العبادة في كلمات العلماء
من الطبيعي هنا أن نرجع إلى ما قاله علماء الإسلام في تعريف العبادة باعتبار انتفاء الاختلاط بين المعنى اللغوي والشرعي عندهم ، والمقصود بهم العلماء الذين لم ينطلقوا من الرؤية الوهابية ويمثلهم كل الأجيال السابقة على ابن تيمية وابن عبدالوهاب ومن حافظ على رؤية الأجيال السابقة وفهمهم ممن أتى بعدهما .
وسيظهر لك أن جزءا كبيراً من الخلل من الناحية الفكرية نبع من سوء الفهم لكلمة العبادة وتعريفها ، ثم في تحديد النقطة أو الفعل الذي أوجب وقوع القائلين في الآيتين بالشرك أي ما نقل في القرآن من قول المشركين ( مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا ) وقولهم ( هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ ).
ولاشك أنك تجد مقدارا من البحث حول الأمر في كتب العقيدة ، كما تجد بحثا عن المعنى القرآني والشرعي للمفردة عند المفسرين عند تفسيرهم لآيات من قبيل قوله تعالى ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) الحمد / 4 ، وقوله عز وجل ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ
135 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني |
وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) الذاريات / 56 ، وينبغي معها ملاحظة الأحاديث والآثار الواردة عند تتبع كلماتهم ، وكذلك تجد جزءا من الحديث في كتب الفقه عند التعرض للعبادات كمقابل للمعاملات ، وسيتبين أن العبادة الموجبة للشرك عرفت من قبل علماء العقيدة والتفسير ، ولكن لم تحدد على نحو مصاديق دقيقة ومحددة إلا في كلمات الفقهاء الذين تحدثوا عن العبادات في مقابل المعاملات ، أي العبادات التي يشترط فيها نية القربى إلى الله بل هو قوامها ، وهي الأعمال التي لو قصد بها الإنسان غير الله لوقع في شرك في العبادة ، ونقول بعبارة أخرى غير الفقهاء تحدثوا عن العبادة بمعنى التعبد وأما الفقهاء فقد تحدثوا عن العبادة بمعنى العمل المتعبد به ، ولنبدأ بكلمات المفسرين .
قال الطبري : " وتأويل قوله ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ ) : لك اللهم نخشع ونذل ونستكين إقرارا لك يا ربنا بالربوبية لا لغيرك . ... عن عبدالله بن عباس قال : قال جبريل لمحمد (ص) قل يا محمد : إياك نعبد ، إياك نوحد ونخاف ونرجو يا ربنا لا غيرك ، ... لأن العبودية عند جميع العرب أصلها الذلة ، وأنها تسمى الطريق المذلل الذي وطئته الأقدام وذللته السابلة : معبدا ... ، ومن ذلك قيل للبعير المذلل بالركوب في الحوائج معبد ، ومنه سمي العبد عبدا لذلته لمولاه " (1) .
قال السمرقندي : " ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ ) أي نوحد ونطيع ، وقال بعضهم ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ ) يعني إياك نطيع طاعة نخضع فيها لك " (2) .
وقال الزمخشري : " والعبادة أقصى غاية الخضوع والتذلل ، ومنه ثوب عبدة إذا كان غاية في الصفاقة وقوة النسج ، ولذلك لم تستعمل إلا في الخضوع لله تعالى لأنه مولى أعظم النعم فكان حقيقا بأقصى غاية الخضوع " (3) .
|
(1) تفسير الطبري ج1 ص 103 ، وخبر ابن عباس رواه ابن أبي حاتم في تفسيره ج1 ص 29 . |
|
(2) تفسير السمرقندي ج1 ص 43 . |
(3) الكشاف ج1 ص 10 . | |
136 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني |
وقال القرطبي في تفسيره : " ونعبد معناه نطيع والعبادة الطاعة والتذلل وطريق معبد إذا كان مذللا للسالكين قاله الهروي ، ونطق المكلف به إقرار بالربوبية وتحقيق لعبادة الله تعالى إذ سائر الناس يعبدون سواه من أصنام وغير ذلك " (1) .
