متون الكتب :  
الفهارس :  
أسماء الكتب والمؤلفين :  
شبهة ابن كثير حول صوم يوم الغدير - دفع الشبهة
الكتاب : عيد الغدير في الإسلام    |    القسم : مكتبة رد الشبهات

[ شبهة ابن كثير حول صوم يوم الغدير ]


فإذا وضح لديك ذلك فهلم معي إلى ما يتعقبه ابن كثير ( 1 ) هذا الحديث ، ويحسب أنه حديث منكر بل كذب ، لما روي من نزول الآية يوم عرفة من حجة الوداع !

وإن تعجب فعجب أن يجزم جازم بمنكرية أحد الفريقين في الروايات المتعارضة وهما متكافئان في الصحة ، فليت شعري أي مرجح في الكفة المقابلة لحديثنا بالصحة ، وما المطفف في الميزان في كفه هذا الحديث ؟ !


مع إمكان معارضة ابن كثير بمثل قوله في الجانب الآخر ، لمخالفته لما أثبتناه من نزول الآية الكريمة ، وهل لمزعمة ابن كثير مبرر ؟ غير أنه يهوى أن يزحزح القرآن الكريم عن هذا النبأ العظيم ! وإلا لكان في وسعه أن يقول كما قال سبط ابن الجوزي في تذكرته : 18 : بإمكان نزولها مرتين ( 2 ) ، كما وقع في البسملة وآيات أخرى قدمنا ذكرها ص 257 ( 3 ) .
 

 

( 1 ) قلد الذهبي في قوله هذا كما يظهر من تاريخه 5 : 214 المؤلف ( قدس سره ) .
( 2 ) تذكرة الخواص : 30 ، ط المطبعة الحيدرية . قال : . . . على أن الأزهري قد روى عن خيشون ؟ ولم يضعفه ، فإن سلمت رواية خيشون احتمل أن الآية نزلت مرتين : مرة بعرفة ، ومرة يوم الغدير ، كما نزلت بسم الله الرحمن الرحيم مرتين : مرة بمكة ومرة بالمدينة .

( 3 ) قال المؤلف في كتابه الغدير 1 : 257 : على أن من الجائز نزول الآية مرتين ، كآيات كثيرة نص العلماء على نزولها مرة بعد أخرى ، عظة وتذكيرا ، أو اهتماما بشأنها ، أو اقتضاء موردين لنزولها غير مرة : نظير البسملة ، وأول سورة الروم ، وآية الروح ، وقوله : ( ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ) وقوله . . . راجع الإتقان للسيوطي 1 : 60 ، وتاريخ الخميس 1 : 11 . ( * )

 

 

- ص 107 -

ولابن كثير في تاريخه 5 : 214 شبهة أخرى في تدعيم إنكاره للحديث ، وهي : حسبان أن ما فيه من أن صوم يوم الغدير يعدل ستين شهرا يستدعي تفضيل المستحب على الواجب ، لأن الوارد في صوم شهر رمضان كله أنه يقابل بعشرة أشهر ، وهذا منكر من القول باطل ! انتهى ( 1 ) .


[ دفع شبهة ابن كثير ]

ويقال في دحض هذه المزعمة بالنقض تارة ، وبالحل أخرى : أما النقض : فبما جاء من أحاديث جمة لا يسعنا ذكر كلها ، بل جلها ( 2 ) ، ونقتصر منها بعدة أحاديث ، وهي :

 1 - حديث من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر .

 

( 1 ) البداية والنهاية 5 : 233 حوادث سنة 10 للهجرة .
( 2 ) راجع : نزهة المجالس 1 : 151 - 158 و 167 - 176 المؤلف ( قدس سره ) . ( * )

 

 

- ص 108 -

أخرجه مسلم بعدة طرق في صحيحه 1 : 323 ( 1 ) ، وأبو داود في سننه 1 : 381 ( 2 ) ،
وابن ماجة في سننه 1 : 524 ( 3 ) ، والدارمي في سننه 2 : 21 ، وأحمد في مسنده 5 : 417 و 419 ( 4 ) ،

وابن الديبع في تيسير الوصول 2 : 329 ( 5 ) نقلا عن الترمذي ( 6 ) ومسلم ، وعليه أسند قوله كل من ذهب إلى استحباب صوم هذه الأيام الستة .


