الارتباك الوهابي في تحديد الاصطلاح الشرعي
يجب على الوهابية أن تنقح المقصود بالعبادة في قوله تعالى ( مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا ... ) وقوله تعالى ( وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ ... ) وتحدده تحديدا دقيقا ، فحديثنا يدور حول معنى العبادة التي تحققت عند هؤلاء المشركين المذكورين في الآيتين السابقتين ونريد تحديد الأمر الذي أوجب وقوعهم في عبادة غير الله ، ونهاية تحديد معيار الشرك ، وبطبيعة الحال نقصد غير ما حدده وبينه علماء الإسلام كما نقلنا في الفقرات السابقة .
فالخصم سيقول : ما يفعله المسلمون من التوسل بصاحب القبر ليس من العبادة لصاحب القبر بل الأمر بالعكس هي عبادة لله كما كان السجود لآدم (ع) عبادة لله وكما يتوسل الإنسان ويتقرب إلى الله من خلال الصلاة متجها للكعبة والطواف حولها ، فزيارة الولي والتوسل به مما شرعه الله كما شرع الصلاة ، فالعبادة لله وليست عبادة لصاحب القبر ، وأما المشركون في الآية فيصرحون بأن عبادتهم للآلهة والأصنام أي قصدوا تلك الآلهة في العبادة ، وإن كانت عبادتهم لتلك الآلهة والأصنام بقصد التقرب إلى الله .
وقد أشار ابن عبدالوهاب إلى الدفاع المذكور ، ولكن للأسف لا تجد في كلماته أي تحديد لمعنى العبادة وهي المفردة الأساسية في الموضوع بل هو دائما يذكر المصاديق والأمثلة التي أخطأ في اعتبارها مصاديق للعبادة ، قال في تقرير ذلك : " فإن قال : أنا لا أشرك بالله شيئا حاشا وكلا ، ولكن الالتجاء إلى الصالحين ليس بشرك ، فقل له : إذا
169 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني |
كنت تقر أن الله حرم الشرك أعظم من تحريم الزنا وتقر أن الله لا يغفره ، فما هذا الأمر الذي حرمه الله وذكر أنه لا يغفره ؟! فإنه لا يدري . فقل له : كيف تبرئ نفسك من الشرك وأنت لا تعرفه ؟ أم كيف يحرم الله عليك هذا ويذكر أنه لا يغفره ولا تسأل عنه ولا تعرفه ، أتظن أن الله يحرمه ولا يبينه لنا ؟ فإن قال : الشرك عبادة الأصنام ، ونحن لا نعبد الأصنام ، فقل له : ما معنى عبادة الأصنام ؟ أتظن أنهم يعتقدون أن تلك الأخشاب والأحجار تخلق وترزق وتدبر أمر من دعاها ؟ فهذا يكذبه القرآن . وإن قال : هو من قصد خشبة أو حجراً أو بنية على قبر أو غيره ، يدعون ذلك ويذبحون له ويقولون إنه يقربنا إلى الله زلفى ، ويدفع الله عنا ببركته أو يعطينا ببركته . فقل : صدقت وهذا هو فعلكم عند الأحجار والأبنية التي على القبور وغيرها ، فهذا أقر أن فعلهم هذا هو عبادة الأصنام فهو المطلوب .
ويقال له أيضا : قولك : الشرك عبادة الأصنام ، هل مرادك أن الشرك مخصوص بهذا وأن الاعتماد على الصالحين ودعاؤهم لا يدخل في ذلك ؟ فهذا يرده ما ذكر الله في كتابه من كفر من تعلق على الملائكة أو عيسى أو الصالحين ، فلا بد أن يقر لك أن من أشرك في عبادة الله أحدا من الصالحين فهو الشرك المذكور في القرآن وهذا هو المطلوب. وسر المسألة أنه إذا قال : أنا لا أشرك بالله ، فقل له : وما الشرك بالله ؟ فسره لي . فإن قال : هو عبادة الأصنام ، فقل له : وما معنى عبادة الأصنام ؟ فسرها لي ، فإن قال : أنا لا أعبد إلا الله ، فقل له : ما معنى عبادة الله ؟ فسرها لي ، فإن فسرهما بما بينه القرآن فهو المطلوب ، وإن لم يعرفه فكيف يدعي شيئا وهو لا يعرفه ؟ وإن فسر ذلك بغير معناه بينت له الآيات الواضحات في معنى الشرك بالله وعبادة الأوثان وأنه الذي يفعلونه في هذا الزمان بعينه " (1) .
