متون الكتب :  
الفهارس :  
أسماء الكتب والمؤلفين :  
المطلوب من القارئ التدقيق في تفاصيل الرد التالي
الكتاب : الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني    |    القسم : مكتبة رد الشبهات

المطلوب من القارئ التدقيق في تفاصيل الرد التالي

فنقول : نعم هذا الذي يجعلنا نقول وبنحو جازم إن الآية - لو افترضنا أن الكلام ليس بكذب من القائل - تتحدث عن عقيدة هي لبعض المشركين لا كلهم وقد أسندنا هذا الأمر ، وهذا البعض - الذي خرج عن مقتضى العادة والأصل من التلازم بين الربوبية والعبودية - يحتمل أن يكون أحد النوعين التاليين من الوثنيين :
1- هم البعض الذين ذكرناهم في التفسير الثالث لإقرار المشركين بخالقية الله ، فهو إقرار حقيقي لقسم من المشركين ممن عبر عنهم بالنبلاء الذين آمنوا بوحدانية الله في الربوبية ولكن أشركوا في الألوهية ، ففي الآية تفصيل زائد في عقيدتهم وهو أن علة عبادتهم لتلك الآلهة تنحصر في تقريبها إلى الله ونيل الشفاعة ، فالقول في آية الزلفى خاص بهؤلاء النبلاء من المشركين .

2- هم بعض ممن قلنا إن إقرارهم ليس حقيقيا بل هو إما بلسان الفطرة التي يخالفونها فعلا أو إقرار بخالقية الله وتدبيره باعتباره الأكبر في الإبداع والخلاّقية دون توحيده في ذلك ، أي هو بعض يفترض دخوله تحت التفسيرين الأول والثاني لآيات الإقرار .

إذ لا يمتنع أن يكون بعض هؤلاء الذين ثبت شركهم في الربوبية خرجوا عن مقتضى القاعدة وبدل أن يعبدوا غير الله لعقيدتهم بأنها أرباب تضر وتنفع بذاتها ،

120 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

ومع ذلك هم يقولون نحن نعبدها لا لأنها تمتلك تلك القدرات بل كي تقربنا إلى الله ، ولذا قالوا ( مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ) .

والحصيلة أن التلازم الذي تبنيناه بين الربوبية والألوهية إنما هو تلازم عادي عرفي وليس حقيقيا ، بمعنى هو الغالب عند البشر عمليا ، فلا مانع من أن يوجد بين البشر من يفصل بين الأمرين ، فقد يوجد من يعبد الموجود لا يعتقد بخالقيته وضره ونفعه الذاتيين ، كما قد يوجد من لا يعبد من يعتقد بخالقيته وضره ونفعه الذاتيين انطلاقا من هذه الصفات بل يعبده لسبب آخر ، والآية تذكر مقولة عن أحد هذين النوعين اللذين خالفا مقتضى القاعدة .

وعليه فالفرق بين البعض المذكورين هنا والبعض المذكورين في التفسير الثالث للإقرار ، أن البعض المذكور هناك لم يؤمنوا بأن للآلهة قدرات ذاتية خارقة ومع ذلك عبدوها ، والبعض المذكورين هنا لم يعبدوها بسبب وجود قدرات ذاتية خارقة مع اعتقادهم بأن لها مثل هذه القدرات ، بل عبدوها لسبب آخر هو التقرب إلى الله .

لكن الأقرب أنهم كاذبون
فظاهر حال هؤلاء القائلين في الآية أنهم في صدد تبرير ما هم عليه من الشرك وأرادوا رد إشكال أورد عليهم ، وقد صرح عدد من المفسرين بأن مقولتهم تلك جاءت في هذا السياق ، وأنه إشكال قيل تبعا لإقرارهم بالله كخالق – إما بلسان الفطرة أو بالخالقية دون التوحيد كما بينا - ومتفرع عنه ، فقد روي عن قتادة قوله : " وذلك أنهم كانوا إذا قيل لهم : من ربكم وخالقكم ومن خلق السماوات والأرض ؟ قالوا : الله ، فيقال لهم : ما معنى عبادتكم الأوثان ؟ قالوا : ليقربونا إلى الله زلفى ... ويشفعوا لنا عنده " (1) .

 

(1) تفسير البغوي ج4 ص 61 .

 
 

121 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

وقد صرح البقاعي أنهم في صدد الاعتذار عن أمر : " ولما كان من العجب العجيب فعلهم هذا بين ما وجهوا به فعلهم ليكون آية بينة في أنه لا هدى لهم فقال ( مَا ) أي القائلين لمن أخلصوا له الدين إذ أنكروا عليهم أن يتخذوا من دونه وليا ( مَا نَعْبُدُهُمْ ) لشيء من الأشياء ( إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا )، ... وسره أنهم أرادوا بهذا الاعتذار المسكت عن قبيح صنيعهم " (1) .

