متون الكتب :  
الفهارس :  
أسماء الكتب والمؤلفين :  
نقطة الخلاف مع الوهابية
الكتاب : الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني    |    القسم : مكتبة رد الشبهات

الفصل الثاني
مشركو العرب لم يوحدوا في الربوبية
( الخالقية والتدبير )

------------------------ ص 33 -----------------------

نقطة الخلاف مع الوهابية

هذا الفصل يعقده الفكر الوهابي مقدمة للحديث عن شرك الألوهية ، لكن الحق أنها لا علاقة لها بخللهم في فهم موجب شرك الألوهية أو شرك العبادة ، فمشكلتهم الأساسية والرؤية التي ابتدعوها تتعلق بفهمهم للعبادة وما يرتبط بها من مفردات ، وهو ما سنركز عليه في الفصل الثاني ، ولكن من الضروري بيان أنهم اخطأوا في فهم هذا الأمر أيضا وإن كان خطئا شاركه فيهم بعض القدماء خلافا لخللهم الأساس الذي نبحثه في الفصل القادم .
فلا شك بأن مشركي قريش عرفوا الله واعتقدوا به ولكن ككبير الآلهة ومعه آلهة صغار هي بناته وأبناؤه ، وهذه عقيدة مسلمة عندهم كما هو صريح قوله تعالى ( وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ ) النحل / 57 ، فحقيقة الشرك هي بوجود آلهة أخرى مع الله ، فلم يكونوا دهريين ملحدين منكرين لوجود الله ، وإن كان يوجد من البشر من هو كذلك كما هو ظاهر قوله تعالى ( وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ) الجاثية / 24 ، والخلاف مع أصحاب الرؤية الوهابية يمكن صياغته انطلاقا من السؤال التالي :
هل الآلهة التي آمن بها المشركون عدت آلهة لأنها عبدت مع الله فقط ولا تأثير ذاتيا لها في الكون ومجرياته كما هو الادعاء الوهابي ، أم هي آلهة لأن لها قدرة ذاتية على التأثير على مجريات الكون وخوارق الأمور كما هو الحال بالنسبة لكبير الآلهة ؟

وابتداء ننبه إلى أننا لا نريد ادعاء أن الفصل بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية غير ممكن وغير واقع ، فلا شك بأننا لو وجدنا إنسانا يقر بخالقية الله وتدبيره لشئون الكون ويوحده في ذلك ولكنه يعبد غيره معه كأن يصلي لموجود آخر كما نصلي نحن لله سنقول بأنه مشرك ، ومشرك في العبادة دون الربوبية .

ولكن ما نريد بيانه أن المشركين غالبا ومنهم مشركو قريش لم يكونوا يميزون بين الأمرين بمعنى أنهم عمليا وفي الغالب الأعم كانوا يعبدون من يرون له تأثير

34 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

استقلالي في شئون الكون ولو بعض شئونه ، كما أن النتيجة الطبيعية لاعتقادهم بأن لموجود ما قدرة مستقلة على إحداث الخوارق - والتي ليست إلا في مقدور الله أصالة – هو عبادة ذلك الموجود .

مشركو العرب اعتقدوا بأن لآلهتهم قدرة ذاتية على النفع والضر

كي نقرر نقطة الخلاف الرئيسية في فهم الآيات التي استدل بها الوهابيون ، نقول : الأظهر أن العرب كانوا يعتقدون بأن الله مبدع هذا الكون ، ولكنهم كانوا يعتقدون بأن إدارة بعض شئون الكون أوكلت للآلهة الصغيرة التي تمتلك القدرة الذاتية على النفع الضر ، وإن بقيت أمور أساسية ليست إلا في مقدور الإله الأكبر وطريق تحصيلها شفاعة الآلهة الصغيرة ، بل الألوهية في العرف الديني البشري تعني القدرة الذاتية .

