هل الآيات المستدل بها تقصد دعاء المسألة أم دعاء العبادة ؟
وبعد أن رأينا تعدد معاني الكلمة - تعددا انعكس في استعمالات القرآن – لا بد من تحديد المعنى المقصود من الكلمة في خصوص الآيات التي تستدل بها الوهابية ، وقد نقلنا فيما سبق قول ابن فارس أن المعاني المتعددة تدور حول معنى أساس هو إمالة طرف آخر ليتوجه إليك بالصوت أو ما هو من قبيله .
231 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني |
وترى الآيات المستدل بها هي بمعنى نداء لله ولكن تتردد بين أن يكون المقصود بالنداء الطلب والسؤال أو يقصد به الثناء والتمجيد ، والأول هو ما يسمى بدعاء المسألة والثاني دعاء العبادة ، وستجد أن بعض الآيات صريحة في المعنى الأول وبعضها في الثاني وبعضها الثالث تحتمل الأمرين ، نعم هناك آيات أخرى من الواضح أن الكلمة فيها بمعنى التسمية والزعم كما في قوله تعالى ( أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا ) أي زعموا أن لله ولدا ، وسيتضح الأمر أكثر من خلال استعراض الآيات وأقوال المفسرين في تفسيرها .
آيات ظاهرة في دعاء العبادة
نذكر بعض الآيات التي يدل السياق وبنحو ظاهر على أن الحديث فيها عن دعاء العبادة : 1- ( وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيًّا * فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ) مريم / 48 . هي أوضح آية تدل على الترادف بين ( يدعو ) و ( يعبد ) في القرآن ، فلا شك أن الآية حينما بدأت بقوله ( وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ) ثم أعقبته بقوله ( فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ) أثبت الترادف بين يدعون من دون الله ويعبدون من دون الله ، وعلى نحو لم يلاحظ في مثل قوله تعالى ( مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ) معنى الطلب والمسألة .
قال البغوي : " ( وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ) أي أعتزل ما تعبدون من دون الله ، قال مقاتل : كان اعتزاله إياهم أنه فارقهم من كوثي ، فهاجر منها إلى الأرض
232 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني |
المقدسة ( وَأَدْعُو رَبِّي ) أي أعبد ربي ( عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيًّا ) أي عسى ألا أشقى بدعائه وعبادته كما أنتم تشقون بعبادة الأصنام " (1) .
وانظر كذلك إلى قول ابن الجوزي ، وديدنه أن يستقصي الآراء في تفسيره ، ولم يذكر الطلب كأحد الاحتمالات ، بل تردد المعنى عنده بين يعبدون ويسمون ، قال : " وفي معنى ( تَدْعُونَ ) قولان : أحدهما : تعبدون ، والثاني : أن المعنى وما تدعونه ربا ( وَأَدْعُو رَبِّي ) أي وأعبده ( عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيًّا ) أي أرجو أن لا أشقى بعبادته كما شقيتم أنتم بعبادة الأصنام " (2) .
وقال ابن كثير : " وقوله ( وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي ) أي أجتنبكم وأتبرأ منكم ومن آلهتكم التي تعبدونها من دون الله ( وَأَدْعُو رَبِّي ) أي وأعبد ربي وحده لا شريك له " (3) .
ومثل هذه الآية في استبدال كلمة يدعو الله بكلمة يعبد الله قوله تعالى في سورة الكهف ( إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى * وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا * هَؤُلَاء قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا * وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ ) الكهف / 13-16 .
قال الطبري : " ( لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهًا ) يقول : لن ندعو من دون رب السماوات والأرض إلها لأنه لا إله غيره ، وإن كل ما دونه فهو خلقه ( لَقَدْ قُلْنَا إِذًا
|
(1) تفسير البغوي ج3 ص166 . |
(2) زاد المسير ج5 ص 176- 177 . |
(3) تفسير ابن كثير ج3 ص 130 . |
| |
233 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني |
شَطَطًا ) يقول جل ثناؤه : لئن دعونا إلها غير إله السماوات والأرض لقد قلنا إذن بدعائنا غيره إلها شططا من القول " (1) .
2- ( وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا * وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا * قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا ) الجن/ 20 . فالصراع بين رسول الله وقريش على وحدانية الله في العبادة ولم يقصد من كملة يدعو إلا ذلك ، ولذا انتهت الآيات بقوله تعالى ( إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا ) .
قال الطبري : " يقول تعالى ذكره لنبيه محمد (ص) : ... ( وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا ) أيها الناس ( مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ) ولا تشركوا به فيها شيئا ، ولكن أفردوا له التوحيد وأخلصوا له العبادة ، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ، ... عن قتادة قوله ( وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ) كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم أشركوا بالله فأمر الله نبيه أن يوحد الله وحده ... وقوله ( وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ) يقول : وأنه لما قام محمد رسول الله (ص) يدعو الله يقول : لا إله إلا الله (كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ ) لبدا ...