|
(1) شرح كشف الشبهات ص 95- 99 . |
| |
170 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني |
مسرحية كتبها ووضع إجابات للتساؤلات وافترض خصما جاهلا جل إجاباته لا أدري !! يقول ابن عبدالوهاب : " فإنه لا يدري ، فقل له : كيف تبرئ نفسك من الشرك وأنت لا تعرفه ؟ " ، ثم بعد أن يعتبر العبادة : " هو من قصد خشبة أو حجراً أو بنية على قبر أو غيره " يقول وبكل جرأة : " صدقت وهذا هو فعلكم عند الأحجار والأبنية التي على القبور وغيرها " ، فمن أقر لك بذلك ؟!! الخصم الجاهل الموهوم في ظلمات رؤيتك ، ثم يقول : " فلا بد أن يقر لك أن من أشرك في عبادة الله أحدا من الصالحين فهو الشرك المذكور في القرآن وهذا هو المطلوب " ، عجبا من هذه التفاهات كيف عدت علما يتبع ؟!!
ألم يأت في ذهنه أن الخصم لا يقف عند القول : " هو من قصد خشبة أو حجراً أو بنية على قبر أو غيره ، يدعون ذلك ويذبحون له ويقولون إنه يقربنا إلى الله زلفى " بل يكمل ويقول : " ونحن لا نقوم بذلك بل نعبد الله ، فنقصده ونعبده بعبادة مشروعة من قبله وإن كانت تلك العبادة طوافا حول أحجار سميت بيته الحرام أو تقبيلا لحجر أسود أو زيارة لقبر نبيه الكريم (ص) ، ولا يعد ذلك عبادة للبيت الحرام ولا للحجر الأسود ولا لقبر نبيه الكريم (ص) " .
المهم أن كلماته في العبارات السابقة تدور حول قصد الوسائط بالعمل المتعبد به كمعيار لتحقق الشرك ، وهو المصرح به في قوله : " وإن قال : هو من قصد خشبة أو حجراً أو بنية على قبر أو غيره ، يدعون ذلك ويذبحون له ويقولون إنه يقربنا إلى الله زلفى ، ويدفع الله عنا ببركته أو يعطينا ببركته " .
واعتبار أن قصد تلك الموجودات بالعبادة هو الموجب للشرك أمر صحيح في نفسه ، ولكن المشكلة في أنه يجزم أن ما يفعله المسلمون عند قبور الأولياء هو من هذا القبيل ، بل مصيبته وأمثاله أن الخصم يقول له : أنا لا أفعل ذلك ، فيرد بقوله : أنت تفعل ذلك ، وأما مجرد وجود واسطة في بعض الأعمال المشروعة التي أمر بها الله فلا
171 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني |
يمكن أن يكون موجب الشرك وإلا فبر الوالدين مما دعا إليه الشرع ولا يمكن العمل به إلا بتبجيل الوالدين تقربا إلى الله .
وفي موضع آخر يظهر منه أنه يعتبر دعاء غير الله هو الأمر الموجب للوقوع في الشرك ، قال : " فإن قال : أنا لا أعبد إلا الله وهذا الالتجاء إلى الصالحين ودعاؤهم ليس بعبادة . فقل له : أنت تقر أن الله فرض عليك إخلاص العبادة لله وهو حقه عليك ، فإذا قال : نعم ، فقل له : بين لي هذا الذي فرض عليك وهو إخلاص العبادة لله وحده ، وهو حقه عليك ، فإن كان لا يعرف العبادة ولا أنواعها ، فبينها له بقولك : قال الله تعالى ( ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) الأعراف/55 ، فإذا أعلمته بهذا فقل له : هل علمت هذا عبادة لله ، فلا بد أن يقول : نعم ، والدعاء مخ العبادة ، فقل له : إذا أقررت أنها عبادة ودعوت الله ليلا ونهارا خوفا وطمعا ثم دعوت في تلك الحاجة نبيا أو غيره ، هل أشركت في عبادة الله غيره ؟ فلا بد أن يقول : نعم ... " .
