تكملة لصفحة 42
12 - قال : المقدمة الثالثة الامامة تثبت أما بنص من الامام على استخلاف واحد من اهلها وأما بعقدها من اهل احل والعقد لمن عقدت له من اهلها كما سيأتي بيان ذلك في الابواب وأما بغير ذلك كما هو مبين في محله واعلم انه يجوز نصب
المفضول مع وجود من هو افضل لاجماع العلماء بعد الخلفاء الراشدين على امامة بعض من قريش مع وجود افضل منه فيهم ولأن عمر جعل الخلافة بين ستة من العشرة منهم عثمان وعلي وهما افضل اهل زمانهما فلو تعين الافضل لعين عثمان
فدل عدم تعيينه أنه يجوز نصب غير عثمان وعلي مع وجودهما والمعنى في ذلك ان غير الافضل قد يكون اقدر منه على القيام بمصالح الدين واعرف بتدبير الملك واوفق لانتظام حال الرعية واوثق في اندفاع الفتنة انتهى .
اقول : اولا التحقيق ان الامامة لا تثبت إلا بنص من النبي صلى الله عليه وآله أو من الامام المنصوص على امامته وأما القسمان الاخران اللذان ذكرهما هذا الشيخ الجامد فقد اشرنا الى بطلانهما اجمالا وسياتى الكلام فيهما تفصيلا ان شاء الله تعالى
وثانيا انه ان اراد بدعوى اجماع العلماء على امامة المفضول مع وجود الفاضل اجماع جميع العلماء فالمنع عليه ظاهر كيف وسائر ائمة أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم هذا الى هذا الزمان على طرف الخلاف وان
- الصوارم المهرقة - الشهيد نور الله التستري ص 43 : - |
اراد اجماع علماء أهل السنة فهو مصادرة ظاهرة لا تقوم حجة على الخصم الشيعي كما لا يخفى وتفصيل الكلام وتحقيق المرام انه قد دل العقل والنقل على انه يجب ان يكون الامام اكمل وافضل في جميع اوصاف المحامد كالعلم والزهد والكرم
والشجاعة والعفة وغير ذلك من الصفات الحميدة والاخلاق المرضية وبالجملة يجب ان يكون اشرفهم نسبا واعلاهم قدرا واكملهم خلقا وخلقا كما وجب ذلك في النبي بالنسبة الى امته وهذا الحكم متفق عليه من اكثر العقلاء إلا ان اهل السنة
خالفوا في اكثره كالاعلمية والاشجعية والاشرفية لأن أبا بكر لم يكن كذلك مع ان عمر وابا عبيدة نصباه اماما وكذا عمر لم يكن كذلك وقد نصبه أبو بكر اماما ولم يفطنوا بان هذا الاختيار السوء قد وقع مواضعة ومخادعة من القوم حرصا على
الخلافة وعداوة لامام الكافة كما يكشف عنه قول طلحة حين كتب أبو بكر وصيته لعمر بالولاية والخلافة بعده حيث قال مخاطبا لعمر " وليته امس وولاك اليوم " الى غير ذلك من المكائد والحيل والخدع التي استعملوها في غصب الخلافة عن
اهلها وكذلك فريق من المعتزلة منهم عبد الحميد بن ابي الحديد المدائني قالو ابجواز تقديم المفضول على الفاضل لمصلحة ما وقالوا ان عليا عليه السلام افضل من أبي بكر لكن جاز تقديم أبي بكر عليه لمصلحة وهذا القول غير مقبول إذ يقبح من
اللطيف الخبير ان يقدم المفضول المحتاج الى التكميل على الفاضل الكامل عقلا ونقلا كما في النبوة و منشا شبهتهم في هذا التجويز ان النبي صلى الله عليه وآله قدم عمرو بن العاص على أبي بكر وعمر وكذا قدم اسامة بن زيد عليهما مع انهما افضل من كل منهما و الجواب بعد تسليم افضليتهما والاغماض عن ان هذه الافضلية إنما توهم لهما بعد
- الصوارم المهرقة - الشهيد نور الله التستري ص 44 : - |
غصبهما للخلافة انهما إنما قدما عليهما في أمر الحرب فقط ، وقد كانا اعلم منهما فيه قطعا كما دل عليه الاخيار والاثار هذا ان جعلنا التقديم والتاخير منوطا باختيار الله تعالى وأما ان جعلناه منوطا باختيار الامة كما هو مذهب الجمهور فهو ايضا غير
مقبول لانه يقبح في العقول ايضا ان يجعل المفضول المبتدى في الفقه مقدما على ابن عباس رضى الله عنه وذلك بين عند كل عاقل والمخالف فيه مكابر .
