الخلل الأول في تعريفهم
ويتلخص في أنهم عرفوا المتعبد به لا العبادة أي التعبد ، قال صالح الفوزان : " والعبادة لا بد من معرفة معناها ، هي الذلة والخضوع هذا أصلها في اللغة ، يقال طريق معبد يعني طريق ذللته الأقدام بوطئها .
وأما العبادة في الشرع فهي كما عرفها شيخ الإسلام ابن تيمية ( ر ) : اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة ، العبادة هي فعل ما شرعه الله سبحانه وتعالى ، الصلاة عبادة والصوم عبادة والحج عبادة ، وصلة الأرحام عبادة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عبادة ، والإحسان إلى اليتيم عبادة إلى آخره ، كل ما شرعه الله فهو عبادة ، ليست العبادة أن الإنسان يتقرب إلى الله بشيء من عند نفسه فهذه بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، إذا العبادة ما شرعه الله من الأقوال والأعمال
174 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني |
الظاهرة والباطنة ، لأن العبادة منها ما هو على الجوارح والأعضاء الظاهرة مثل الصلاة والجهاد في سبيل الله ، هذا ظاهر على الجوارح تتحرك تعمل ، ومنها ما هو على اللسان مثل الذكر ( سبحان الله والحمد لله ) هذه عبادة باللسان ، ومنها ما هو بالقلب مثل الخوف والخشية والرغبة والرهبة والرجاء هذه أعمال قلوب ، فالعبادة تكون على القلوب وتكون على الألسنة وتكون على الجوارح " (1) .
فالذي تراه أنهم يدورون حول فلك ما نقل عن ابن تيمية في تعريف العبادة وقوله : العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة ، وهو تعريف للشيء بمصاديقه أو تعريف للمتعبد به وليس بيانا لحقيقة الشيء ، وقد أكد الفوزان على تعريف ابن تيمية بقوله : العبادة هي فعل ما شرعه الله سبحانه وتعالى ، الصلاة عبادة والصوم عبادة والحج عبادة .
ولكن من الواضح أن الكلمة في مثل قولنا : اعبدوا الله وعبادة الله ، ولا تعبدوا الأصنام وعبادة الأصنام - وهو الاستعمال الذي نريد أن البحث فيه والمقصود في آيتي الزلفى و الشفعاء - لا يقصد بها هذا المعنى فليس المقصود الإشارة إلى الأفعال بل إلى المحرك والباعث القلبي والقصدي في أداء الأعمال الخاصة ، فالمعنى اقصدوا الله ولا تقصدوا الأصنام وأنتم تقومون بالأعمال المتعبد بها ، فمن قصد الله وخضع له بالعمل المتعبد به فقد عبد الله واتخذه إلها فهذه عبادة الله ، ومن قصد به الصنم فقد عبده واتخذه إلها ، وقد اتضح ذلك عند استعراض تعريفات اللغويين والمفسرين في بيان المقصود بالعبادة ، وكذلك كان واضحا في كلمات الفقهاء .
وأما عندما يقال الصلاة عبادة فلا يقصد بها ما قصد في كلمات علماء الإسلام السابقة التي كانت في صدد تعريف التعبد ، بل المقصود أن الصلاة مما يتعبد به الله أي عمل إذا أقامة المكلف بقصد الخضوع الخاص لله فقد قام بعبادة الله ، فالصلاة مصداق
|
(1) إعانة المستفيد ج1 ص 39 – 40 . |
| |
175 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني |
من مصاديق عبادة الله كما أن الصوم مصداق آخر ، ولكن ليس هو حقيقة العبادة ، وكما أن حقيقة الطاعة ليست هي العمل المطاع به ، فحينما نريد أن نتحدث عن طاعة العبد المملوك لمولاه ونسأل ما هي حقيقة طاعته ؟ يقال في الجواب خضوعه الخاص النابع من مملوكيته له ، ولا يقال إن الطاعة هنا اسم جامع لمجموع الأعمال التي يطيع بها العبد مولاه كتقديم الماء الذي يطلبه المولى أو شراء المتاع الذي يطلبه ، نعم هي طاعة بمعنى أنها أعمال تتحقق بها الطاعة .
وكمثال آخر لا يقال في تعريف حقيقة الإنسان هو اسم جامع لكل أفراد الإنسان ، بل هو الحيوان المتميز عن غيره من الحيوانات بالعقل والإدراك الخاص ، كذلك لا يصح أن يقال في تعريف العبادة وبيان حقيقتها هي اسم جامع لأفراد العبادات ، نعم الصلاة عبادة أي مصداق للعبادة كما أن زيد إنسان أي مصداق للإنسان .
ولا نريد أن نقول إن الكلمة لا تستعمل بمعنى الفعل المتعبد به ، فلا شك أنها تستعمل بهذا المعنى ، بل بعض السابقين عرفها بذلك ولكنه أراد تعريف المتعبد به كما في قول السرخسي : " والعبادة اسم لما يكون المرء بمباشرته مطيعا لربه " (1) ، وكذلك ما نقله الخازن في تفسيره : " والعبادة أقصى غاية الخضوع والتذلل ، وسمي العبد عبدا لذلته وانقياده ، وقيل : العبادة عبارة عن الفعل الذي يؤدى به الفرض لتعظيم الله تعالى " (2) ، فظاهر القول الآخر أنه يريد تعريف المتعبد به لا أنه في قبال التعريف الأول الذي هو لنفس التعبد .
