عود إلى آيات الإقرار الأساسية في الباب
فالأهم هي آيات الإقرار بخالقية الله ودراسة مدى دلالتها على توحيد المشركين في الربوبية ، ونحن قبل أن نعرض الرأي الصحيح في تفسيرها نريد أن نقول أهم ما يدل على خطأ من تبنى دلالتها على توحيد المشركين في الربوبية هو مجموع ما عرضناه في الباب الأول والذي خلص إلى وضوح اعتقاد المشركين بأن آلهتهم لها قدرتها الذاتية على الضر والنفع وهو يعني نوعا من الاعتقاد بربوبية تلك الآلهة .
ثم من الواضح لكل من يراجع التفاسير بأن هناك عدداً كبيراً من قدماء العلماء والمفسرين لم يذهبوا إلى الرأي السابق في تفسيرها ولم يقبلوه ، وتفاوت متبنياتهم في الآيات بين ثلاث :
التفسير الأول : أنهم ينطقون بلسان الفطرة وهو رأي الطرف الآخر من المفسرين الذين اعتبروا جواب المشركين جواب المبهوت الذي لا بد أن يذعن للحقيقة أو هي لسان الفطرة السليمة والعقل الباطني الناطق بالحق أو معلق على الإنصاف ، وإليك كلمات بعض كبار المفسرين في ذلك :
قال القرطبي في سورة يونس : " ( فَسَيَقُولُونَ اللّهُ ) لأنهم كانوا يعتقدون أن الخالق هو الله أو فسيقولون هو الله إن فكروا وأنصفوا " ، وفي سورة المؤمنون : " فـ ( فَسَيَقُولُونَ اللّهُ ) و لابد لهم من ذلك " (1) .
وقال ابن الجوزي في سورة يونس : " ( فَسَيَقُولُونَ اللّهُ ) لأنهم خوطبوا بما لا يقدر عليه إلا الله ، فكان في ذلك دليل توحيده " ، نعم قال في سورة العنكبوت : " ( وَلَئِن سَأَلْتَهُم ) يعني كفار مكة ، وكانوا يقرون بأنه الخالق الرازق ، وإنما أمره أن يقول ( الْحَمْدُ لِلَّهِ ) على إقرارهم لأن ذلك يلزمهم الحجة ، فيوجب عليهم التوحيد ( بَلْ
|
(1) تفسير القرطبي ، المجلد الرابع ، ج 8 ص 247 ، المجلد السادس ج12 ص 134 |
| |
107 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني |
أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ) توحيد الله مع إقراراهم بأنه الخالق " (1) ، لكن مع ذلك ظاهر كلامه أنهم لا يوحدون أبدا في شيء .
قال الزمخشري في سورة يونس : " ( وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ ) ومن يلي تدبير أمر العالم كله ، جاء بالعموم بعد الخصوص ( أَفَلَا تَتَّقُونَ ) أفلا تتقون لأنفسكم ولا تحذرون عليها عقابه فيما أنتم بصدده من الضلال ( ذَلِكُمْ ) إشارة إلى من هذه قدرته وأفعاله ( رَبُّكُمُ الْحَقُّ ) الثابت ربوبيته ثباتا لا ريب فيه لمن حقق النظر " ، وقال في سورة المؤمنون : " ومعناه ألا تتذكرون فتعلموا أن من فطر الأرض ومن فيها اختراعا كان قادرا على إعادة الخلق وكان حقيقا بأن لا يشرك به ببعض خلقه في الربوبية " (2) .
وقال ابن عطية في سورة يونس : " ( فَسَيَقُولُونَ اللّهُ ) لا مندوحة لهم عن ذلك ولا تمكنهم المباهتة بسواه " ، وقال في سورة المؤمنون : " ( قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ... ) أمر الله تعالى نبيه بتوقيفهم على هذه الأشياء التي لا يمكنهم إلا الإقرار بها ، ويلزم من الإقرار بها أن يؤمنوا بباريها " وقال في سورة العنكبوت : " ثم خاطبه تعالى بأمر الكفار وإقامة الحجة عليهم بأنهم إن سئلوا عن الأمور العظام التي هي دلائل القدرة لم يكن لهم إلا التسليم بأنها لله تعالى " (3) .
وقال البيضاوي في سورة يونس : " ( فَسَيَقُولُونَ اللّهُ ) إذ لا يقدرون على المكابرة والعناد في ذلك لفرط وضوحه " ، وقال في سورة المؤمنون : " ( سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ) لأن العقل الصريح قد اضطرهم بأدنى نظر إلى الإقرار بأنه خالقها " (4) .
|
(1) زاد المسير ج4 ص 22 ، ج6 ص 145 . (2) الكشاف ج2 ص 189 ، ج3 ص 54 . (3) المحرر الوجيز ج9 ص 38 ، ج11 ص 248 - 249 ، ج12 ص 237 . (4) أنوار التنزيل ج1 ص434 ، ومثله الآلوسي في روح المعاني ، المجلد السابع ، ج11 ص161 ، أنوار التنزيل ج2 ص110 |
| |
108 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني |
وقال الغرناطي في سورة يونس : " ( قُلْ مَن يَرْزُقُكُم ) الآية : احتجاج على الكفار بحجج كثيرة واضحة لا محيص لهم عن الإقرار بها " ، وقال في سورة المؤمنون ( قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا ) هذه الآيات توقيف [ أي سؤال ] لهم على أمور لا يمكنهم الإقرار بها وإذا أقروا بها ألزمهم توحيد خالقها والإيمان بالدار الآخرة " (1) .