عن ابن عباس قوله ( وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ) يقول : لما سمعوا النبي (ص) يتلو القرآن ... ... عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : قول الجن لقومهم ( لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ) قال : لما رأوه يصلي وأصحابه يركعون بركوعه ويسجدون بسجوده ... (2) .
|
(1) تفسير الطبري ، المجلد التاسع ، ج15 ص 259- 260 . |
(2) تفسير الطبري ، المجلد الرابع عشر ، ج29 ص 144 -146 . |
| |
234 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني |
قال البغوي : " ( لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ ) يعني النبي (ص) ( يَدْعُوهُ ) يعني يعبده ويقرأ القرآن ، وذلك حين كان يصلي ببطن نخلة ويقرأ القرآن " (1) .
ذكر ابن الجوزي عند تفسير المساجد أربعة أقوال ثم قال بعد أولها : " فأمر الله عز وجل المسلمين أن يخلصوا له إذا دخلوا مساجدهم " ، وبعد ثانيها : " فيكون المعنى لا تسجدوا عليها لغيره ، وبعد القول الثالث : " فلا تسجدوا عليها لغير خالقها " ، وبعد الرابع : " والمعنى : أخلصوا له ، ولا تسجدوا لغيره " ، فكأنه يفسر ( فَلَا تَدْعُوا ) بمعني فلا تسجدوا ، ومن الواضح أن السجود عبادة ، ثم قال بعد ذلك : " ( وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ ) يعني محمدا (ص) ( يَدْعُوهُ ) أي يعبده وكان يصلي ببطن نخلة " (2) .
وقال ابن كثير : " عن ابن عباس قال : قال الجن لقومهم ( لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ) قال لما رأوه يصلي وأصحابه يركعون بركوعه ويسجدون بسجوده ... ( إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي ) أي إنما أعبد ربي وحده لا شريك له وأستجير به وأتوكل عليه ( وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا ) " (3) .
3- ( قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي فَلاَ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ ) يونس / 104- 106 .
وهذه الآيات جمعت بين تعبيرين هما : العبادة من دون الله والدعاء من دون الله بما يظهر منه ترادف العبارتين ، لذا قال الطبري عند تفسير الآية الأخيرة : " يقول تعالى
|
(1) تفسير البغوي ج4 ص373 . |
(2) زاد المسير ج 8 ص133- 134 . |
(3) تفسير ابن كثير ج4 ص 461 . |
| |
235 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني |
ذكره ولا تدع يا محمد من دون معبودك وخالقك شيئا لا ينفعك في الدنيا ولا في الآخرة ولا يضرك في دين ولا دنيا يعني بذلك الآلهة والأصنام ، يقول : لا تعبدها راجيا نفعها أو خائفا ضرها فأنها لا تنفع ولا تضر فإن فعلت ذلك فدعوتها من دون الله ( فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ ) " (1) .
وقال البغوي : " ( وَلاَ تَدْعُ ) ولا تعبد ( مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ ) إن أطعته ( وَلاَ يَضُرُّكَ ) إن عصيته ( فَإِن فَعَلْتَ ) فعبدت غير الله (فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ) الضارين لأنفسهم الواضعين العبادة في غير موضعها " (2) .
وقال ابن الجوزي : " قوله تعالى ( وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ ) إن دعوته ( وَلاَ يَضُرُّكَ ) إن تركت عبادته " (3) .
قال ابن كثير : " يقول تعالى لرسوله محمد (ص) : قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من صحة ما جئتكم به من الدين الحنيف الذي أوحاه الله إلي ، فأنا لا أعبد الذين تعبدون من دون الله ، ولكن أعبد الله وحده لا شريك له ، وهو الذي يتوفاكم كما أحياكم ، ثم إليه مرجعكم فإن كانت آلهتكم التي تدعون من دون الله حقا فأنا لا أعبدها ، فادعوها فلتضرني فإنها لا تضر ولا تنفع ، وإنما الذي بيده الضر والنفع هو الله وحده لا شريك له ، وأمرت أن أكون من المؤمنين " (4) .
والعجيب أن ابن الوهاب يستدل بهذه الآية التي تتحدث عن دعاء العبادة على أن دعاء غير الله دعاء مسألة شرك كما في رسالته ( التوحيد ) .
|
(1) تفسير الطبري ، المجلد السابع ، ج11 ص 228 -229 . (2) تفسير البغوي ج2 ص313 . |
(3) زاد المسير ج4 ص 54 . (4) تفسير ابن كثير ج2 ص450 . |
| |
236 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني |
4- ( إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا ) النساء / 117 . والقرينة الواضحة في هذه الآية قوله تعالى ( وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا ) ، فلم تفسر إلا بعبادة الشيطان المذكورة في قوله تعالى ( أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ) ، فلا شك أن مشركي قريش لم يكونوا يدعون بمعنى يسألون الشيطان ويطلبون منه شيئا .
