متون الكتب :  
الفهارس :  
أسماء الكتب والمؤلفين :  
تجب المعرفة بالتفكير ولا يصح فيها التقليد
الكتاب : العقائد الإسلامية ج1    |    القسم : مكتبة عقائد الشيعة

تجب المعرفة بالتفكير ولا يصح فيها التقليد

ـ الاِقتصاد للشيخ الطوسي ص 9
الطريق إلى معرفة الاَشياء أربعة لا خامس لها :
أولها ، أن يعلم الشيء ضرورة لكونه مركوزاً في العقول ، كالعلم بأن الاِثنين أكثر من واحد ، وأن الجسم الواحد لا يكون في مكانين في حالة واحدة ، وأن الجسمين لا يكونان مكان واحد في حالة واحدة ، والشيء لا يخلو من أن يكون ثابتاً أو منفياً ، وغير ذلك مما هو مركوز في العقول .
والثاني ، أن يعلم من جهة الاِدراك إذا أدرك وارتفع اللبس ، كالعلم بالمشاهدات والمدركات بسائر الحواس .
والثالث ، أن يعلم بالاَخبار كالعلم بالبلدان والوقائع وأخبار الملوك وغير ذلك .
والرابع ، أن يعلم بالنظر والاِستدلال .
والعلم بالله تعالى ليس بحاصل من الوجه الاَول ، لاَن ما يعلم ضرورة لا يختلف العقلاء فيه بل يتفقون عليه ، ولذلك لا يختلفون في أن الواحد لا يكون أكثر من اثنين، وأن الشبر لا يطابق الذراع . والعلم بالله فيه خلاف بين العقلاء فكيف يجوز أن
( 179 )
يكون ضرورياً .
وليس الاِدراك أيضاً طريق العلم بمعرفة الله تعالى ، لاَنه تعالى ليس بمدرك بشيء من الحواس على ما سنبينه فيما بعد ، ولو كان مدركاً محسوساً لاَدركناه مع صحة حواسنا وارتفاع الموانع المعقولة .
والخبر أيضاً لا يمكن أن يكون طريقاً إلى معرفته ، لاَن الخبر الذي يوجب العلم هو ما كان مستنداً إلى مشاهدة وإدراك ، كالبلدان والوقائع وغير ذلك ، وقد بينا أنه ليس بمدرك ، والخبر الذي لا يستند إلى الاِدراك لا يوجب العلم . ألا ترى أن جميع المسلمين يخبرون من خالفهم بصدق محمد صلى الله عليه وآله فلا يحصل لمخالفيهم العلم به لاَن ذلك طريقه الدليل ، وكذلك جميع الموحدين يخبرون الملحدة بحدوث العالم فلا يحصل لهم العلم به لاَن ذلك طريقه الدليل .
فإذا بطل أن يكون طريق معرفته الضرورة أو المشاهدة أو الخبر ، لم يبق إلا أن يكون طريقة النظر .
فإن قيل : أين أنتم عن تقليد المتقدمين ؟
قلنا : التقليد إن أريد به قبول قول الغير من غير حجة وهو حقيقة التقليد فذلك قبيح في العقول ، لاَن فيه إقداماً على ما لا يأمن كون ما يعتقده عند التقليد جهلاً لتعريه من الدليل ، والاِقدام على ذلك قبيح في العقول ، ولاَنه ليس في العقول أن تقليد الموحد أولى من تقليد الملحد إذا رفعنا النظر والبحث عن أوهامنا ولا يجوز أن يتساوى الحق والباطل .
فإن قيل : نقلد المحق دون المبطل .
قلنا : العلم بكونه محقاً لا يمكن حصوله إلا بالنظر ، لاَنا إن علمناه بتقليد آخر أدى إلى التسلسل ، وإن علمناه بدليل فالدليل الدال على وجوب القبول منه يخرجه عن باب التقليد ، ولذلك لم يكن أحدنا مقلداً للنبي أو المعصوم فيما نقبله منه لقيام الدليل على صحة ما يقوله .