وقال في تفسير ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ) البقرة/21 : " قوله تعالى ( اعْبُدُواْ ) أمر بالعبادة له ، والعبادة هنا عبارة عن توحيده والتزام شرائع دينه وأصل العبادة الخضوع والتذلل يقال : طريق معبدة إذا كانت موطوءة بالأقدام ، قال طرفة : وظيفا وظيفا فوق مور معبد ، والعبادة : الطاعة ، والتعبد : التنسك ، وعبّدت فلانا : اتخذته عبدا " (2) .
وقال ابن الجوزي في تفسير قوله تعالى ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) الذاريات/ 56 : " والرابع : إلا ليخضعوا إلي ويتذللوا ، ومعنى العبادة في اللغة : الذل والانقياد ، وكل الخلق خاضع ذليل لقضاء الله عز وجل لا يملك خروجا عما قضاه الله عز وجل هذا مذهب جماعة من أهل المعاني " (3) .
قال البغوي : " ( نَعْبُدُ ) أي نوحدك ونطيعك خاضعين ، والعبادة الطاعة مع التذلل والخضوع وسمي العبد عبدا لذلته وانقياده ، يقال طريق معبد أي مذلل " (4) .
قال ابن عطية : " وقوله تعالى ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ ) نطق المؤمن به إقرار بالربوبية وتذلل وتحقيق لعبادة الله إذ سائر الناس يعبدون سواه من أصنام وغير ذلك ... ونعبد معناه نقيم الشرع والأوامر مع تذلل واستكانة ، والطريق المذلل يقال له معبد وكذلك البعير " (5) .
|
(1) الجامع لأحكام القرآن ج1 ص 142 . (2) المصدر السابق ج1 ص 216 - 217 . |
(3) زاد المسير ج7 ص 259 . (4) تفسير البغوي ج1 ص 14 . |
(5) المحرر الوجيز ج1 ص 75 -76 . |
| |
137 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني |
قال الواحدي : " و ( نَعْبُدُ ) من العبادة وهي الطاعة مع الخضوع ، ولا يستحقها إلا الله عز وجل وسمي العبد عبدا لذلته وانقياده لمولاه ، وطريق معبد إذا كان مذللا بالأقدام " (1) .
قال البيضاوي : " والعبادة : أقصى غاية الخضوع والتذلل ومنه طريق معبد أي مذلل ، وثوب ذو عبدة إذا كان في غاية الصفاقة ولذلك لا تستعمل إلا في الخضوع لله تعالى " (2) .
قال ابن كثير : " والعبادة في اللغة من الذل يقال طريق معبد وبعير معبد أي مذلل ، وفي الشرع عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف " (3) ، وقال في سورة النجم : " ثم قال تعالى آمرًا لعباده بالسجود له والعبادة له والعبادة المتابعة لرسوله (ص) والتوحيد والإخلاص ( فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا ) أي فاخضعوا وأخلصوا ووحدوه " (4).
وقال النسفي : " والمعنى نخصك بالعبادة وهي أقصى غاية الخضوع والتذلل " (5) .
وقال الثعالبي : " و ( نَعْبُدُ ) معناه نقيم الشرع والأوامر مع تذلل واستكانة ، والطريق المذلل يقال معبد وكذلك البعير " (6) .
وقال عبدالعزيز السلمي : " كلمة التوحيد تدل على التكليف بالواجب والحرام إذ معناه لا معبود بحق إلا الله ، والعبادة هي الطاعة مع غاية الذل والخضوع " (7) .
|
(1) الوسيط ج1 ص 68 . (2) تفسير البيضاوي ج 1 ص 6 (3) تفسير ابن كثير ج1 ص 27 . |
(4) تفسير ابن كثير ج4 ص279 . (5) تفسير النسفي ج1 ص 9 . |
(6) الجواهر الحسان ج1 ص41 . (7) الإمام ص 169 . |
| |
138 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني |
وقال ابن القيم : " العبادة تجمع أصلين : غاية الحب بغاية الذل والخضوع ... فمن أحببته ولم تكن خاضعا له لم تكن عابدا له ، ومن خضعت له بلا محبة لم تكن عابدا له حتى تكون محبا خاضعا " (1) .
قال الآلوسي : " والعبادة أعلى مراتب الخضوع ... ، وقيل : لا تستعمل إلا في الخضوع له سبحانه وما ورد من نحو قوله تعالى ( إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ) وأراد على زعمهم تعريضا لهم ونداء على غباوتهم ، وتستعمل بمعنى الطاعة ، ومنه ( أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ) ، وبمعنى الدعاء ومنه ( إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي )، وبمعنى التوحيد منه ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) ، وكلها متقاربة المعنى " (2) .