|
(1) أصول السرخسي ج1 ص 83 . |
(2) تفسير الخازن ج1 ص 20 . |
| |
176 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني |
إقرار الوهابيين بوجود استعمالين للكلمة
وقد صرح الوهابيون بوجود استعمالين للكلمة ، فأقر بذلك ابن عثيمين - وهو من كبار علمائهم - قائلا : " والعبادة تطلق على شيئين : الأول : التعبد بمعنى التذلل لله – عز وجل – بفعل أوامره واجتناب نواهيه محبة وتعظيما . الثاني : المتعبد به ، فمعناها كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة . مثل ذلك الصلاة ففعلها عبادة وهو التعبد ، ونفس الصلاة عبادة وهو المتعبد به ، فإفراد الله بهذا التوحيد أن تكون عبدا لله وحده تفرده بالتذلل محبة وتعظيما وتعبده بما شرع " (1) . وهكذا تجد هذا التفريق في ما كتبه الدكتور محمد الخميس قال : " أما معنى العبادة في الاصطلاح : فهي توحيد الله بالذل والخضوع مع كمال المحبة والطاعة ...
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : العبادة المأمور بها تتضمن معنى الذل ومعنى الحب فهي تتضمن غاية الذل لله بغاية المحبة له ومن خضع لإنسان مع بغضه له لا يكون عابدا له ، ولو أحب شيئا ولم يخضع له لم يكن عابدا له كما يحب الرجل ولده وصديقه .
ولهذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله تعالى بل يجب أن يكون الله أحب إلى العبد من كل شيء وأن يكون الله أعظم عندهم من كل شيء بل لا يستحق المحبة والذل التام إلا الله ، وكل ما أحب لغير الله فمحبته فاسدة وما عظم بغير أمر الله فتعظيمه باطل ... .
|
(1) القول المفيد ج1 ص 14 - 15 . |
| |
177 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني |
ويطلق اسم العبادة على الأعمال الشرعية التي تفعل تقربا إلى الله ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية : العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة " (1) .
وجذور هذا التفريق تجده في كلمات ابن تيمية نفسه ، قال : " ودين الإسلام مبني على أصلين وهما : تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، فلا تحب مخلوقا كما تحب الله ولا ترجوه كما ترجو الله ولا تخشاه كما تخشى الله ، ومن سوى بين المخلوق والخالق في شيء من ذلك فقد عدل بالله ... ، وقد جعل مع الله إلها آخر وإن كان مع ذلك يعتقد أن الله وحده خلق السماوات الأرض ، فإن مشركي العرب كانوا مقرين بأن الله وحده خلق السماوات والأرض كما قال تعالى ( وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ) ... الأصل الثاني : أن نعبده بما شرع على ألسن رسله ... ، والدعاء من جملة العبادات فمن دعا المخلوقين من الموتى والغائبين واستغاث بهم – مع أن هذا أمر لم يأمر به الله ولا رسوله أمر إيجاب ولا استحباب – كان مبتدعا في الدين مشركا برب العالمين " (2).
والغريب في عبارة ابن تيمية أنه خلط بين العبادة بمعنى التعبد والعبادة بمعنى العمل الذي أجاز الشرع التعبد به أي السنة في مقابل العمل الذي يعد التعبد به بدعة ، وفي ختام كلامه تحدث عن العبادة بما لم يأمر به الله ولا رسوله ومقتضى ذلك أن يوصف العمل بالبدعة ولكنه أعقب ذلك كله بنتيجة لا علاقة لها بالمقدمات وهي تحقق الشرك برب العالمين ، ومخالفة الأصل الأول يوجب الوقوع في الشرك ومخالفة الأصل الثاني يوجب الوقوع في البدعة ، فلا أعرف هل جهلا أم عمدا خلط بين الأمرين مع وضوح الفرق بين ما يوجبه كل منهما ؟!
|
(1) سبيل الهدى والرشاد في بيان حقيقة توحيد رب العباد ص 332 . |
(2) مجموعة الفتاوى ج1 ص 218 . |
| |
178 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني |
ونهاية ، من الواضح أننّا حينما نقول فلان وحد الله في العبادة ولم يشرك بربه في ذلك يعني قصد الله ولم يقصد غيره في التعبد ، وحينما نقول إن الصلاة عبادة يعني عملاً شرعه الله للتعبد في مقابل قولنا إن صوم الصمت ليس عبادة في شرع خاتم الرسل يعني عمل لم يشرع ولم يجز الشرع التعبد به .
وأما إذا قلنا الصلاة عبادة والزواج ليس عبادة فنحن نتحدث عن الأعمال التي يشترط في صحتها نية الإخلاص والأعمال التي لا يشترط فيها ذلك ، ومجرد إمكان فعلها تقربا إلى الله لا يدخلها في العبادة الاصطلاحية .
والذي تلاحظه من استقراء التعريفات التي ذكرها علماء الإسلام جميعا قبل ابن تيمية وبعده - عدا مقلديه - أنهم لا يدخلون العمل الذي يخضع ويتعبد به الإنسان لله في جوهر تعريف العبادة بمعنى التعبد ، بل هو أمر بدأ مع ابن تيمية وتبعه الذين تبنوا الرؤية الوهابية للتوحيد والشرك ، فالعلماء قديما وحديثا عندما يعرفون العبادة بمعنى التعبد لا يذكرون المتعبد به كجزء من التعريف ، نعم الوهابيون هم الذين يؤكدون على دخوله في تعريف العبادة بمعنى التعبد ، فحتى ابن عثيمين الذي ميز بين الأمرين وبنحو جيد رجع وتبعهم في الخلل فأضاف قيد : " وتعبده بما شرع " على تعريف توحيد العبادة بما يكشف خضوعه ثقافيا للرؤية السابقة الخاطئة .
|