( 180 )
وليس يمكن أن يقال : نقلد الاَكثر ونرجع إليهم ، وذلك لاَن الاكثر قد يكونون على ضلال بل ذلك هو المعتاد المعروف ، ألا ترى أن الفرق المبطلة بالاِضافة إلى الفرق المحقة جزء من كل وقليل من كثير .
ولا يمكن أن يعتبر أيضاً بالزهد والورع ، لاَن مثل ذلك يتفق في المبطلين ، فلذلك ترى رهبان النصارى على غاية العبادة ورفض الدنيا مع أنهم على باطل فعلم بذلك أجمع فساد التقليد .
فإن قيل : هذا القول يؤدي إلى تضليل أكثر الخلق وتكفيرهم ، لاَن أكثر من تعنون من العقلاء لا يعرفون ما يقولونه ، من الفقهاء والاَدباء والرؤساء والتجار وجمهور العوام ، ولا يهتدون إلى ما يقولونه ، وإنما يختص بذلك طائفة يسيرة من المتكلمين ، وجميع من خالفهم يبدعهم في ذلك ، ويؤدي إلى تكفير الصحابة والتابعين وأهل الاَمصار ، لاَنه معلوم أن أحداً من الصحابة والتابعين لم يتكلم فيما تكلم فيه المتكلمون ولا سمع منه حرف واحد ولا نقل عنهم شيء منه ، فكيف يقال بمذهب يؤدي إلى تكفير أكثر الاَمة وتضليلها ، وهذا باب ينبغي أن يزهد فيه ويرغب عنه .
قيل : هذا غلط فاحش وظن بعيد ، وسوء ظن بمن أوجب النظر المؤدي إلى معرفة الله ، ولسنا نريد بالنظر المناظرة والمحاجة والمخاصمة والمحاورة التي يتداولها المتكلمون ويجرى بينهم ، فإن جميع ذلك صناعة فيها فضيلة وإن لم تكن واجبة ، وإنما أوجبنا النظر الذي هو الفكر في الاَدلة الموصلة إلى توحيد الله تعالى وعدله ومعرفة نبيه وصحة ما جاء به ، وكيف يكون ذلك منهياً عنه أو غير واجب والنبي عليه السلام لم يوجب القبول منه على أحد إلا بعد إظهار الاَعلام والمعجزة من القرآن وغيره ، ولم يقل لاَحد إنه يجب عليك القبول من غير آية ولا دلالة . وكذلك تضمن القرآن من أوله إلى آخره التنبيه على الاَدلة ووجوب النظر ، قال الله تعالى : أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والاَرض وما خلق الله من شيء . وقال : أفلا ينظرون إلى الاِبل كيف خلقت . وإلى السماء كيف رفعت . وإلى الجبال كيف نصبت . وإلى
( 181 )
الاَرض كيف سطحت . وقال : وفي أنفسكم أفلا تبصرون . وقال : قتل الاِنسان ما أكفره . من أي شيء خلقه . من نطفة خلقه . الآية . وقال : إن في خلق السماوات والاَرض واختلاف الليل والنهار لآيات لاَولي الاَلباب . إلى قوله : إنك لا تخلف الميعاد . وقال : فلينظر الاِنسان إلى طعامه أنا صببنا الماء صباً ، ثم شققنا الاَرض شقاً، إلى قوله : متاعاً لكم ولاَنعامكم . وقال : ولقد خلقنا الاِنسان من سلالة من طين . ثم جعلناه نطفة في قرار مكين . إلى قوله فتبارك الله أحسن الخالقين . وقال : إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ، ولقوم يعقلون ، ولاَولي الاَلباب ، ولمن كان له قلب ، يعني عقل . وغير ذلك من الآيات التي تعدادها يطول .
وكيف يحث تعالى على النظر وينبه على الاَدلة وينصبها ويدعو إلى النظر فيها ، ومع ذلك يحرمها . إن هذا لا يتصوره إلا غبيٌّ جاهل . فأما من أومي إليه من الصحابة والتابعين وأهل الاَعصار من الفقهاء والفضلاء والتجار والعوام ، فأول ما فيه أنه غير مسلم ، بل كلام الصحابة والتابعين مملو من ذلك .
. . . وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال : أعرفكم بنفسه أعرفكم بربه . وقال أمير المؤمنين عليه السلام في خطبته المعروفة : أول عبادة الله معرفته ، وأصل معرفته توحيده ، ونظام توحيده نفي الصفات عنه ، لشهادة العقول إن من حلته الصفات فهو مخلوق ، وشهادتها أنه خالق ليس بمخلوق ثم قال : بصنع الله يستدل عليه ، وبالعقول يعتقد معرفته ، وبالنظر يثبت حجته ، معلوم بالدلالات ، مشهور بالبينات ، إلى آخر الخطبة . وخطبه في هذا المعنى أكثر من أن تحصى .
وقال الحسن عليه السلام : والله ما يعبد الله إلا من عرفه ، فأما من لم يعرفه فإنما يعبده هكذا ضلالاً ، وأشار بيده .
وقال الصادق عليه السلام : وجدت علم الناس في أربع : أولها أن تعرف ربك ، والثاني أن تعرف ما صنع بك ، والثالث أن تعرف ما أراد منك ، والرابع أن تعرف ما يخرجك من دينك . . . .