ومن العجائب ان ابن أبي الحديد المعتزلي خالف هيهنا مقتضى ما اجمع عليه من القول بالحسن والقبح العقليين ونسب هذا التقديم الذي ذهب إليه الى الله عز وجل فقال في خطبة شرحه لنهج البلاغة " وقدم المفضول على الفاضل لمصلحة اقتضاها
التكليف " وهذا في غاية ما يكون من السخف ، لانه نسب ما هو قبيح عقلا الى الله عز وجل ، مع انه عدلى المذهب ، فقد خالف مذهبه ، ولهذا حمل الشكايات الواردة من علي عليه السلام عن الصحابة ، والتظلم منهم في الخطبة الموسومة
بالشقشقية و غيرها على ذلك ولا يخفى ان الحمل على ذلك مما لا وجه له سوى التحامل على على عليه السلام لأن هذا التقديم ان كان من الله تعالى ، لم يصح من على عليه السلام الشكاية مطلقا لانها حينئذ تكون ردا على الله ، والرد عليه على
حد الكفر وان كان من الخلق فان كان هذا التقديم لمصلحة المكلفين وعلم بها جميع الخلق غير على عليه السلام فقد نسبه عليه السلام الى الجهل بما عرفه عامة الخلق وان كان لا لمصلحة كان تقديما بمجرد التشهى فلم يكن الشكاية على الوجه الذي
توهمه فلا وجه لحملها عليه هذا والعقل والنقل كما اشرنا إليه دال على قبح ذلك أما العقل فظاهر وأما النقل فلان القرآن نص على انكار ذلك حيث قال تعالى " افمن يهدى الى الحق
- الصوارم المهرقة - الشهيد نور الله التستري ص 43 : - |
احق ان يتبع امن لا يهدى الا ان يهدى فما لكم كيف تحكمون "
وقال تعالى " هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر اولوا الالباب "
ثم اقول يمكن ان يستدل على عدم جواز تفضيل المفضول بقول أبي بكر " اقيلوني فانى لست بخيركم وعلى فيكم " فاحفظ هذا فانه بذلك حقيق
وثالثا ان ما ذكره من التعليل العليل بقوله ولان عمر جعل الخلافه الخ " قد مر ما فيه مع ابتنائه على مجرد حسن الظن الذى لا يغنى من الحق شيئا
ورابعا ان قوله " والمعنى في ذلك ان غير الافضل قد يكون اقدر منه الخ فيه انه ان عنى بالاقدر المذكور فيه انه لا يعرف مصالح الدين لكنه اقدر على اقامتها فهذا لا يسمن ولا يغنى من جوع لأن اقامة مصالح الدين فرع العلم وهو ظاهر وان عنى
به انه اقدر باقامتها مع العلم من غير احتياج واستناد الى استعلامها عن غير فهو خلاف المفروض لأن مثل هذا الشخص ليس بمفضول في العلم بل اقل الامر ان يكون مساويا لغيره وأما مجرد معرفة تدبير الملك وانتظام حال الرعية فلا يجدى في
الدين لان ذلك التدبير والانتظام يجب ان يكون على الوجه الشرعي الخالى عن شوائب الجور والظلم الذي لا يحصل إلا ممن اتصف بالعلم والعفة والزهد والشجاعة بل بالعصمة كما سنحققه دون الوجه العرفي السياسي الحاصل من معاوية الباغى
وجروه يزيد والوليد الجبار العنيد الذي استهدف المصحف المجيد والحجاج الظالم الفاتك الشديد واللص المتغلب الدوانيقي ونحوهم من كل شيطان مريد فانهم كانوا يدفعون الفتنة الموهومة على الملك والرعية وعلى خصوص سلطنتهم وجاههم بقتل
كل متهم وصلب كل عدو مظنون واحراق بيوتهم وبيوت اقوامهم وجيرانهم وضرب اعناقهم الى غير ذلك من العذاب والنكال بلا ثبوت ذنب
- الصوارم المهرقة - الشهيد نور الله التستري ص 46 : - |