 2 - حديث من صام ستة أيام بعد الفطر كان تمام السنة . أخرجه ابن ماجة في سننه 1 : 524 ( 7 ) ،
والدارمي في سننه 2 : 21 ، وأحمد في مسنده 3 : 308 و 324 و 344 و 5 : 280 ( 8 ) ، والنسائي ( 9 )
وابن حبان في سننهما ( 10 ) وصححه السيوطي في

 

 

( 1 ) صحيح مسلم 2 : 524 باب 39 من كتاب الصيام ، ط مؤسسة عز الدين .
( 2 ) سنن أبي داود 2 : 812 ح 2433 باب 58 من كتاب الصوم ، ط دار الحديث .
( 3 ) سنن ابن ماجة 1 : 315 ح 1719 باب 33 من أبواب ما جاء في الصيام ، ط شركة الطباعة العربية السعودية .
( 4 ) مسند أحمد 6 : 579 ح 23022 و 6 : 683 ح 23049 .
( 5 ) تيسير الوصول 2 : 392 .
( 6 ) سنن الترمذي 3 : 132 ح 759 باب 53 من كتاب الصوم ، ط دار الفكر .
( 7 ) سنن ابن ماجة 1 : 315 ح 1718 باب 33 .
( 8 ) مسند أحمد 4 : 243 ح 13890 ، 4 : 271 ح 14068 ، 4 : 306 ح 14300 ، 6 : 377 ح 21906 .
( 9 ) السنن الكبرى 2 : 162 - 163 ح 2860 و 2861 باب 109 من كتاب الصيام ، ط دار الكتب العلمية .
( 10 ) الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان 5 : 257 ح 3627 ، ط دار الكتب العلمية . ( * )

 

 

- ص 109 -

الجامع الصغير 2 : 79 ( 1 ) .


 3 - كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يأمر بصيام الأيام البيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة ويقول : هو كصوم الدهر أو كهيئة الدهر . أخرجه ابن ماجة في سننه 1 : 522 ( 2 ) ، والدارمي في سننه 2 : 19 .


 4 - ما من أيام الدنيا أيام أحب إلى الله سبحانه أن يتعبد له فيها من أيام العشر في ذي الحجة ، وأن صيام يوم فيها ليعدل صيام سنة وليلة فيها بليلة القدر . أخرجه ابن ماجة في سننه 1 : 527 ( 3 ) ، والغزالي في إحياء العلوم 1 : 227 وفيه : من صام ثلاثة أيام من شهر حرام : الخميس والجمعة والسبت كتب الله له بكل يوم عبادة تسعمائة عام ( 4 ) .


 5 - عن أنس بن مالك قال : كان يقال في أيام العشر بكل يوم ألف يوم ، ويوم عرفة عشرة آلاف يوم . قال : يعني في الفضل .

 

( 1 ) الجامع الصغير 2 : 613 ح 8777 ، ط دار الفكر ، ونص الحديث هكذا : من صام رمضان وأتبعه ستا من شوال كان كصوم الدهر .
( 2 ) سنن ابن ماجة 1 : 313 ح 1709 و 1710 باب 29 .
( 3 ) سنن ابن ماجة 1 : 317 ح 1732 باب 39 .
( 4 ) إحياء علوم الدين 1 : 212 . ( * )

 

 

- ص 110 -

أخرجه المنذري في الترغيب والترهيب 2 : 66 ، نقلا عن البيهقي والإصبهاني ( 1 ) .