( 182 )
فإن قالوا : أكثر من أومأتم إليه إذا سألته عن ذلك لا يحسن الجواب عنه .
قلنا : وذلك أيضاً لا يلزم ، لاَنه لا يمتنع أن يكون عارفاً على الجملة وإن تعذرت عليه العبارة عما يعتقده ، فتعذر العبارة عما في النفس لا يدل على بطلان ذلك ولا ارتفاعه .

ـ الرسالة السعدية للعلامة الحلي ص 3 ـ 9
وقد حرم الله تعالى على جميع العبيد سلوك طريق التقليد ، بل أوجب البحث في أصول العقايد اليقينية وتحصيلها باستعمال البراهين القطعية . . . . المقدمة الثانية في تحريم التقليد . طلب الله تعالى من المكلف اعتقاداً جازماً يقينياً مأخوذاً من الحجج والاَدلة ، وذلك في المسائل الاَصولية ، واعتقاداً مستفاداً إما من الحجة ، أو من التقليد في المسائل الفروعية .

ـ رسائل المحقق الكركي ج 1 ص 59
يجب على كل مكلف حرّ وعبد ذكر وأنثى أن يعرف الاَصول الخمسة التي هي أركان الاِيمان ، وهي : التوحيد ، والعدل ، والنبوة ، والاِمامة ، والمعاد ، بالدليل لا بالتقليد . ومن جهل شيئاً من ذلك لم ينتظم في سلك المؤمنين ، واستحق العقاب الدائم مع الكافرين .

ـ رسائل المحقق الكركي ج 1 ص 80 وج 3 ص 173
ويجب أمام فعلها معرفة الله تعالى ، وصفاته الثبوتية والسلبية ، وعدله وحكمته ، ونبوة نبينا محمد صلوات الله عليه وآله ، وإمامة الاَئمة عليهم السلام والاِقرار بكل ما جاء به النبي صلوات الله عليه وآله من أحوال المعاد ، بالدليل لا بالتقليد .
قوله : بالدليل لا بالتقليد ، الدليل هو ما يلزم من العلم به العلم بشيء آخر إثباتاً أو نفياً . والتقليد هو الاَخذ بقول الغير من غير حجة ملزمة ، مأخوذ من تقليده بالقلادة
( 183 )
وجعلها عنقه كأن المقلد يجعل ما يعتقده من قول الغير من حق أو باطل قلادة في عنق من قلده .