قال الطبري : " عن السدي ( إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا ) يقول : يسمونهم إناثا : لات ، ومناة ، وعزى ، ... يقول جل ثناؤه : فحسب هؤلاء الذين أشركوا بالله وعبدوا ما عبدوا من دونه من الأوثان والأنداد حجة عليهم في ضلالتهم وكفرهم وذهابهم عن قصد السبيل أنهم يعبدون إناثا ويدعونها آلهة وأربابا " (1) .
قال البغوي : " قوله تعالى ( إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا ) نزلت في أهل مكة ، أي : ما يعبدون كقوله تعالى ( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي ) بدليل قوله تعالى ( إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي ) ، قوله ( مِن دُونِهِ ) من دون الله ... ... ( وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا ) أي وما يعبدون إلا شيطانا مريدا ، لأنهم إذا عبدوا الأصنام فقد أطاعوا الشيطان " (2) .
قال ابن الجوزي : " ( إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا ) إن بمعنى ما ، ويدعون بمعنى يعبدون ... وفي المراد بالشيطان ثلاثة أقوال : أحدها : شيطان يكون في الصنم ... ، والثاني : أنه إبليس وعبادته : طاعته ... والثالث : أنه أصنامهم التي عبدوا " (3) .
قال ابن كثير : " وقال ابن جرير عن الضحاك في الآية : قال المشركون للملائكة بنات الله وإنا نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى ، قال : فاتخذوهن أربابا وصورهن جواري
|
(1) تفسير الطبري ، المجلد الرابع ، ج5 ص 377 -380 . (2) تفسير البغوي ج1 ص 383- 384 . |
(3) زاد المسير ج2 ص 121- 122 . |
| |
237 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني |
... وقوله ( وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا ) أي هو الذي أمرهم بذلك وحسنه وزينه لهم وهم إنما يعبدون إبليس في نفس الأمر كما قال تعالى ( أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ) " (1) .
5- ( ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ * مِن دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَل لَّمْ نَكُن نَّدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا ) غافر / 73- 74 (2) .
قال الطبري : " ( ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ * مِن دُونِ اللَّهِ ) يقول : ثم قيل: أين الذين كنتم تشركون بعبادتكم إياها من دون الله من آلهتكم وأوثانكم حتى يغيثوكم فينقذونكم مما أنتم فيه من البلاء والعذاب ، لان المعبود يغيث من عبده وخدمه ، وإنما يقال هذا لهم توبيخا ... فقالوا : ضلوا عنا ، يقول : عدلوا عنا فأخذوا غير طريقنا ، وتركونا في هذا البلاء ، بل ما ضلوا عنا ولكنا لم نكن ندعو من قبل في الدنيا شيئا : أي لم نكن نعبد شيئا " (3) .
قال البغوي : " ( ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ * مِن دُونِ اللَّهِ ) يعني الأصنام ( قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا ) فقدناهم فلا نراهم ( بَل لَّمْ نَكُن نَّدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا ) قيل : أنكروا ، وقيل : معناه بل لم نكن ندعو من قبل شيئا ينفع ويضر ، وقال الحسين ابن الفضل : أي لم نكن نصنع من قبل شيئا أي ضاعت عبادتنا لها ،كما يقول من ضاع عمله : ما كنت أعمل شيئا " (4) .
|
(1) تفسير ابن كثير ج1 ص 568 - 569 . (2) ومثل هذه الآية قوله تعالى ( وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَدْعُونَ مِن قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ ) فصلت / 48 ، لذا قال البغوي : " ( وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَدْعُونَ ) يعبدون (مِّن قَبْلُ) في الدنيا " ، ج4 ص105 من تفسيره . (3) تفسير الطبري المجلد 12 ، ج23 ص 106- 107 . (4) تفسير البغوي ج4 ص 93 . |
| |
238 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني |
قال ابن كثير : " وقوله تعالى ( ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ * مِن دُونِ اللَّهِ ) أي قيل له أين الأصنام التي كنتم تعبدونها من دون الله هل ينصرونكم اليوم ( قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا ) أي ذهبوا فلم ينفعونا ( بَل لَّمْ نَكُن نَّدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا ) أي جحدوا عبادتهم كقوله جلت عظمته ( ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَاللّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ) " (1) .
|
(1) تفسير ابن كثير ج4 ص 95 . | |
|