 6 - صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر وإفطاره . أخرجه أحمد في مسنده 5 : 34 ( 2 ) ،
وابن حبان في صحيحه ( 3 ) ، وصححه السيوطي في الجامع الصغير 2 : 78 ( 4 ) ، وأخرجه النسائي ( 5 ) ،

وأبو يعلى في مسنده ( 6 ) ، والبيهقي عن جرير بلفظ : صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر ، كما في الجامع الصغير 2 : 78 ( 7 ) ، وأخرج الترمذي ( 8 ) والنسائي ( 9 ) كما في تيسير الوصول 2 : 330 ( 10 ) : من صام من كل شهر ثلاثة أيام فذلك صيام الدهر ، فأنزل الله تعالى تصديق ذلك في كتابه : ( من جاء
 

 

( 1 ) الترغيب والترهيب 2 : 200 ح 7 كتاب الحج ، ط دار الفكر ، وفيه : وإسناد البيهقي لا بأس به .
( 2 ) مسند أحمد 6 : 13 ح 19858 .
( 3 ) الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان 5 : 264 ح 3645 .
( 4 ) الجامع الصغير 2 : 111 ح 5115 .
( 5 ) السنن الكبرى 2 : 136 ح 2728 باب 83 من كتاب الصيام .
( 6 ) مسند أبي يعلى الموصلي 13 : 492 ح 7504 .
( 7 ) الجامع الصغير 2 : 111 ح 5114 .
( 8 ) سنن الترمذي 3 : 135 ح 762 باب 54 من كتاب الصوم .
( 9 ) السنن الكبرى 2 : 134 ح 2717 باب 82 من كتاب الصيام .
( 10 ) تيسير الوصول إلى جامع الأصول 2 : 394 . ( * )

 

 

- ص 111 -

بالحسنة فله عشر أمثالها ) ( 1 ) ، اليوم بعشرة أيام ، وأخرجه بلفظ يقرب من هذا مسلم في صحيحه 1 : 319 و 321 ( 2 ) ، وأخرج النسائي من حديث جرير : صيام ثلاثة أيام من كل شهر كصيام الدهر ثلاث أيام البيض ( 3 ) ، وأخرجه الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب 2 : 33 ( 4 ) ، وذكره ابن حجر في سبل السلام 2 : 234 وصححه ( 5 ) .


 7 - صيام يوم عرفة كصيام ألف يوم . أخرجه ابن حبان عن عائشة كما في الجامع الصغير 2 : 78 ( 6 ) ، وأخرجه الطبراني في الأوسط ، والبيهقي كما في الترغيب والترهيب 2 : 27 و 66 ( 7 ) .


 8 - عن عبد الله بن عمر قال : كنا ونحن مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) نعدل

 

( 1 ) الأنعام : 160 .
( 2 ) صحيح مسلم 2 : 520 باب 36 من كتاب الصيام .
( 3 ) السنن الكبرى 2 : 136 ح 2728 باب 83 من كتاب الصيام .
( 4 ) الترغيب والترهيب 2 : 120 باب الترغيب في صوم ثلاثة أيام من كل شهر سيما البيض .
( 5 ) سبل السلام 2 : 168 .
( 6 ) الجامع الصغير 2 : 111 ح 5119 .
( 7 ) الترغيب والترهيب 2 : 112 ح 7 باب الترغيب في صيام يوم عرفة . ( * )

 

 

- ص 112 -

صوم يوم عرفة بسنتين . رواه الطبراني في الأوسط ( 1 ) ، وهو عند النسائي بلفظ : سنة ( 2 ) ، كما في الترغيب والترهيب 2 : 27 ( 3 ) .


 9 - من صام يوم سبع وعشرين من رجب كتب الله تعالى له صيام ستين شهرا . أخرجه الحافظ الدمياطي ( 4 ) في سيرته كما في السيرة الحلبية 1 : 254 ( 5 ) ، ورواه الصفوري في نزهة المجالس 1 : 154 .