ـ رسائل الشهيد الثاني ج 2 ص 56
إعلم أن العلماء أطبقوا على وجوب معرفة الله تعالى بالنظر وأنها لا تحصل بالتقليد ، إلا من شذ منهم كعبدالله بن الحسن العنبري والحشوية والتعليمية ، حيث ذهبوا إلى جواز التقليد في العقائد الاَصولية ، كوجود الصانع وما يجب له ويمتنع ، والنبوة ، والعدل وغيرها ، بل ذهب إلى وجوبه .
لكن اختلف القائلون بوجوب المعرفة في أنه عقلي أو سمعي ، فالاِمامية والمعتزلة على الاَول والاَشعرية على الثاني ، ولا غرض لنا هنا ببيان ذلك ، بل ببيان أصل الوجوب المتفق عليه .
من ذلك : أن لله تعالى على عبده نعماً ظاهرة وباطنة لا تحصى ، يعلم ذلك كل عاقل ، ويعلم أنها ليست منه ولا من مخلوق مثله . ويعلم أيضاً أنه إذا لم يعترف بإنعام ذلك المنعم ولم يذعن بكونه هو المنعم لا غيره ولم يسع في تحصيل مرضاته، ذمه العقلاء ، ورأوا سلب تلك النعم عنه حسناً ، وحينئذ فتحكم ضرورة العقل بوجوب شكر ذلك المنعم . ومن المعلوم أن شكره على وجه يليق بكمال ذاته يتوقف على معرفته ، وهي لا تحصل بالظنيات كالتقليد وغيره ، لاحتمال كذب المخبر وخطأ الاِمارة ، فلابد من النظر المفيد للعلم .
وهذا الدليل إنما يستقيم على قاعدة الحسن والقبح ، والاَشاعرة ينكرون ذلك ، لكنه كما يدل على وجوب المعرفة بالدليل ، يدل أيضاً على كون الوجوب عقلياً .
واعترض أيضاً بأنه مبني على وجوب ما لا يتم الواجب المطلق إلاّ به ، وفيه أيضاً منع للاَشاعرة . ومن ذلك أن الاَمة اجتمعت على وجوب المعرفة ، والتقليد وما في حكمه لا يوجب العلم ، إذ لو أوجبه لزم اجتماع الضدين في مثل تقليد من يعتقد حدوث العالم ويعتقد قدمه .

( 184 )
وقد اعترض على هذا بمنع الاِجماع ، كيف والمخالف معروف ، بل عورض بوقوع الاِجماع على خلافه ، وذلك لتقرير النبي صلى الله عليه وآله وأصحابه العوام على إيمانهم وهم الاَكثرون في كل عصر ، مع عدم الاِستفسار عن الدلائل الدالة على الصانع وصفاته ، مع أنهم كانوا لا يعلمونها ، وإنما كانوا مقرين باللسان ومقلدين في المعارف، ولو كانت المعرفة واجبة لما جاز تقريرهم على ذلك مع الحكم بإيمانهم .
وأجيب عن هذا : بأنهم كانوا يعلمون الاَدلة إجمالاً ، كدليل الاِعرابي حيث قال : البعرة تدل على البعير ، وأثر الاَقدام على المسير ، أفسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج لا تدلان على اللطيف الخبير ؟ ! فلذا أقروا ولم يسألوا عن اعتقاداتهم ، أو أنهم كان يقبل منهم ذلك للتمرين ، ثم يبين لهم ما يجب عليهم من المعارف بعد حين .
ومن ذلك : الاِجماع أنه لا يجوز تقليد غير المحق ، وإنما يعلم المحق من غيره بالنظر في أن ما يقوله حق أم لا ، وحينئذ فلا يجوز له التقليد إلا بعد النظر والاِستدلال، وإذا صار مستدلاً امتنع كونه مقلداً ، فامتنع التقليد في المعارف الاِلَهية .
ونقض ذلك بلزوم مثله في الشرعيات ، فإنه لا يجوز تقليد المفتي إلا إذا كانت فتياه عن دليل شرعي ، فإن اكتفى في الاِطلاع على ذلك بالظن وإن كان مخطئاً في نفس الاَمر لحط ذلك عنه ، فليجز مثله في مسائل الاَصول .
وأجيب بالفرق بأن الخطأ في مسائل الاَصول يقتضي الكفر بخلافه في الفروع ، فساغ في الثانية مالم يسغ في الاَولى .
إحتج من أوجب التقليد في مسائل الاَصول بأن العلم بأمر الله غير ممكن ، لاَن المكلف به إن لم يكن عالماً به تعالى إمتنع أن يكون عالماً بأمره ، وحال امتناع كونه عالماً بأمره يمتنع كونه مأموراً من قبله ، وإلا لزم تكليف ما لا يطاق ، وإن كان عالماً به استحال أيضاً أمره بالعلم به لاستحالة تحصيل الحاصل .
والجواب عن ذلك على قواعد الاِمامية والمعتزلة ظاهر ، فإن وجوب النظر والمعرفة عندهم عقلي لا سمعي . نعم يلزم ذلك على قواعد الاَشاعرة ، إذ الوجوب عندهم سمعي .

