آلهة من دون الله
وهنا كذلك نوافقهم في الأصل اللغوي لكلمة الإله ، ولكن المشكلة التي تواجه الوهابيين هنا هي كالسابقة ، وخلاصتها : لو بقي الأصل اللغوي ملحوظا أي أن يقصد بالكلمة مجرد عبادة من عد إلها فكيف يستعملها في مورد رد شرك الربوبية في قوله تعالى ( لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ) الأنبياء / 22 وكذلك قوله تعالى ( مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ ) المؤمنون / 91 ،
44 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني |
فهل هناك معنى معقول لأن يقال لو كان فيهما معبودان إلا الله لفسدتا ؟! فالآية صريحة ومعناها لو كان مؤثران مستقلان في تدبير شئون السماوات والأرض لفسدتا ، وهل يمكن التشكيك في أن الحديث عن الربوبية ؟! نعم المعنى اللغوي الأولي للكلمة هو ما ذكروه ، قال الخليل بن أحمد قال في مادة ( أله ) : " والتأله التعبد قال رؤبة : [ من الرجز ] سبحن واسترجعن من تألهي ... ، والله لا تطرح الألف من الاسم إنما هو ( الله ) على التمام ، وليس ( الله ) من الأسماء التي يجوز منها اشتقاق فعل كما يجوز في ( الرحمن الرحيم ) ... ويسمون الأصنام التي يعبدونها آلهة ويسمون الواحد إلها افتراء على الله " (1) .
وقال إسماعيل الجوهري : " أله بالفتح إلاهة أي عبد عبادة ، ومنه قرأ ابن عباس ( رض ) ( ويذرك وإلاهتك ) بكسر الهمزة ، قال : وعبادتك ، وكان يقول : إن فرعون كان يعبد في الأرض ، ومنه قولنا الله ، وأصله إلاه على فعال بمعنى مفعول لأنه مألوه أي معبود ، كقولنا : إمام فعال بمعنى مفعول لأنه مؤتم به فلما أدخلت عليه الألف واللام حذفت الهمزة تخفيفا لكثرته في الكلام " (2) .
وقال ابن فارس : " أله الهمزة واللام والهاء أصل واحد وهو التعبد فالإله الله تعالى وسمي بذلك لأنه معبود ويقال : تأله الرجل إذا تعبد … " (3) .
والذي نريد التنبيه عليه أن الكلمتين تستعمل إحداهما محل الأخرى دون مراعاة لأصلها اللغوي ، والسبب في ذلك أن الألوهية لا تنفك في ذهن العرف الديني عند البشر عن ربوبية، وقد نبه إلى هذه الحقيقة الأزهري فيما نقله عن البعض ، قال :" قال الليث : بلغنا إن اسم الإله الأكبر هو الله لا إله إلا الله وحده ... ، والتأله التعبد ... . قال أبو الهيثم : فالله أصله إلاه ، قال الله جل وعز ( مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ ) .
|
(1) كتاب العين ص 35 . |
(2) الصحاح للجوهري ج6 ص 2223 . |
(3) معجم مقاييس اللغة 69 . |
| |
45 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني |
قال : ولا يكون إلها حتى يكون معبودا وحتى يكون لعابده خالقا ورازقا ومدبرا وعليه مقتدرا ، فمن لم يكن كذلك فليس بإله وإن عبد ظلما بل هو مخلوق ومتعبد .
قال : وأصل إله ولاه فقلبت الواو همزة كما قالوا : للوشاح إشاح وللوجاج إجاج ومعنى ولاه أن الخلق إليه يولهون في حوائجهم ويفزعون إليه فيما يصيبهم ويفزعون إليه في كل ما ينوبهم كما يوله كل طفل إلى أمه " (1) ، فلاحظ قوله : " ولا يكون إلها حتى يكون معبودا وحتى يكون لعابده خالقا ورازقا ومدبرا وعليه مقتدرا فمن لم يكن كذلك فليس بإله " ، فهذا هو الارتباط بين الأمرين في نظر العرف الديني حتى عند المشركين .