منهم شرعا نعم ظلم الشيخين كان مختصا باهل البيت عليهم السلم وشيعتهم ولهذا استقام لهم الامر بمعونة غيرهم من اعداء أهل البيت بخلاف عثمان فانه لما عم ظلمه وظلم عماله على البلاد والعباد اختل امره وآل الى قتله على رؤس الاشهاد وبالجملة ان حفظ الحوزة على الوجه المشتمل على الانتظام الظاهرى ودفع الهرج والمرج و رفع تطاول بعض الاحاد قد يترتب على وجود الخلفاء المجازية والملوك الجائرة بل بوجود الشحنة والعسس بل ربما يحصل هذا القسم من الانتظام بهم
دون غيرهم من الخلفاء الحقيقية فانهم بموجب سياساتهم العرفية المذكورة ونحوها ربما يدفعون تطاول آحاد الناس على غيرهم الرعية بوجه لا يتيسر لغيرهم من الخلفاء الامجاد لكنهم انفسهم واولياء دولتهم يعملون مع ضعفاء العباد ما يشاؤن من
الجور والفساد ولو وقع خلل في احكام الدين القويم واعوجاج في اركان الطريق المستقيم عجزوا عن الاصلاح والتقويم كما اشار إليه عبد الله بن الحر في جملة قوله * ( شعر ( 1 ) ) *
تبيت النشاوى من امية نوما * وبالطف قتلى ما ينام حميمها وما ضيع ( 2 ) الاسلام إلا قبيلة ( 3 ) * تأمر نوكاها ودام نعيمها ( 4 ) واضحت ( 5 ) قناة الدين في كف ظالم * إذا اعوج منها جانب لا يقيمها
|
* ( هامش ) * ( 1 ) نقل ابن شهرآشوب ره هذه الابيات في كتاب المناقب من دون تسمية لقائلها ( صفحة 232 من ج 2 من النسخة المطبوعة في سنة 1317 القمرية الهجرية ونقلها المجلسي ره عن المناقب في البحار ( ص 256 من ج 10 من الطبعة المطبوعة بنفقة أمين الضرب ره ) ( 2 ) المناقب والبحار ( قتل ) . ( 3 ) المناقب والبحار ( عصابة ) . ( 4 ) المناقب والبحار ( نام زعيمها ) ( 5 ) المناقب والبحار ( فاضحت ) . ( * ) |
|
- الصوارم المهرقة - الشهيد نور الله التستري ص 47 : - |
وليتأمل ذو الرأى السديد ان فيما وقع في ايام من صحح أهل السنة سلطنته بل خلافته كيزيد عليه من اللعنة ما يربو ويزيد من قتل الحسين عليه السلام وشيعته حفظ حوزة الاسلام أو في قتله لاهل المدينة الطيبة وافتضاض الف بكر من اولاد الصحابة
والتابعين الكرام رعاية نظام الانام أو في رمى المناجيق على الكعبة وتخريب بيت الله الحرام عمارة لما اختل من النظام أو دعوة لمن دخلها الى دار السلام هذا مع انا لا نسلم ان الثلاثة كانوا اعرف بحفظ الحوزة ونظم حال الرعية ولو كانوا كذلك
لما أمر النبي عليهما عمرو بن العاص مرة وزيد بن حارثة مرة وزيد بن اسامة تارة اخرى وقد اشتهر ان اكثر ما استعمله عمر من تدبير فتح العجم ونشر الاسلام في بلادهم إنما كان باشارة على عليه السلام وانه كتب صفحه من قبيل الجفر
والتكسيرا وجب عقدها على راية أهل الاسلام انتكاس راية العجم وقد ذكر بعض الجمهور على ما في كتاب الشافي ان مقاتلة أبي بكر لاصحاب مسيلمة الكذاب وامثالهم المشهورين بين أهل السنة باهل الردة إنما كان باشارة علي عليه السلام
نعم كان عليه السلام محترزا عن استعمال الغدر والمكيدة والحيلة والخديعة التى يعد العرب مستعملها من الدهاة وكانوا يصفون معاوية بذلك ويقولون إنما وقع الاختلال في عسكر على عليه السلام لان معاوية كان صاحب الدهاء دونه ولما
سمع عليه السلام ذلك قال " لولا الدين ( 1 ) لكنت من ادهى العرب " فتدبر
|
* ( هامش ) * ( 1 ) نقل السيد الرضي ( ره ) في نهج البلاغة ما يحقق هذا المرام بهذه العبارة ( ومن كلام له عليه السلام : والله ما معاوية بادهى منى ولكنه يغدر ويفجر ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس ، ولكن كل غدرة فجرة وكل فجرة كفرة ولكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة والله ( * ) |
|