( 185 )
أقول : ويجاب أيضاً معارضةً ، بأن هذا الدليل كما يدل على امتناع العلم بالمعارف الاَصولية ، يدل على امتناع التقليد فيها أيضاً ، فينسد باب المعرفة بالله تعالى ، وكل من يرجع إليه في التقليد لابد وأن يكون عالماً بالمسائل الاَصولية ليصح تقليده ، ثم يجرى الدليل فيه فيقال : علم هذا الشخص بالله تعالى غير ممكن ، لاَنه حين كلف به إن لم يكن عالماً به تعالى استحال أن يكون عالماً بأمره بالمقدمات ، وكل ما أجابوا به فهو جوابنا ، ولا مخلص لهم إلا أن يعترفوا بأن وجوب المعرفة عقلي ، فيبطل ما ادعوه من أن العلم بالله تعالى غير ممكن ، أو سمعي فكذلك .
فإن قيل : ربما حصل العلم لبعض الناس بتصفية النفس أو إلهام إلى غير ذلك فيقلده الباقون .
قلنا : هذا أيضاً يبطل قولكم أن العلم بالله تعالى غير ممكن ، نعم ما ذكروه يصلح أن يكون دليلاً على امتناع المعرفة بالسمع ، فيكون حجة على الاَشاعرة ، لا دليلاً على وجوب التقليد .
واحتجوا أيضاً بأن النهي عن النظر قد ورد في قوله تعالى : ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا . والنظر يفتح باب الجدال فيحرم . ولاَنه صلى الله عليه وآله رأى الصحابة يتكلمون في مسألة القدر ، فنهى عن الكلام فيها وقال : إنما هلك من كان قبلكم بخوضهم هذا ، ولقوله عليه السلام : عليكم بدين العجائز ، والمراد ترك النظر ، فلو كان واجباً لم يكن منهياً عنه .
وأجيب عن الاَول : إن المراد الجدال بالباطل ، كما في قوله تعالى : وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق ، لا الجدال بالحق لقوله تعالى : وجادلهم بالتي هي أحسن، والاَمر بذلك يدل على أن الجدال مطلقاً ليس منهياً عنه .
وعن الثاني : بأن نهيهم عن الكلام في مسألة القدر على تقدير تسليمه لا يدل على النهي عن مطلق النظر ، بل عنه في مسألة القدر ، كيف وقد ورد الاِنكار على تارك النظر في قوله تعالى : أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله ، وقد أثنى على فاعله في قوله تعالى : ويتفكرون في خلق السماوات والاَرض .