نعم الراغب ذكر احتمالات أخرى في تحديد المنطلق اللغوي لإطلاق كلمة إله قائلا : " وإله جعلوه اسما لكل معبود لهم ، وكذا الذات وسموا الشمس إلهة لاتخاذهم إياها معبودا وأله فلان يأله عبد ، وقيل : تأله فالإله على هذا هو المعبود . وقيل : هو من أله أي تحير ، وتسميته بذلك إشارة إلى ما قال أمير المؤمنين : كل دون صفاته تحبير الصفات وضل هناك تصاريف اللغات ، وذلك أن العبد إذا تفكر في صفاته تحير فيها ... وقيل : أصله ولاه فأبدل من الواو همزة ، وتسميته بذلك لكون كل مخلوق والهاً نحوه إما بالتسخير فقط كالجمادات والحيوانات وإما بالتسخير والإرادة معا كبعض الناس ... وقيل : أصله من لاه يلوه لياها أي احتجب ، قالوا : وذلك إشارة إلى ما قال تعالى : ( لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ ) والمشار إليه بالباطن في قوله ( وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ) ، وإله حقه أن لا يجمع إذ لا معبود سواه ، لكن العرب لاعتقادهم أن ههنا معبودات جمعوه فقالوا : الآلهة ، قال تعالى ( أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَا ) ... " (2) .
|
(1) تهذيب اللغة ج6 ص 223 . |
(2) المفردات في غريب القرآن ص 21 . |
| |
46 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني |
وكل المنطلقات التي ذكرها تجتمع على أن هناك عظمة مميزة في الموجود الذي يسمى بإله لوحظت في استعمال الكلمة ، عظمة ترتبط بقدراته الفائقة والمميزة بحيث لا يمكن أن يكون في مصاف المخلوقات التي تستمد قوتها من الخارج بل هي قادرة بذاتها ، وقد لخص في العبارة التي ذكرها الأزهري : " ومعنى ولاه أن الخلق إليه يولهون في حوائجهم ويفزعون إليه فيما يصيبهم ويفزعون إليه في كل ما ينوبهم ... " ، فكلمة ( إله ) وإن كانت بمعنى المعبود عند العرب ولكنه معبود انطلاقا من أن الخلق يولهون في حوائجهم إليه ويفزعون إليه في كل ما ينوبهم ، ولذا لا ينفك ذلك عن كونه مؤثرا ضارا ونافعا بنفسه لقدرته الذاتية المستقلة .
إقرار الوهابية بأن كلمتي الرب والإله تستعمل إحداهما مكان الأخرى والحصيلة أن الاختلاف في المنشأ اللغوي للمفردتين كان واضحا في كلمات اللغويين ، لكن هذا لا يمنع أنهما في كل موارد الاستعمال في اللغة والقرآن والحديث تحل أحداهما مكان الأخرى من دون حاجة إلى قرائن وذلك للتلازم بين الأمرين في نظر العرف الديني .
وليس ( الرب ) و ( الإله ) هما الكلمتان الوحيدتان اللتان تستعملان على نحو المترادفتين مع اختلاف جذورهما اللغوية ، بل تجد مثل ذلك في كلمتي ( الفقير ) و ( المسكين ) ، فلكل منهما منشأ غير الآخر ، ولكن في جل استعمالات القرآن لا يلاحظ المنشأ والمنطلق اللغوي ، فعند استعمال إحداهما يقصد بها ما يقصد بالأخرى مع أن الفقير من حيث المنشأ هي بمعنى المكسور الفقار ، والمسكين بمعنى ساكن الحركة أي الخاضع الذليل (1) .
|
(1) راجع تهذيب اللغة ج9 ص 102 ، وكذلك ج10 ص39 . |
| |
47 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني |
والوهابية تقر بهذه الحقيقة ، فقد قال ابن عبدالوهاب : " اعلم أن الربوبية والألوهية يجتمعان ويفترقان كما في قوله ( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ ) ، وكما يقال : رب العالمين وإله المرسلين ، وعند الإفراد يجتمعان كما في قول القائل : من ربك ؟ مثاله الفقير والمسكين نوعان في قوله ( إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ ) ، ونوع واحد في قوله (ص) : افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد إلى فقرائهم ، إذا ثبت هذا فقول الملكين للرجل في القبر : من ربك ؟ معناه من إلهك ، لأن الربوبية التي أقر بها المشركون ما يمتحن أحد بها ، وكذلك قوله ( الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ) ، فالربوبية في هذا هي الألوهية ليست قسيمة لها كما تكون قسيمة لها عند الاقتران ، فينبغي التفطن لهذه المسألة " (1) .
وعليه لا تبقى قيمة للمنشأ اللغوي للكلمتين بعد أن أصبحت الكلمتان كالمترادفتين منذ الجيل الأول وفي جل استعمالات القرآن الكريم .