وقال الثعالبي في سورة يونس : " ( فَسَيَقُولُونَ اللّهُ ) أي لا مندوحة لهم عن ذلك ولا تمكنهم المباهتة بسواه " ، وقال في سورة المؤمنون : " أمر الله تعالى نبيه (ص) بتوقيفهم على هذه الأشياء التي لا يمكنهم إلا الإقرار بها ويلزم من الإقرار بها توحيد الله " (2) .
قال الشوكاني في سورة يونس : " ( فَسَيَقُولُونَ اللّهُ ) أي سيكون قولهم في جواب هذه الاستفهام إن الفاعل لهذه الأمور هو الله سبحانه إن أنصفوا وعملوا ما يوجبه الفكر الصحيح والعقل السليم " ، وقال في سورة المؤمنون : " ( سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ) أي لا بد لهم أن يقولوا ذلك لأنه معلوم ببديهة العقل " (3) .
قال الطوسي : " ( وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ ) أي ومن الذي يدبر جميع الأمور في السماء والأرض ، وليس جواب ذلك لمن أنصف ولم يكابر إلا أن يقول : الله الفاعل لجميع ذلك " (4) ، ولكنه في آيتي المؤمنون والعنكبوت صرح بالنظرية الأخرى التي قوامها أن إقرارهم حقيقي ، وإنما كان شركهم في العبادة فقط .
|
(1) التسهيل لعلوم التنزيل ج1 ص 356 ، ج2 ص 56 ، والظاهر وجود خطأ في العبارة والصحيح لا يمكنهم إلا الإقرار بها . |
|
(2) الجواهر الحسان ج2 ص 96 ، ج2 ص 431 . |
(3) فتح القدير ج2 ص504 ، ج3 ص 586 . |
(4) التبيان ج 5 ص 371 . | |
109 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني |
وقال فتح الله الكاشاني في سورة يونس : " ( فَسَيَقُولُونَ اللّهُ ) إذ لا يقدرون على المكابرة والعناد في ذلك لفرط وضوحه " ، وقال في سورة المؤمنون : " ( سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ) لأن العقل الصريح قد اضطرهم بأدنى نظر إلى الإقرار بأنه خالقها " (1) .
ما روي عن أهل البيت (ع) في بيان حقيقة الإقرار . روى الكليني بسند حسن بل صحيح عن زرارة عن أبي جعفر الباقر (ع) قال : " قال رسول الله (ص) كل مولود يولد على الفطرة يعني المعرفة بأن الله عز وجل خالقه ، كذلك قوله تعالى ( وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ) " (2) ، و النص صريح في أن الإمام (ع) يرى أن الجواب جواب الفطرة ، وهو ما ذكره البيضاوي في تفسيره .
قال العلامة المجلسي في شرح الخبر : " ( كذلك قوله ) أي هذه الآية أيضا محمولة على هذا المعنى ( وَلَئِن سَأَلْتَهُم ) أي كفار مكة كما ذكره المفسرون أو الأعم كما هو أظهر من الخبر ( لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ) لفطرتهم على المعرفة ، وقال البيضاوي : لوضوح الدليل المانع من إسناد الخلق إلى غيره بحيث اضطروا إلى إذعانه ، انتهى ، والمشهور أنه مبني على أن كفار قريش لم يكونوا ينكرون أن الصانع هو الله ، بل كانوا يعبدون الأصنام لزعمهم أنها شفعاء عند الله " (3) .
فمن الواضح أن العلامة المجلسي يعتبر جواب الإمام (ع) هو خلاف لما اشتهر عند البعض . وفي خبر آخر صحيح رواه الكليني عن أبي هاشم الجعفري قال : سألت
|
(1) زبدة التفاسير ج3 ص 207 ، ج4 ص 459 ، ومثله المشهدي في كنز الدقائق ج6 ص 53 ، ج9 ص 207 . (2) الكافي ج2 ص 12- 13 ، وحسن الخبر العلامة المجلسي في ( مرآة العقول ) ج7 ص 57 ، (3) مرآة العقول ج7 ص 58 . |
| |
110 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني |
أبا جعفر الثاني (ع) ما معنى الواحد ؟ فقال : إجماع الألسن عليه بالوحدانية ، لقوله ( وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ) " (1) .