( 186 )
على أن نهيهم عن الخوض في القدر لعله لكونه أمراً غيبياً وبحراً عميقاً ، كما أشار إليه علي عليه السلام بقوله : بحر عميق فلا تلجه . بل كان مراد النبي تفويض مثل ذلك إلى الله تعالى ، لاَن ذلك ليس من الاَصول التي يجب اعتقادها، والبحث عنها مفصلة.
وهاهنا جواب آخر عنهما معاً ، وهو أن النهي في الآية والحديث مع قطع النظر عما ذكرناه إنما يدل على النهي عن الجدال الذي لا يكون إلا عن متعدد ، بخلاف النظر فإنه يكون من واحد ، فهو نصب الدليل على غير المدعى .
وعن الثالث : بالمنع من صحة نسبته إلى النبي صلى الله عليه وآله فإن بعضهم ذكر أنه من مصنوعات سفيان الثوري ، فإنه روى أن عمر بن عبدالله المعتزلي قال : إن بين الكفر والاِيمان منزلة بين منزلتين ، فقالت عجوز ، قال الله تعالى : هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن ، فلم يجعل من عباده إلا الكافر والمؤمن ، فسمع سفيان كلامها ، فقال : عليكم بدين العجائز .
على أنه لو سلم فالمراد به التفويض إلى الله تعالى في قضائه وحكمه والاِنقياد له في أمره ونهيه .
واحتج من جوز التقليد : بأنه لو وجب النظر في المعارف الاِلَهية لوجد من الصحابة ، إذ هم أولى به من غيرهم ، ولم يوجد وإلا لنقل كما نقل عنهم النظر والمناظرة في المسائل الفقهية ، فحيث لم ينقل لم يقع ، فلم يجب .
وأجيب : بالتزام كونهم أولى به لكنهم نظروا ، وإلا لزم نسبتهم إلى الجهل بمعرفة الله تعالى ، وكون الواحد منا أفضل منهم ، وهو باطل إجماعاً ، وإذا كانوا عالمين وليس بالضرورة فهو بالنظر والاِستدلال . وأما إنه لم ينقل النظر والمناظرة ، فلاِتفاقهم على العقائد الحقة، لوضوح الاَمر عندهم ، حيث كانوا ينقلون عقائدهم عمن لا ينطق عن الهوى ، فلم يحتاجوا إلى كثرة البحث والنظر ، بخلاف الاَخلاف بعدهم فإنهم لما كثرت شبه الضالين ، واختلفت أنظار طالبي اليقين لتفاوت أذهانهم في إصابة الحق ، احتاجوا إلى النظر والمناظرة ، ليدفعوا بذلك شبه المضلين ويقفوا على اليقين .