يبقى إشكال مهم فتشبيه ابن عبدالوهاب ومن سار على نهجه الكلمتين بمفردتي الفقير والمسكين مع الاستشهاد بما نقل من قول بعض علماء اللغة بأنهما إذا اجتمعا افترقتا في المعنى ، وإذا افترقتا اجتمعتا في المعنى يعني أن الكلمتين إذا افترقتا كان لهما معنى واحد ، في حين أن الوهابية لا تقول بذلك ، فلا تتحدث عن معنى جامع يشمل الأمرين عند الافتراق ، بل ما تذهب إليه أن الأولى عند الافتراق تترك معناها وتصبح بمعنى الثانية ، وكذلك الثانية تصبح بمعنى الأولى وتترك معناها الأصلي .
وحاصل الإشكال أن مفردتي الرب والإله على ضوء كلامه الأخير ينبغي أن تفسر كل منهما بمعنى غير الآخر عند الاجتماع كما في قوله تعالى ( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ
|
(1) دعاوى المناوئين ص 335 ، نقلا عن مجموعة مؤلفات الشيخ ج5 ص 17 . |
| |
48 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني |
* مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ ) سورة الناس ، ولكن عند الافتراق وعدم ذكر القرآن إلا إحدى المفردتين يجب أن تكون إحداهما بمعنى الآخر ، وكما في الممثل به ستكون كلمة الفقير بمعنى المسكين والمسكين بمعنى الفقير ، فتشيران إلى معنى جامع بينهما ، فهل توافق الوهابية على هذا ، فتكون كلمة الإله بمعنى الرب والرب بمعنى الإله موارد الافتراق وهي جل استعمالاتها في القرآن الكريم ؟! وما هو المعنى الجامع بينهما ؟ هذا الإشكال اللغوي الذي يجب عليهم علاجه .
وبتقرير آخر تكمن المشكلة في أن الوهابية عمليا ترى بأن الموارد التي استعملت فيها كلمة الرب بمعنى الإله تركت معناها الأول فلم تستعمل في معنى واحد يشملهما وكذلك الموارد التي استعلمت كلمة الإله بمعنى الرب ؟! ولذا تجد ابن عبدالوهاب وكما نقلنا قبل قليل يقول : " فقول الملكين للرجل في القبر : من ربك ؟ معناه من إلهك ، لأن الربوبية التي أقر بها المشركون ما يمتحن أحد بها ، وكذلك قوله ( الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ) ، فالربوبية في هذا هي الألوهية ليست قسيمة لها كما تكون قسيمة لها عند الاقتران ، فينبغي التفطن لهذه المسألة " ، في حين مقتضى التشبيه بالفقير والمسكين أن تقول أن كلمة الرب يصبح المقصود بها ما يعم الإله لا أن تعتبر أن كلمة الرب هنا تركت معناها وأصبحت بمعنى الإله !! وهذا ما قلناه من أن الكلمتين أصبحتا تستعملان في القرآن الكريم بمعنى واحد فهما كالمترادفتين في أغلب موارد استعمالها .
ولذا قال الدمياطي وهو يشرح نصا فيه كلمة الفقراء : " قوله : وسهم للفقراء اليتامى ، المراد بالفقراء ما يشمل المساكين لأنهما إذا افترقا اجتمعا وإذا اجتمعا افترقا " (1) .
وقال الآلوسي في آية فيها كلمة المساكين : " والمراد بالمسكين ما يعم الفقير ، وقد قالوا المسكين والفقير إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا " (2) .
|
(1) إعانة الطالبين ج2 ص 207 . |
(2) روح المعاني ، المجلد الخامس عشر ، ج 28 ص 25 . |
| |
49 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني |
فكما قالوا يجب أن يقال المراد بالرب ما يعم الإله لا أنها تركت معنى الرب وأصبحت بمعنى الإله ، وهذا ما نؤكد عليه من أنهما أصبحتا كالمترادفتين ، نظرا لتلازم الاعتقاد بالربوبية بالاعتقاد بالألوهية في العرف العام ، فالعامة حتى عامة المشركين يرون الرب إلها والإله ربا ، لكن على نحو يحفظ فيه الفرق بين دور كبير الآلهة أو كبير الأرباب وصغار الآلهة أو صغار الأرباب في رؤية المشركين الضالة .
والحصيلة أن الأمر العجيب المدعى هنا من قبل الوهابيين هو أن تكون لكل مفردة معنى غير المقصود بالمفردة الأخرى ، ولكن تستعمل الأولى مكان الثانية والثانية مكان الأولى في كثير من موارد استعمالها في القرآن الكريم ، ففيما يتعلق بقوله تعالى ( الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ) يقول المقصود إلهنا الله وليس ربنا ، وفي قوله تعالى ( لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ) يقول المقصود أرباب وليس آلهة .
|