فكأنه عدل عما قاله سابقا فاعتبر الموجب للوقوع في الشرك هنا هو الدعاء ، فالتوسل بالأولياء عند القبر والطلب منهم دعاء ، وما دام ينطبق عليه عنوان الدعاء فيجب أن يوجه لله وتوجيهه لغيره شرك ، ولم يعين حدا للعبادة بحيث ينطبق هذا الحد على الدعاء ، مع أن الوهابية هي من يقسم الدعاء إلى نوعين دعاء عبادة ودعاء مسألة ، فمن الذي أقر لك بأن الدعاء الواقع هنا هو دعاء عبادة وليس دعاء مسألة ؟! ثم يتابع كلامه قائلا : " وقل له أيضا : المشركون الذين نزل فيهم القرآن هل كانوا يعبدون الملائكة والصالحين واللات وغير ذلك ؟ فلا بد أن يقول : نعم ، فقل به : وهل كانت عبادتهم إياهم إلا في الدعاء والذبح والالتجاء ونحو ذلك ! وإلا فهم مقرون أنهم عبيده وتحت
172 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني |
قهره وأن الله هو الذي يدبر الأمر ، ولكن دعوهم والتجأوا إليهم للجاه والشفاعة وهذا ظاهر جدا " (1) .
فهنا يصرح ابن عبدالوهاب الدعاء بأنه الدعاء للجاه والشفاعة فهل بذلك صدق دعاء العبادة ، انظر كيف يقول للخصم : ما معنى عبادة الأصنام ؟ فسرها لي ، وما معنى عبادة الله ؟ فسرها لي ، وهو لا يفسرها بل يكتفي بذكر الأمثلة والمصاديق التي أخطأ في اعتبارها مصاديق للعبادة ، ولا تجد تعريفا للعبادة عند ابن عبدالوهاب ولا لتوحيد العبادة أو الشرك في العبادة حتى في كتابه ( التوحيد ) فضلا عن كتابه (كشف الشبهات ) ، وكل ما يفعله مصادرة لدعوى أن ما يفعل عند القبور عبادة .
نعم سلفه ابن تيمية يعرّف العبادة بقوله أنها : " اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة " (2) ، وهو تعريف يبين لك السر في أن ابن عبدالوهاب يجيب الخصم بذكر الأمثلة والمصاديق ، إذ إنها مشكلة تنطلق من أنهم يتحدثون عن العبادة بمعنى المتعبد به ، فلذا لم يستطع ابن تيمية أن يعرفه إلا بقوله هو ما يجمع الأقوال والأفعال المتعبد بها .
وقال حفيد ابن عبدالوهاب : " قال شيخ الإسلام : العبادة هي طاعة الله بامتثال ما أمر به على ألسنة الرسل ، وقال أيضا : العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة ، قال ابن القيم : ومدارها على خمس عشرة قاعدة من كمّلها كمّل مراتب العبودية وبيان ذلك أن العبادة منقسمة على القلب واللسان والجوارح والأحكام التي للعبودية خمسة واجب ومستحب وحرام ومكروه ومباح ، وهن لكل واحد من القلب واللسان والجوارح ... " (3) .
|
(1) شرح كشف الشبهات ص 87 -90 . |
(2) مجموعة الفتاوى ج10 ص 91 . |
(3) تيسير العزيز الحميد ص 35 - 36 . |
| |
173 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني |
فتراه يذكر تعريفين لابن تيمية ، ومشكلة التعريف الثاني للعبادة بأنها الاسم الجامع لكل ما يحبه الله ... الخ أنه تعريف للأفعال المتعبد بها وليس لحقيقة العبادة أي التعبد ، ولكن حتى هذا أي المتعبد به أخطأوا في تعريفه وتحديده !
والتعريف الأول أي قوله بأنها طاعة ... الخ وإن كان الأقرب إلى حديث عن التعبد ولكنه جعل مطلق الطاعة عبادة ، وهذا لا يقول به أحد فلو أنقذت مسلما من الموت أو أنفقت على زوجتك وعيالك فما تقوم به طاعة لله ، ولكنها ليست عبادة قطعا ، نعم هي عمل يمكن التقرب به إلى الله لو نوى فعله قربة لله ، ولكنه ليس عبادة من العبادات كما أن الصلاة عبادة .
وكل الخلل الوهابي في التعرف يعود إلى خلط الأمرين السابقين عند تعريف حقيقة العبادة ، وإليك تفصيل ذلك مع استعراض لكلمات مناصرين آخرين للرؤية الوهابية
|