فالآيات التي تصرح بأن الضر والنفع بيد الله فقط والآلهة المزعومة غير قادرة هي في صدد مواجهة تخيلات ضالة عن المشركين بأن آلهتهم تضر وتنفع بنفسها فتؤكد الآيات على أن النفع والضر بيد الله فقط ، فكل الآيات التي تذكر أن الله هو الخالق والمدبر والمؤثر الأوحد في الكون وأن الآلهة الأخرى لا تخلق إنما هي آيات سيقت كي تدفع تخيلهم الباطل بأن الآلهة تضر وتنفع بنفسها ولها قدرة ذاتية على ذلك باعتبار أنها أبناء الله ، فيؤكد القرآن على بيان ضلالتهم في ذلك وأنها لا تخلق ولا ترزق ولا تدبر الأمر وليس بيدها نفع أو ضر ، فكيف لكم أن تعبدوها من دون الله .

وبعبارة أخرى هذه الآيات في صدد رد اعتقادهم بأن تلك الموجودات التي اتخذوها آلهة لها قدراتها المستقلة في النصر والضر والنفع ، ونفي الخلق يأتي في سياق نفي النفع والضر ، وبعض الآيات تستنكر وتبطل الأمرين معا كما في قوله تعالى ( أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ * وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ ) الأعراف / 191- 192 ، والحصيلة أنها تريد مواجهة أمر ترسخ في عقيدة هؤلاء وخلاصته أن آلهتهم تنصر وتنفع وتضر انطلاقا من قدراتها الذاتية فلذا اتخذوها

35 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

آلهة وتوجهوا إليها لقضاء حوائجهم ، فيذكر القرآن بأمر لا يسهل إدعاؤه وهو عدم قدرة هذه الآلهة على الخلق ، أو يذكر بما تذعن له الفطرة السليمة وهو اختصاص الخالقية بالله ونفيه عن غيره .

وأما الرؤية الوهابية فتختلف
فهم يقولون : ما دام المشركون يقرون بأن الخالق الوحيد والمدبر الوحيد هو الله ، فحصيلة معنى الآيات : أنكم ما دمتم تقرون بأن الله هو الخالق المدبر فلا يجوز أن تتخذوا غيره إلها أي معبودا تقصدونه في عباداتكم ، وبعبارة أخرى كل الآيات التي تتحدث عن خالقية الله عز وجل وعدم خالقية غيره هي ليست بصدد الاستدلال على أمر لا يعتقدون به بل لمجرد التذكير بعقيدتهم بخالقية الله وحده واستحضارها توطئة للحديث عن لزوم إخلاص العبادة له عز وجل ، فلا سبب يجيز عبادة أي موجود لم تتحقق خالقيته للكون أو لبعض شئون الكون ، فكل التكرار تكرار للسبب الموجب المسوغ لعبادة الله وهي الخالقية التي يقر المشركون باختصاصها بالله .

ونهاية ، عبادة المشركين لغير الله - بمعنى قصد غير الله بالعبادة المخصوصة - أمر مسلم من قبل الجميع وواضح في قوله تعالى ( فَقَالُواْ هَذَا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَآئِنَا ) الأنعام / 136 ، ولا يختلف أحد على هذا ، لكن هناك أمرين آخرين نتفق مع الوهابية في جزء منهما ونختلف في جزء آخر .

فاستدلال القرآن بخالقية الله وعدم خالقية غيره على اختصاص الألوهية بالله واضح في آيات القرآن الكريم ، قال تعالى ( وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ) الفرقان / 3 ، فبيان التلازم بين الأمرين من مسلمات وواضحات القرآن .

