بخصوصيات الاَمور المزبورة إنما كان مشروطاً بحصول العلم بها من باب الاِتفاق ، لا أن وجوبها مطلق حتى يجب تحصيل العلم بها من باب المقدمة. نعم الواجب على المكلف هو الاِعتقاد الاِجمالي بما هو الواقع ونفس الاَمر فيعتقد وينقاد بتلك الاَمور على ما هي عليها في الواقع ونفس الاَمر .
ومن هذا البيان ظهر الحال في المقام الثالث أيضاً ، فإن مقتضى الاَصل فيما عدا المقدار المزبور هو عدم وجوب تحصيل المعرفة زائداً على المقدار الذي يستقل العقل بوجوب تحصيله ، إلا ما ثبت من الخارج وجوب الاِعتقاد به من ضرورة ونحوه كالمعاد الجسماني .
وأما الاِستدلال على وجوب المعرفة بتفاصيل الاَمور المزبورة بما ورد من الاَدلة النقلية كتاباً وسنة كقوله سبحانه : وما خلقت الجن والاِنس إلا ليعبدون ، وعموم آية
( 213 )النفر وقوله عليه السلام : لا أعلم شيئاً بعد المعرفة أفضل من الصلوات الخمس ، وقوله : طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة ، فيدفعه مضافاً إلى قضاء العادة بامتناع حصول المعرفة بما ذكر إلا للاوحدي من الناس ، أنه لا إطلاق لها من حيث متعلق المعرفة لاَنها بين ما كان في مقام بيان فضيلة الصلاة والحث والترغيب إليها لا في مقام بيان حكم المعرفة ، وبين ما كان بصدد إثبات أصل وجوب المعرفة بالمبدأ ورسله وحججه لا في مقام وجوبها على الاِطلاق ، حتى بالنسبة إلى التفاصيل المزبورة . وعليه فعند الشك لابد من الرجوع إلى الاَصل المقتضى لعدم وجوبها .
نعم حيث قلنا بعدم وجوب تحصيل المعرفة في الزائد عن المقدار المعلوم فليس له إنكاره والجحد به ، إذ لا يستلزم عدم وجوب المعرفة بشيء جواز إنكاره ، بل ربما يكون إنكاره حراماً عليه ، بل موجباً لكفره إذا كان من الضروريات ، لما يظهر منهم من التسالم على كفر منكر ضروري الدين كالمعراج والمعاد الجسماني ونحوهما . فلا بد لمثل هذا الشخص حينئذ من الاِعتقاد إجمالاً بما هو الواقع .
شرح المواقف للجرجاني ج 8 ص 105
. . . والجواب منع التكليف بكمال معرفته إذ هو أي التكليف بقدر وسعنا فنحن مكلفون بأن نعرف من صفاته ما يتوقف تصديق النبي عليه السلام على العلم به لا بمعرفة صفات أخرى . أو بأن نقول سلمنا تكليفنا بكمال معرفته لكن لا يلزم من التكليف به حصوله من جميع المكلفين بل ربما يعرفه معرفة كاملة بعض منهم كالاَنبياء والكاملين من أتباعهم . . . .
فإن قلت : مرادهم أنا مكلفون بكمال معرفة ممكنة ، وقد لا يسلمون كون معرفته تعالى بالكنه ممكنة .
قلت : لو سلم فلعل له تعالى صفة لا يمكن لنا معرفتها أيضاً فلا يتجه لهم بما ذكروه نفي صفة غير السمع بالكلية فتأمل .
قوله فنحن مكلفون إلى آخره .. هذا مترتب على منة التكليف بكمال المعرفة ثم
( 214 )الترتب باعتبار الاَخبار نظيره الفاء في قوله تعالى : وما بكم من نعمة فمن الله ، أي إذا كان التكليف بكمال المعرفة ممنوعاً فأخبركم أنا مكلفون بكذا لا بكذا ، وحينئذ لا يرد أن مثل السمع والبصر والكلام داخل تحت الوسع ، فيقتضي قوله إذ هو بقدر وسعنا أن نكون مكلفين بمعرفته أيضاً مع أن التفريع يقتضي عدم التكليف بها ، إذ لا يتوقف تصديق النبي عليه السلام على شيء منها ، فتدبر .
|