فمن الواضح أنه لا يراد من ذكر الآية القول بأن الألسن اجتمعت على الوحدانية حقيقية وإلا أصبح معنى الكلام أنه لا يوجد مشركون ، بل يريد الإمام (ع) التنبيه على لسان الفطرة الإنسانية يجمع ويتفق على التوحيد وأن جوابهم المذكور في الآية هو مقتضى الفطرة لا ما يعتقدون فعلا ، فهي بمعنى الرواية السابقة ، ولذا قال العلامة المجلسي في شرح الخبر : " كقوله ( لَئِن سَأَلْتَهُم ) أي جميع الخلق إذا رجعوا إلى أنفسهم وجانبوا الأغراض الفاسدة التي صرفتهم عن مقتضى عقولهم أو المراد به مشركو مكة ، فإن شركهم كان في المعبودية لا الخالقية " (2) .
|
(1) الكافي ج1 ص 118 وصحح الخبر العلامة المجلسي في ( مرآة العقول ) ج2 ص49 ، ورواه الصدوق عن الكليني في كتاب التوحيد ص 83 ، ورواه بطريق آخر بدون ذكر الآية في ص 82 وفي معاني الأخبار ص5 ، ورواه العلامة المجلسي في البحار ج3 ص 208 عن المحاسن بدون إضافة الآية وعن الاحتجاج وأضاف بعد الآية " بعد ذلك له شريك وصاحبة !! " بصيغة الاستنكار . (2) مرآة العقول ج2 ص 49 -50 . |
| |
111 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني |
الحق أن الخبر الثاني بيان لمعنى الواحدية لا دليل على التوحيد ما قلناه بناء على تفسير الخبر الثاني على أنه حديث عن دليل التوحيد وسيقت الآية لبيان اتفاق الناس على التوحيد ، ولكن الأرجح أن الخبر الثاني لا يقصد التوحيد ودليله ، بل يريد بيان معنى الوحدة في قوله تعالى ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) كما صرح به في الخبر برواية الاحتجاج إذ فيه : " قلت لأبي جعفر الثاني (ع) : قل هو الله أحد ما معنى الأحد ؟ قال : المجمع عليه الوحدانية " ثم استشهد عليه السلام بالآية ، والحصيلة أن الإمام (ع) لم يستشهد بالآية لبيان إقراراهم بوحدانيته بل بواحديته أي هو موجود واحد متفق عليه في الألسن لا ينطبق إلا على موجود واحد ، ولكن من البشر من وحده في خالقيته ورازقيته وعبادته ومنهم من أضاف إليه شركاء صغار في التدبير والعبادة .
لذا قال الشعراني في تعليقته على شرح المازندارني لأصول الكافي : " إشكال آخر ، وهو أن اتفاق العقول وإجماع الألسن على وجود الله تعالى ليس دليلا على وحدته ، كيف وأكثر الناس مشركون ، وليس من شأن الإمام الاستدلال على التوحيد بإجماع الناس ، فالأوضح إرجاع الجواب إلى بيان معنى الوحدة ليستقيم المعنى ولا يرد الإشكال ... ومعنى الوحدة فيه ( تعالى ) أنه متشخص بذاته وكل من تلفظ بلفظ الله أو تصور معناه فإنما يشير إلى ذلك الواحد بعينه وإن كان مشركا " (1) .
والحصيلة أن هذا الرأي في تفسير آيات الإقرار يدور حول أنه بلسان الفطرة التي انحرفوا عنها ، ويقرب منه عبارة لا تمكنهم المباهتة الذي يعني الجواب المرتكز في الفطرة السليمة ، أو أنها بلسان غير الجاحد لمقتضى الأدلة ، ولكنهم فعلا جاحدون ، وقريب منه القول بأنه مقيد بقيد عقلي أي إن أنصفوا .
|
(1) شرح أصول الكافي ج4 ص26 . |
| |
112 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني |
وهي عبارات متقاربة ، ولذا اعتبرناها قولا واحدا ، ويمكن تقرير الأمر بنحو آخر ، فنقول إن حقيقة قول المشركين هو إقرار وليس بإقرار ، وكأن الجواب جواب العقل الباطن عندهم ، فهناك معلومة ارتكازية في النفس واللاوعي ومعلومة أخرى مناقضة في الوعي وعند حضور الذهن ، ويكون المعتقد غير ملتفت للتناقض بينهما ، فالقرآن في العبارة الأولى يريد أن يحيى الحقيقة التي في اللاوعي والمرتكز النفسي عند المشركين ، ثم يلفت إلى التناقض بينه وبين معتقدهم بوجود آلهة أخرى ، فالإقرار الأول ليس بمعنى الإقرار بتوحيد الله في الخلق والتدبير ملتفت إليه ، بل بمعنى ما في مرتكزهم واللاوعي ، وأما مع الالتفات فهم يعتقدون بأنه الخالق والمدبر الأكبر وهو أمر لا يتعارض في معتقدهم مع وجود مدبرين آخرين أو موجودات أخرى تضر وتنفع ومستقلة في ذلك .
|