( 187 )
أما المسائل الفروع ، فإنها لما كانت أموراً ظنية اجتهادية خفية ، لكثرة تعارض الاِمارات فيها ، وقع بينهم الخلاف فيها والمناظرة والتخطئة لبعضهم من بعض ، فلذا نقل .
واحتجوا أيضاً : بأن النظر مظنة الوقوع في الشبهات والتورط في الضلالات بخلاف التقليد فإنه أبعد عن ذلك وأقرب إلى السلامة فيكون أولى ، ولاَن الاَصول أغمض أدلة من الفروع وأخفى ، فإذا جاز التقليد في الاَسهل جاز في الاَصعب بطريق أولى، ولاَنهما سواء في التكليف بهما، فإذا جاز في الفروع فليجز في الاَصول.
وأجيب عن الاَول : بأن اعتقاد المعتقد إن كان عن تقليد ، لزم إما التسلسل ، أو الاِنتهاء إلى من يعتقد عن نظر لانتفاء الضرورة ، فيلزم ما ذكرتم من المحذور مع زيادة وهي احتمال كذب المخبر ، بخلاف الناظر مع نفسه ، فإنه لا يكابر نفسه فيما أدى إليه نظره .
على أنه لو اتفق الاِنتهاء إلى من اتفق له العلم بغير النظر كتصفية الباطن كما ذهب إليه بعضهم ، أو بالاِلهام ، أو بخلق العلم فيه ضرورة ، فهو إنما يكون لاَفراد نادرة ، لاَنه على خلاف العادة ، فلا يتيسر لكل أحد الوصول إليه مشافهة بل بالوسائط ، فيكثر احتمال الكذب ، بخلاف الناظر فإنه لايكابر نفسه، ولاَنه أقرب إلى الوقوع في الصواب .
إن قلت : ما ذكرت من الجواب إنما يدل على كون النظر أولى من التقليد ، ولا يدل على عدم جوازه ، فجواز التقليد باق لم يندفع ، على أن ما ذكرته من احتمال الكذب جار في الفروع ، فلو منع من التقليد فيها لمنع في الاَصول .
قلت : متى سلمت الاَولوية وجب العمل بها ، وإلا لزم العمل بالمرجوح مع تيسر العمل بالراجح ، وهو باطل بالاِجماع ، لا سيما في الاِعتقاديات .
وأما الجواب عن العلاوة ، فلاَنه لما كان الطريق إلى العمل بالفروع إنما هو النقل ساغ لنا التقليد فيها ، ولم يقدح احتمال كذب المخبر ، وإلا لانسد باب العمل فيها ،
( 188 )
بخلاف الاِعتقادات فإن الطريق إليها بالنظر ميسر ، فاعتبر قدح الاِحتمال في التقليد فيها .
وأما احتمال الخطأ في النظر ، فإنه وإن أمكن إلا أنه نادر جداً بالقياس إلى الخطأ في النقل ، فكان النظر أرجح ، وقد بينا أن العمل بالاَرجح واجب .
وأجيب عن الثاني : أولاً بالمنع من كونها أغمض أدلة ، بل الاَمر بالعكس لتوقف الشرعيات على العقليات عملاً وعلماً .
وثانياً بالمنع من الملازمة ، فإن كونها أغمض أدلة لا يستلزم جواز التقليد فيها فضلاً عن كونه أولى ، لاَن المطلوب فيها اليقين ، بخلاف الشرعيات فإن المطلوب فيها الظن اتفاقاً . ومن هذا ظهر الجواب عن الثالث .
واحتجوا أيضاً : بأن هذه العلوم إنما تحصل بعد الممارسة الكثيرة والبحث الطويل ، وأكثر الصحابة لم يمارسوا شيئاً منها ، فكان اعتقادهم عن تقليد .
وأجيب : بأنهم لمشاهدتهم المعجزات وقوة معارفهم بكثرة البينات من صاحب الوحي عليه السلام لم يحتاجوا في تيقن تلك المعارف إلى بحث كثير في طلب الاَدلة عليها .
أقول : ومما يبطل به مذهب القائلين بالتقليد أنه إما أن يفيد العلم أولاً ، فإن أفاده لزم اجتماع الضدين فيما لو قلد واحداً في قدم العالم وآخر في حدوثه ، وهو ظاهر . وإن لم يفده وجب ترجيح النظر عليه ، إذ من المعلوم ضرورة أن النظر الصحيح يفيد العلم ، فإذا ترجح النظر عليه وجب اعتباره وترك المرجوح اجماعاً .
وأقول : مما يدل على اعتبار اليقين في الاِيمان أن الاَمة فيه على قولين : قول باعتبار اليقين فيما يتحقق به الاِيمان . وقول بالاِكتفاء بالتقليد أو ما في حكمه فإذا انتفى الثاني بما ذكرناه من الاَدلة ثبت الاَول .