وأما علماء الشيعة فقد قال الشيخ الطوسي في تفسيره ( التبيان ) : " والعبادة ضرب من الشكر مع ضرب من الخضوع ، ولا تستحق إلا بأصول النعم التي هي خلق الحياة والقدرة والشهوة وما يقدر من النعم لا يوازيه نعمة منعم ، فلذلك اختص الله بأن يعبد وإن استحق بعضنا على بعض الشكر .
والعبادة في اللغة الذلة يقال هذا طريق معبد إذا كان مذللا بكثرة الوطء وبعير معبد أي مذلل بالركوب ... وسمي العبد عبدا لذلته لمولاه " (3) .
|
(1) مدراج السالكين ج1 ص 74 . |
(2) روح المعاني ج1 ص 144 . |
(3) التبيان في تفسير القرآن ج1 ص 37 |
| |
139 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني |
وقال في موضع آخر : " والعبادة خضوع بالقلب في أعلى مراتب الخضوع ، فكل طاعة فعلت على هذا الوجه فهي عبادة " (1) .
وكذلك قال الطبرسي في ( مجمع البيان ) وأضاف ذكر الفارق بينها وبين مطلق الطاعة : " والعبادة ضرب من الشكر وغاية فيه لأنها الخضوع بأعلى مراتب الخضوع مع التعظيم بأعلى مراتب التعظيم ولا يستحق إلا بأصول النعم التي هي خلق الحياة والقدرة والشهوة ولا يقدر عليه غير الله تعالى ، فلذلك اختص سبحانه بأن يعبد ولا يستحق بعضنا على بعض العبادة كما يستحق بعضنا على بعض الشكر ، وتحسن الطاعة لغير الله تعالى ولا تحسن العبادة لغيره وقول من قال إن العبادة هي الطاعة للمعبود يفسده بأن الطاعة موافقة الأمر وقد يكون موافقا لأمره ولا يكون عابدا له ألا ترى أن الابن يوافق أمر الأب ولا يكون عبدا له وكذلك العبد يطيع مولاه ولا يكون عابدا بطاعته إياه والكفار يعبدون الأصنام ولا يكونون مطيعين لهم إذ لا يتصور من جهتهم الأمر " (2) .
وقال الشيخ البلاغي : " لا يزال العوام والخواص يستعملون لفظ العبادة على رسلهم ومجرى مرتكزاتهم على طرز واحد كما يفهمون ذلك المعنى بالتبادر ويعرفون بذوقهم مجازه ووجه التجوز فيه ، وإن المحور الذي يدور عليه استعمالهم وتبادرهم هو أن العبادة ما يرونه مشعرا بالخضوع لمن يتخذه الخاضع إلها ليوفيه بذلك ما يراه له من حق الامتياز بالإلهية أو بعنوان أنه رمز أو مجسمة لمن يزعمونه إلها تعالى الله عما يشركون " (3) .
|
(1) التبيان في تفسير القرآن ج5 ص 355 . |
(2) مجمع البيان ج 1 ص 26 . |
(3) آلاء الرحمن ص 57 . |
| |
140 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني |
قال السيد الطباطبائي : " العبد هو المملوك من الإنسان أو من كل ذي شعور بتجريد المعنى كما يعطيه قوله تعالى ( إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا ) ، والعبادة مأخوذة منه وربما تفرقت اشتقاقاتها أو المعاني المستعملة هي فيها لاختلاف الموارد ، وما ذكره الجوهري في الصحاح أن أصل العبودية الخضوع فهو من باب الأخذ بلازم المعنى وإلا الخضوع متعد باللام والعبادة متعدية بنفسها . وبالجملة فكأن العبادة هي نصب العبد نفسه في مقام المملوكية لربه ، ولذلك كانت العبادة منافية للاستكبار ... " (1) .