وكذلك قال دروزة : " ويلوح من حكاية اعتذار المشركين عن شركهم وزعمهم أنهم إنما يعبدون الشركاء ليكونوا لهم سبب قربى إلى الله أن الآيات نزلت بسبيل التعقيب على مشهد مناظرة وجدل بين النبي  وبينهم أو بسبيل تسجيله والتنديد بهم من أجله " (2) .

وقد صرح الشيخ ابن عاشور بأن هناك تشنيعاً عليهم فأرادوا المعذرة لأنفسهم ، فقال : " والاستثناء في قوله ( إِلَّا لِيُقَرِّبُوناَ ) استثناء من علل محذوفة أي ما نعبدهم لشيء إلا لعلة أن يقربونا إلى الله ، فيفيد قصرا على هذه العلة قصر قلب إضافي ، أي دون ما شنعتم علينا من أن كفرنا نعمة خالقنا إذ عبدنا غيره ، وقد قدمنا آنفا من أنهم أرادوا به المعذرة " (3) .

وهذا يعني أنهم لم يكونوا في صدد الحديث عن عقيدة واضحة عندهم وإنما كانوا في حال جدل ورد إشكالات آنية وكانوا محرجين في رد بعض الإشكالات القوية ، فكأنما أشكل عليهم بأنكم كفرتم نعمة الإله الأكبر وحططتم من قدره بعبادة الصغار فأجابوا بهذا الجواب ( مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ) ، وهو جواب مستعجل آني غير مدروس ، ويشعر بذلك ختم الآية بقوله تعالى ( إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ

 

(1) نظم الدرر ج6 ص 416 .

(2) التفسير الحديث ج4 ص 298 . (3) التحرير والتنوير ج24 ص 14 .  
 

122 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ) ، فهو أمر مختلف فيه ، تخرصوا فيه فجمعوا بين الكفر والكذب .

قال ابن عاشور : " ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ )... وهو كناية عن كونهم كاذبين في قولهم ( مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ ) وعن كونهم كفارين بسبب ذلك وكناية عن كونهم ضالين " (1) .

وقفة أخيرة آخر هذا الفصل
وقبل أن ننتقل للفصل الأساسي ، نقول للوهابية : لو سلمنا معكم بأن المشركين اعتقدوا بأن هناك بنات لله وليس لهؤلاء البنات أي دخل في التدبير بل كانت مجرد وجودات يستشفع بها .

ولكن يكفي فرقا بين المسلمين والمشركين أنه لا يوجد أحد من المسلمين يعتقد بأن هناك أبناء وبنات لله كما اعتقد المشركون والنصارى واليهود ، ألا يكفي ذلك في التفريق بين المسلمين وبين المشركين ، ألا يكفي اعتبار القرآن أن مجرد ادعاء الولد لله هو أكبر افتراء تكاد السماوات تتفطر منه كما في قوله ( وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا ) مريم / 88 - 91 .

وبعبارة أخرى ألا يمكن أن يكون محقق الشرك عند المشركين مجرد اعتقادهم بأن لله بنات ، إذ لا شك بأن هناك نوعاً من التجانس يجعل الإله الصغير ابنا وبنتا لله ، ولنقل إن هذا التجانس لا يوجب قدرات تدبيرية للابن ويبقى التدبير بيد الإله الأعظم ، ألا يكفي أن نقول أن هذا هو الفارق الكبير بين المسلم وغيره ، فيكفي في الحكم بشركهم وكفرهم تلك العقيدة وإن قيل بأنهم يعتقدون بأن الخالق والمدبر الأوحد هو الله ،

 

(1) المصدر السابق ج24 ص 15 .

 
 

123 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

ويكفي في الحكم بإسلام المسلم اعتقاده بأن الخالق المدبر هو الله الذي ( لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ ) التوحيد ، فلا يوجد بين المسلمين من يؤمن بوجود أبناء وبنات لله خلافا لهؤلاء المشركين .

كيف تجرأتم وجعلتم من يشهد الشهادتين ويشهد بأن الله لم يلد ولم يولد ويشهد بأنه لا تجوز عبادة غير الله مشركا ومساويا لمن يعتقد بأن لله بنات ويعتقد بأن هذه الآلهة البنات تعبد كما يعبد الله تعالى عن سخافات وضلالات المشركين ، وشرُف وكرُم المسلمون عن مثل توصيف الوهابيين وغيرهم من التكفريين ؟!!

ولننتقل إلى الفصل الثاني والجوهري وهو شرك الإلوهية الذي اتهم به الوهابيون المسلمين ، فرأيهم في موجبات الوقوع في شرك الإلوهية بلا شك بدعة حرانية وهابية لم يسبقهم إليها أحد ، خلافا للخطأ الذي بحثنا عنه في هذا الفصل فقد قال به عدة من السابقين ، ولذا لا يبتني عليه الفصل التالي ، بمعنى أن الوهابية ضلت في خطئها الكبير المبحوث عنه في الفصل التالي وإن ثبت أن المشركين موحدون في الربوبية .


 شبكة البتول عليها السلام  @ 11-2006  -  www.albatoul.net

إنتاج : الأنوار الخمسة للإستضافة والتصميم @ Anwar5.Net