وأقول أيضاً مما يصلح شاهداً على ذلك قوله تعالى : قالت الاَعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الاِيمان في قلوبكم ، فنفى ما زعموه إيماناً ، وهو التصديق القولي ، بل ماسوى التصديق الجازم ، حيث لم يثبت لهم من الاِيمان
( 189 )
إلا ما دخل القلب . ولا ريب أن ما دخل القلب يحصل به الاِطمئنان ، ولا اطمئنان في الظن وشبهه لتجويز النقيض معه ، فيكون الثبات والجزم معتبراً في الاِيمان .
فإن قلت : قوله تعالى حكاية عن إبراهيم : أو لم تؤمن ؟ قال بلى ، ولكن ليطمئن قلبي ، يدل على أن الجزم والثبات غير معتبر في الاِيمان ، وإلا لما أخبر عليه السلام عن نفسه بالاِيمان ، بقوله بلى مع أن قوله ( ولكن ليطمئن قلبي ) يدل على أنه لم يكن مطمئناً فلم يكن جازماً .
قلت : يمكن الجواب بأنه عليه السلام طلب العلم بطريق المشاهدة ، ليكون العلم بإحياء الموتى حاصلاً له من طريق الاَبصار والمشاهدة ، ويكون المراد من اطمئنان قلبه عليه السلام استقراره وعدم طلبه لشيء آخر بعد المشاهدة ، مع كونه موقناً بإحياء الموتى قبل المشاهدة . أيضاً وليس المراد أنه لم يكن متيقناً قبل الاِرائة ، فلم يكن مطمئناً ليلزم تحقق الاِيمان مع الظن فقط .
وأيضاً إنما طلب عليه السلام كيفية الاِحياء ، فخوطب بالاِستفهام التقريري على الاِيمان بالكيف الذي هو نفس الاِحياء ، لاَن التصديق به مقدم على التصديق بالكيفية فأجاب عليه السلام بلى آمنت بقدرة الله تعالى على الاِحياء ، لكني أريد الاِطلاع على كيفية الاِحياء ، ليطمئن قلبي بمعرفة تلك الكيفية الغريبة ، البديعة ، ولا ريب أن الجهل بمعرفة تلك الكيفية لا يضر بالاِيمان ، ولا يتوقف على معرفتها . وأما سؤال الله سبحانه عن ذلك مع كونه عالماً بالسرائر ، فهو من قبيل خطاب المحب لحبيبه .
إن قلت : فما الجواب أيضاً عن قوله تعالى : وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ، فإنه يفهم من الآية الكريمة وصف الكافر المشرك بالاِيمان حال شركه ، إذ الجملة الاِسمية حالية ، فضلاً عن الاِكتفاء بالظن وما في حكمه في الاِيمان ، وهو ينافي اعتبار اليقين .
قلت : لا ، فإن الآية الكريمة إنما دلت على إخباره تعالى عنهم بالاِيمان بالصانع والتصديق بوجوده ، لكنهم لم يوحدوه في حالة تصديقهم به ، بل اعتقدوا له شريكاً
( 190 )
تعالى الله عما يشركون . وحينئذ فيجوز كونهم جازمين بوجود الصانع تعالى مع كونهم غير موحدين ، فإن التوحيد مطلب آخر ، فكفرهم كان كذلك ، فلم يتحقق لهم الاِيمان الشرعي بل الاِيمان جزء منه ، وهو غير كاف .
على أنه يجوز أن يكون المراد من الاِيمان المنسوب إليهم في الآية الكريمة التصديق اللغوي ، وقد بينا سابقاً أنه أعم من الشرعي ، وليس النزاع فيه بل في الشرعي . ويكون المعنى والله أعلم : وما يؤمن أكثرهم بلسانه إلا وهو مشرك بقلبه ، أي حال إشراكه بقلبه ، نعوذ بالله من الضلالة . ونسأله حسن الهداية . هذا ما تيسر لنا من المقال في هذا المقام .

ـ شرح المقاصد للتفتازاني ج 1 ص 266
. . . . الثالث : أنا لا نسلم أن المعرفة الكاملة لا تحصل إلا بالنظر ، بل قد تحصل بالتعليم على ما يراه الملاحدة .. أو بقول المعصوم على ما يراه الشيعة . . . .

 شبكة البتول عليها السلام  @ 11-2006  -  www.albatoul.net

إنتاج : الأنوار الخمسة للإستضافة والتصميم @ Anwar5.Net