 10 - عن أبي هريرة وسلمان عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : إن في رجب يوما وليلة من صام ذلك اليوم وقام تلك الليلة كان له من الأجر كمن صام مائة سنة وقامها ، وهي : لثلاث بقين من رجب .

رواه الشيخ عبد القادر الجيلاني في غنية الطالبين ( 6 ) ، كما في نزهة المجالس للصفوري 1 : 154 .

 

( 1 ) المعجم الأوسط 1 : 421 ح 755 .
( 2 ) السنن الكبرى 2 : 155 ح 2828 باب 102 من كتاب الصيام .
( 3 ) الترغيب والترهيب 2 : 112 ح 8 باب الترغيب في صيام يوم عرفة .
( 4 ) قال الذهبي في تذكرته 4 : 268 : شيخنا الإمام العلامة الحافظ الحجة الفقيه النسابة شيخ المحدثين شرف الدين أبو محمد عبد المؤمن الدمياطي الشافعي . ثم أكثر في الثناء عليه وقال : توفي 705 المؤلف ( قدس سره ) .
( 5 ) السيرة الحلبية 1 : 238 .
( 6 ) غنية الطالبين : 288 . ( * )

 

 

- ص 113 -

 11 - شهر رجب شهر عظيم ، من صام منه يوما كتب الله له صوم ثلاثة آلاف سنة . رواه الكيلاني في غنيته ، كما في نزهة المجالس للصفوري : 153 ( 1 ) .


 12 - من صام يوم عاشوراء فكأنما صام الدهر كله ، مكتوب في التوراة . ذكره الصفوري في نزهته 1 : 174 ( 2 ) .


 13 - من صام يوما من المحرم فله بكل يوم ثلاثون يوما . رواه الطبراني في الصغير ( 3 ) ، كما ذكره الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب 2 : 28 ( 4 ) .
 

وأما الحل ، فليس عندنا أصل مسلم يركن إليه في لزوم زيادة أجر الفرائض على المثوبة في المستحبات ، بل أمثال الأحاديث السابقة في النقض ترشدنا إلى إمكان العكس ، بل وقوعه ، وتؤكد ذلك الأحاديث الواردة في غير الصيام من الأعمال المرغب فيها .

على أن المثوبة واقعة تجاه حقائق الأعمال ومقتضياتها الطبيعية ، لا ما يعروها من عوارض كالوجوب والندب حسب

 

( 1 ) نزهة المجالس 1 : 153 .
( 2 ) نزهة المجالس 1 : 174 .
( 3 ) المعجم الصغير 2 : 71 .
( 4 ) الترغيب والترهيب 2 : 114 ح 4 باب الترغيب في صيام شهر الله المحرم . ( * )

 

 

- ص 114 -

المصالح المقترنة بها ، فليس من المستحيل أن يكون في طبع المندوب في ما هيات مختلفة ، أو بحسب المقارنات المحتفة به في المتحدة منها ، ما يوجب المزيد له .


ويقال في المقام : إن ترتب المثوبة على العمل إنما هو بمقدار كشفه عن حقيقة الإيمان ، وتوغله في نفس العبد ، ومما لا شك فيه أن الإتيان بما هو زائد على الوظائف المقررة من الواجبات وترك المحرمات من المستحبات والتجنب عن المكروهات

أكشف عن ثبات العبد في مقام الامتثال ، وخضوعه لمولاه ، وحبه له ، وبه يكمل الإيمان ، ولم يزل العبد يتقرب به إلى المولى سبحانه حتى أحبه كما ورد فيما أخرجه البخاري في صحيحه 9 : 214 عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله

( صلى الله عليه وسلم ) : إن الله عز وجل قال : ما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده الذي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها . . . الحديث ( 1 ) ( 2 ) .


