ارتباك ومفارقة بين ابن تيمية والمدرسة الوهابية
فينبغي هنا أن نكرر ما هية الأمر الذي حقق الشرك ، قلنا يظهر من بعض كلمات ابن تيمية أن معيار الوقوع في الشرك هو الطلب المباشر من المدعو لقضاء الحاجة التي لا يقدر عليها إلا الله دون طلب الشفاعة منه لذلك.
ويظهر من عبارات أخرى أنه يشمل دعاء وطلب الشفاعة عند الله بل هو صريح قول ابن عبدالوهاب : " إن الله أعطاه الشفاعة ونهاك عن هذا فقال ( فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ) ... فصح أن الملائكة يشفعون والأولياء يشفعون والأفراط يشفعون ، أتقول : إن الله أعطاهم الشفاعة فأطلبها منهم ؟ " (1) .
وهذا الأخير هو مقتضى النظرية الوهابية التي تقوم على فرضية أن المشركين موحدون لله في الربوبية ، إذ ينبغي أن تحمل تلك العبارات على طلب الشفاعة لقضاء الحوائج لا الطلب المباشر من الآلهة ، فتوحيدهم لله في الربوبية يعني أنهم يرون أن الأمور بيد الله وهو الذي يقضي الحاجات وهذه الآلهة لا شأن لها في الخلق والتدبير بل كل ما يطلب منها هو الشفاعة عند الله لقضاء الحاجة ، وعليه حتى لو كان ظاهر كلام الداعي هو الطلب المباشر يجب حمله على طلب الشفاعة وأنه نوع تجوز منه في الإسناد أي أنه في الحقيقة يريد من الشفيع المدعو أن يطلب من الله ويسأله قضاء حاجته لا أن المدعو يقضي الحاجة مباشرة .
|
(1) شرح كشف الشبهات ص 93 -94 . |
| |
213 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني |
لكن مصيبة هذا الرأي أنه يقيد الدعاء والطلب بقيد ما لا يقدر عليه المدعو ، في حين طلب الشفاعة في مقدور المدعو ، فإذا طلبت من رسول الله أن يشفع فهو قادر عليه وليس هو من قبيل طلب إحياء الموتى الذي لا يقدر عليه .
ولكن ابن تيمية عنون عنوان مطلق الدعاء لقضاء الحاجة ، فميز بين أمرين كما نقلنا سابقا قال : " إحداها : أن يدعو غير الله وهو ميت أو غائب سواء كان من الأنبياء والصالحين أو غيرهم فيقول : يا سيد فلان أغثني ... أو انصرني على عدوي ... فهذا شرك بهم وإن كان يقع كثير من الناس في بعضه .
الثانية : أن يقال للميت أو الغائب من الأنبياء والصالحين : ادع الله لي أو ادع لنا ربك أو اسأل الله لنا ... ، فهذا أيضا لا يستريب عالم أنه غير جائز وأنه من البدع التي لم يفعلها أحد من سلف الأمة ... " .
فترى أن ابن تيمية يعتبر أن الطلب المباشر من صاحب القبر لقضاء الحاجة هو الموجب للشرك ، وأما الثاني الذي ليس طلبا للأمر بل طلب الدعاء والشفاعة فلم يدخله في الشرك بل اعتبره بدعة .
ومشكلة رأي ابن تيمية هذا أنه خلاف الفرضية التي قامت عليها نظريتهم وهي اعتبار المشركين موحدين في الربوبية ، فانظر إلى الارتباك ، فما عده ابن تيمية بدعة عده هؤلاء الوهابيون شركا .
|