لكن نختلف مع الوهابية في أمر آخر فهم يقولون بأن الحديث عن خالقية الله وعدم خالقية غيره تذكير بأمر يؤمنون ويقرون به ويوحدون الله فيه ، ونقول إنه تنبيه على أمر

36 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

ينكرونه ، نعم توحيده في الخالقية والتدبير أمر فطري قد طمسه شركهم ، وأما إقرارهم بخالقية وتدبير الله لشئون الكون المذكور في القرآن فهو إما تصوير للسان حال عقولهم الباطنية وفطرتهم المندرسة ، أو أنه إقرار بمجرد خالقية الله وتدبيره باعتباره الإله والمدبر الأكبر دون توحيده في ذلك إذ يعتقدون بأن الآلهة الصغيرة مدبرة أيضا وهو ما سنفصل فيه ، فلا تنافي خالقية الله وتدبيره - في رؤية المشركين الباطلة - مع اعتقادهم بوجود إله غيره يضر وينفع ويقضي الحوائج تارة بنحو مستقل عن الله وتارة بنحو الشفاعة والتوسط عنده ، بل معنى الشرك الذي وقعوا به هو الاعتقاد بقدرة غير الله على الضر والنفع مستقلا عن الله .

والأمر الآخر الذي يتفق عليه الجميع هو اعتقاد المشركين بقدرة الآلهة الذاتية على الضر والنفع لوضوحه في مثل قوله تعالى ( وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا ) مريم / 81 ، وقوله عز وجل ( وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ ) يس / 74 ، وهو صريح قوله تعالى ( فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ مِن شَيْءٍ ) هود / 101 ، وقال تعالى ( أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ وَلَا هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ ) الأنبياء / 43 .

لكننا نختلف في شيء آخر ، فالوهابية تقول إن المشركين يعتقدون أن ضرها ونفعها يقتصر على الشفاعة عند الإله الأكبر فقط دون الاستقلال في ذلك لأنهم موحدون لله في الربوبية ، فلا تقدر الآلهة على النفع أو الضر إلا بالاستشفاع إلى الله وذلك في مقابل الرأي الآخر الذي يرى أنهم اعتقدوا بقدرتها الذاتية على النفع والضر في بعض الأمور وفي بعضها الآخر يكون على نحو الشفاعة عند الله الإله الأكبر ، بل هي لم تعد آلهة إلا لأنها تقدر بنفسها ولو في بعض شئون الكون .

والخلاصة أن المشركين كانوا يعتقدون بأن الآلهة التي عبدوها وآمنوا بها تضر وتنفع ، ولا شك بأن أصحاب الرؤية الوهابية يؤمنون بأنهم كانوا يرونها تنفع وتضر ، وقد

37 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

صرح القرآن بأن النصرة هي الغاية التي من أجلها اتخذوا آلهة من دون الله كما هو صريح آية سورة يس الآنفة .

ولكن ما تريد الوهابية التأكيد عليه أن المشركين اعتقدوا بأن ضرها ونفعها يقتصر على التشفع بها إلى الإله الأكبر فقط وقبول الإله الأكبر لشفاعتها ، ولم يعتقدوا بأن لها القدرة الذاتية على الضر والنفع وبنحو مستقل عن الله ، وهذا معنى أنهم موحدون في الربوبية .

38 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

الخطة العامة للبحث في هذا الخلاف معهم

نقسم هذا الفصل إلى بابين :
الباب الأول : ونسوق فيه الأدلة الواضحة على اعتقاد المشركين بأن آلهتهم لها القدرة الذاتية على الضر والنفع وهذا يعني ربوبيتها ، فليست الشفاعة عند الإله الأكبر هو الطريق الوحيد لتحصيل نفعها أو ضرها .
ونستعرض الأدلة من خلال ثلاث محاور :
المحور الأول : لغوي قرآني من خلال البحث في المفردات القرآنية المرادفة للشرك بالله .
المحور الثاني : عرض القرآن لعقيدة المشركين وتفاصيلها العامة .
المحور الثالث : تاريخي روائي يعتمد على ما روي في النصوص عن عقائد مشركي العرب .
الباب الثاني : نناقش الأدلة والآيات التي اعتمد عليها الفكر الوهابي في القول بأن مشركي قريش والعرب لم يشركوا في الربوبية بل كانوا يوحدون الله في ذلك .


 شبكة البتول عليها السلام  @ 11-2006  -  www.albatoul.net

إنتاج : الأنوار الخمسة للإستضافة والتصميم @ Anwar5.Net