بل من الممكن أن يقال : إنه ليس في نواميس العدل ما يحتم ترتيب أجر على إقامة الواجب وترك المحرم ، زائدا على ما منح به

 

( 1 ) صحيح البخاري 8 : 131 ، في الرقاق ، باب التواضع . وطبعة أخرى 5 : 2384 ح 6137 .
( 2 ) وأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات : 416 ، والذهبي في ميزانه 1 : 301 المؤلف ( قدس سره ) . ( * )

 

 

- ص 115 -

من الحياة والعقل والعافية ومأن الحيات ، ومعدات العمل ، والنجاة من النار في الآخرة ، بل إن كلا من هاتيك النعم الجزيلة يصغر عنه صالحات العبد جمعاء ، وليس هناك إلا الفضل . وهذا الذي يستفاد من غير واحد من آيات الكتاب العزيز ، نظير

قوله تعالى : ( إن المتقين في مقام أمين في جنات وعيون يلبسون من سندس واستبرق متقابلين كذلك وزوجناهم بحور عين يدعون فيها بكل فاكهة آمنين لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ووقاهم عذاب الجحيم فضلا من ربك ذلك هو الفوز العظيم ) سورة الدخان ( 1 ) ، فكل ما هناك من النعيم والمثوبات إنما هو بفضله وإحسانه سبحانه وتعالى .


قال الفخر الرازي في تفسيره 7 : 459 : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الثواب يحصل تفضلا من الله تعالى لا بطريق الاستحقاق ، لأنه تعالى لما عدد أقسام ثواب المتقين بين أنها بأسرها إنما حصلت على سبيل الفضل والإحسان من الله تعالى . . .

ثم قال تعالى : ( ذلك هو الفوز العظيم ) ، واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن التفضيل أعلى درجة من الثواب المستحق ، فإنه تعالى وصفه بكونه فضلا من الله ، ثم وصف الفضل من الله بكونه فوزا عظيما ، ويدل عليه أيضا أن الملك العظيم إذا أعطى الأجير

 

( 1 ) الدخان : 51 - 57 . ( * )

 

 

- ص 116 -

أجرته ثم خلع على إنسان آخر ، فإن تلك الخلعة أعلى حالا من إعطاء تلك الأجرة . انتهى ( 1 ) .


وقال ابن كثير نفسه في الآية الشريفة في تفسيره 4 : 147 : ثبت في الصحيح عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : اعملوا وسددوا وقاربوا واعلموا ، أن أحدا لن يدخله عمله الجنة ، قالوا : ولا أنت يا رسول الله ! قال : ولا أنا ، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل انتهى .


وبوسعك استشعار هذا المعنى من الصحيح الذي أخرجه البخاري في صحيحه 4 : 264 عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا ( 2 ).

وأنت جد عليم بأن هذا المقدار من الحق الثابت على الله للعباد إنما هو بتقرير العقل السليم، وأما الزائد عليه من النعيم الساكت عنه نبي البيان فليس إلا الفضل والإحسان من المولى سبحانه . وأنت تجد في معاملات الدول مع أفراد الموظفين أنه ليس

بإزاء واجباتهم وعدم الخيانة فيها من الأجر إلا الرتبة والراتب ، وإنما يحظى أحدهم بترفيع في المرتبة أو زيادة في الرتبة بخدمة زائدة

 

( 1 ) التفسير الكبير 27 : 254 - 255 .
( 2 ) صحيح البخاري 3 : 1049 ح 2701 ، وطبعة أخرى 9 : 140 . ( * )

 

 

- ص 117 -

على مقرراتها عليهم ، وليس في الناس من ينقم على الحكومات ذلك ، وهذه الحالة عينا جارية بين الموالي والعبيد ، وهي من الارتكازات المرتسخة في نفسيات البشر كلهم ، غير أن الله سبحانه بفضله المتواصل يثيب العاملين بواجبهم بأجور جزيلة .