وقال السيد السبزواري في تفسيره ( مواهب الرحمن ) : " العبادة الطاعة ، وأصل المادة تنبئ عن الذل والخضوع والاستكانة والانقهار في أي هيئة استعملت ، ومنها العبد والمملوك ، فالمادة تشمل العبودية التسخيرية والعبودية الاختيارية والعبادات الباطلة الاعتقادية ... . والعبادة خضوع خاص ناشئ عن الاعتقاد بأن للمعبود عظمة ولا يحيط بها العقل في المعبود الحقيقي لعدم وصول إدراك إلى عظمته فضلا عن ذاته ... لذا لا تصدق العبادة على الخضوع بالنسبة إلى غيره تعالى " (2) .
استعمال آخر للكلمة لكن فيما يلي من الكلمات التي نعرضها ستجد أن هناك استعمالا آخر للكلمة غير ما بينه السابقون في كلماتهم . فالرازي كما قال في تفسيره : " العبادة عبارة عن نهاية التعظيم وهي لا تليق إلا بمن صدر عنه غاية الإنعام " (3) قال كذلك : " أما العبادة فهي فعل أو قول أو ترك فعل
|
(1) الميزان في تفسير القرآن ج1 ص 24 . (2) مواهب الرحمن ج1 ص 37 . |
(3) تفسير الفخر الرازي ، المجلد الأول ، ج1 ص 246 . |
| |
141 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني |
أوترك قول ويؤتى به لمجرد اعتقاد أن الأمر به عظيم يجب قبوله ، وأما الإخلاص فهو أن يكون الداعي له إلى الإتيان بذلك الفعل أو الترك مجرد هذا الانقياد والامتثال " (1) .
وتجد هذين الاستعمالين فيما نقله الزركشي من تعاريف العلماء ، قال : " العبادة يتعلق بها مباحث ، الأول : فى حقيقتها : قال الإمام فى الأساليب : هي التذلل والخضوع وبالتقرب إلى المعبود بفعل أوامره . وقال المتولي : فعل يكلفه الله عباده مخالفا لما يميل إليه الطبع على سبيل الاستيلاء . وقال المروزى : ما ورد التعبد به قربة لله تعالى . وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي فى كتاب الحدود : العبادة والتعبد والنسك بمعنى واحد وهو الخضوع ، والعبادة ما تعبدنا به على وجه القربة والطاعة . وقيل : العبادة ما كان العابد لأجلها عابدا . وقيل : ما اشتق اسم العابد منها . وقيل : ما كان طاعة لله عز وجل ، وقيل : ما كان قربة إليه ، قال : وهذان ليسا بصحيحين فقد يكون الشيء طاعة وليس بعبادة ولا قربة وهو النظر والاستدلال المؤديان إلى معرفة الله تعالى في ابتداء الأمر ، انتهى .
وقال القاضي عبد الوهاب : هي الطاعة بالتزام الخضوع والاستسلام ، والتعبد استدعاء ذلك من العبد ، وقد تطلق على مجرد الطاعة كقوله تعالى ( لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ ) " (2) .
فكما ترى بين عبارتي الرازي تفاوت في العبادة المعرّفة ، وقد بين معنى العبادة أبو إسحاق الشيرازي فيما نقله الزركشي ، ونقل تعاريف أخرى بعضها تعريف للعبادة
|
(3) تفسير الفخر الرازي ، المجلد الثالث عشر ، ج 26 ص 240 . |
(1) المنثور ج 2 ص 367 . |
| |
142 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني |
بمعنى التعبد وهو ما نريد تحديده والحديث عنه في هذه المرحلة وبعضها الآخر للعبادة بمعنى الفعل المتعبد به كالصلاة التي هي أجلى مصاديقها .
هل هناك شيء غير المعنى اللغوي ؟ من الواضح أن كلمات علماء الإسلام من غير الوهابيين لا تخرج عن المعنى اللغوي كثيرا ، بل تميزه بحالة خاصة من الخضوع والتذلل هي قمة الخضوع والتذلل التي لا تكون إلا للمعبود ذي العظمة الخاصة ومن تنبع منه النعم ، وكلها تعريف للعبادة بمعنى التعبد ، ولذا هي تعبر عن حالة قصدية ونفسية تجاه موجود مميز وعظيم ، وكما أن الخوف والمهابة عنصر أساس في هذا الخضوع كذلك الحب والرجاء لأنه خضوع وتذلل لمحبوب مهاب ، وليس هو مثل خضوع العبد لمالكه الذي يمكن أن يقوم على مجرد الخوف .
|