وهاهنا كلمة قدسية لسيدنا ومولانا زين العابدين الإمام الطاهر علي بن الحسين صلوات الله عليهما وآلهما ، لا منتدح عن إثباتها ، وهي قوله في دعائه إذا اعترف بالتقصير عن تأدية الشكر من صحيفته الشريفة : اللهم إن أحدا لا يبلغ من شكرك غاية إلا

حصل عليه من إحسانك ما يلزمه شكرا ، ولا يبلغ مبلغا من طاعتك وإن اجتهد إلا كان مقصرا دون استحقاقك بفضلك ، فأشكر عبادك عاجز عن شكرك ، وأعبدهم مقصر عن طاعتك ، لا يجب لأحد أن تغفر له باستحقاقه ، ولا أن ترضى عنه

باستيجابه ، فمن غفرت له فبطولك ، ومن رضيت عنه فبفضلك ، تشكر يسير ما شكرت به ، وتثيب على قليل ما تطاع فيه ، حتى كأنه شكر عبادك الذي أوجبت عليهم ( 1 ) ثوابهم ، وأعظمت عنه جزاءهم ، أمر ملكوا استطاعة الامتناع منه دونك فكافيتهم ، أو لم يكن سببه بيدك فجازيتهم ، بل ملكت يا

 

( 1 ) في المصدر : عليه . ( * )

 

 

- ص 118 -

إلهي أمرهم قبل أن يملكوا عبادتك ، وأعددت ثوابهم قبل أن يفيضوا في طاعتك ، وذلك أنه سنتك الإفضال ، وعادتك الإحسان ، وسبيلك العفو . فكل البرية معترفة بأنك غير ظالم لمن عاقبت ، وشاهدة بأنك متفضل على من عافيت ، وكالمقر على نفسه

بالتقصير عما استوجبت ، فلو ( 1 ) أن الشيطان يختدعهم عن طاعتك ، ما عصاك عاص ، ولولا أنه صور لهم الباطل في مثال الحق ما ضل عن طريقك ضال. فسبحانك ما أبين كرمك في معاملة من أطاعك أو عصاك ، تشكر للمطيع ما أنت توليته

له ، وتملي للعاصي فيما تملك معاجلته فيه ، أعطيت كلا منهما ما لم يجب له ، وتفضلت على كل منهما بما يقصر عمله عنه. ولو كافأت المطيع على ما أنت توليته لأوشك أن يفقد ثوابك ، وأن تزول عنه نعمتك ، ولكنك بكرمك جازيته على المدة

القصيرة الفانية بالمدة الطويلة الخالدة ، وعلى الغاية القريبة الزائلة بالغاية المديدة الباقية . ثم لم تسمه القصاص فيما أكل من رزقك الذي يقوى به على
 

 

( 1 ) في المصدر : فلولا . ( * )

 

 

- ص 119 -

طاعتك ، ولم تحمله على المناقشات في الآلات التي تسبب باستعمالها إلى مغفرتك ، ولو فعلت ذلك به لذهب بجميع ما كدح له ، وجملة ما سعى فيه ، جزاء للصغرى من أياديك ومننك ، ولبقي رهينا بين يديك بسائر نعمك ، فمتى كان يستحق شيئا من ثوابك ؟ ! لا ! متى ؟ . . . إلى آخره ( 1 ) .


وفي يوم الغدير صلاة ألف فيها أبو النضر العياشي ، والصابوني المصري كتابا مفردا ، راجع فيها وفي الأدعية المأثورة يوم ذاك إلى التآليف المعدة لها . ( هذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون ) ( الأنعام ) : 155
 

 

( 1 ) الصحيفة السجادية الجامعة لأدعية الإمام السجاد : 183 - 185 ، دعاء رقم 98 ، مؤسسة الإمام المهدي . ( * )


 شبكة البتول عليها السلام  @ 11-2006  -  www.albatoul.net

إنتاج : الأنوار الخمسة للإستضافة والتصميم @ Anwar5.Net