متون الكتب :  
الفهارس :  
أسماء الكتب والمؤلفين :  
نماذج من الأحاديث التي وضعت لإرضاء معاوية
الكتاب : أين سنة الرسول و ماذا فعلوا بها ؟    |    القسم : مكتبة المُستبصرين

نماذج من الأحاديث التي وضعت لإرضاء معاوية ! !

 1 - قال عمرو بن العاص " سمعت رسول الله يقول : " إن آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء ، إنما وليي الله وصالح المؤمنين " أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما .

 2 - قال أبو هريرة : " يا أهل العراق أتزعمون أني أكذب على الله ورسوله وأحرق نفسي بالنار ، والله لقد سمعت رسول الله يقول : " إن لكل نبي حرم ، وأن المدينة حرمي ، فمن أحدث فيها حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين " ثم قال وأشهد بأن عليا قد أحدث فيها ! ! فلما بلغ معاوية هذا الحديث أجاز أبا هريرة وأكرمه وولاه إمارة المدينة " ( 2 ) .

 3 - قال الزهري ، حدثني عروة بن الزبير ، قال حدثني عائشة قالت : " كنت عند رسول الله إذ أقبل العباس وعلي فقال الرسول يا عائشة إن هذين يموتان على غير ملتي أو قال غير ديني " .

هذه الأحاديث وأمثالها من التي رويت لإرضاء معاوية ، ولتبرير أفاعيله ساقطة بكل المعايير ، لأنها تتناقض مع مئات الأحاديث النبوية الصحيحة

 

( 2 ) شرح النهج ج 4 ص 63 - 73 ، وشيخ المضيرة أبو هريرة ص 236  . ( * )

 
 

- ص 410 -

المتواترة ، التي صرح بها النبي الأعظم أمام الآلاف من المسلمين ، ولأنها تتناقض مع واقع الحال ، ومع تاريخ الإسلام فأبو طالب هو الذي حمى الدعوة والداعية قبل الهجرة وعلي هو فارس الإسلام وحامل راية الرسول في كل المواقع ، وهو أخوه ووليه ، ووالد سبطيه وزوج ابنته ، وهو الذي ركع العرب بسيفه ورمحه ، ثم إن معاوية ، وعمر وعروة وأمثالهم موتورون وحاقدون على الإمام علي وأهل بيته ، لأنهم قتلوا إخوانهم وأخوالهم ، وعمومتهم في بدر ، فضلا عن ذلك فإن معاوية نفسه طليق ومن المؤلفة قلوبهم ، ومن أعداء الله الذين حاربوا الله ورسوله في كل المواقع وقد أسلم لما أحيط به ، كذلك فإن عمرو ابن العاص من حديثي العهد بالإسلام فقد أسلم بعد صلح الحديبية ، أما عروة فعلاوة على أنه موتور وحاسد ، فهو مغامر ، يريد السلطة والجاه والنفوذ ، وقد أدرك أن كراهية أهل بيت النبوة عامة وعلي بن أبي طالب خاصة هي الطريق الأسرع لتحقيق ما يريد .

والخلاصة أن هذه الأحاديث التي وضعت في عهد معاوية خاصة ، كان القصد منها خلط الحابل بالنابل ، والحق بالباطل ، وطمس معالم الشريعة الإلهية خاصة الأحكام التي عالجت نظام الحكم في الإسلام ، والقضاء التام على تميز صاحب الحق الشرعي علي بن أبي طالب وتميز أهل بيت النبوة وهدم مراتبهم العلية ، حتى لا تقوم لهم قائمة ، فيصفو وجه الخلافة له ولذريته خاصة وللأمويين عامة .

 3 - وعندما رفعت الدولة الحظر عن رواية وكتابنا الأحاديث النبوية في المجالات الأخرى بعد مائة عام من منع رواية وكتابة الأحاديث النبوية ، هب العلماء للبحث عن سنة الرسول بين الأنقاض ! ! فوجدوا أنفسهم أمام هذه السيول المتدفقة من المرويات الكاذبة ، والتي تتبعها الدولة وشهدت بصحتها ، والتي اقتنع بها العامة بمرور الوقت وتدينوا بها ، ولم يكن بوسع أحد من الخاصة أن يطعن بمثل تلك الأحاديث ، لأن الطعن بها سيفسر بأنه

- ص 411 -

طعن بالدولة التي شهدت بصحتها ، وطعن بالرواة ، وبما أن رواتها صحابة فإن الطعن بهم هو طعن مباشر بالدين الحنيف ، فاضطر العلماء أو الرواة الجدد الذين انطلقوا بالفعل للبحث عن حديث الرسول وجمعه ، اضطروا أن يعتبروا هذه المرويات الموضوعة والمختلفة صحيحة ، لأنها صحيحة من حيث الشكل ، وهكذا شهد العلماء والرواة المستقلون ضمنا بصحة تلك الأحاديث الموضوعة ، فاعتبروها من المسلمات ، أو من الحقائق الواقعية التي لا يمكن القفز عنها ! !

لذلك أخذوا يبنون فوقها ، ويضيقون عليها ، ويستشهدون بها ، بل صارت المرويات الكاذبة التي افتعلت في زمن بني أمية أقرب إلى الصحة شكلا من المرويات اللاحقة ، فعمرو بن العاص مثلا كان يقول سمعت رسول الله يقول ، وما أن يتم عمرو جملته حتى تتلقفها وسائل إعلام الدولة فتنشرها على الرعية بكل وسائل النشر والإعلان ، لأن عمرو بن العاص من أركان دولة معاوية ، وفي الوقت نفسه صحابي شاهد الرسول وجالسه وهو بحسب نظرية عدالة الصحابة صادق مصدق يمتنع عليه الكذب أو الغلط ! !

وعندما رفعت الدولة الحظر عن رواية وكتابة الأحاديث النبوية بعد مائة عام من حظرها وبسبب الفارق الزمني ، اضطر المعنيون بجمع الحديث إلى القول " حدثنا فلان ، قال حدثنا علان ، قال حدثنا زيد ، قال حدثنا زيدان قال حدثنا عمرو بن العاص أنه قال سمعت رسول الله . . . " .

ولأن الأكثرية الساحقة من الرعية قد اقتنعت بصحة المرويات الكاذبة التي اختلقها الأمويون وأشياعهم ، فقد وضعوا تحت تصرف الباحثين الجدد عن حديث رسول الله كافة تلك المرويات التي ورثوها ، جيلا بعد جيل ، فترسخ الكذب ، وألبس ثوب الصدق ! ! فصار من حيث الشكل صدقا ، وفق كل المعابير التي وضعها العلماء الباحثون عن حديث الرسول لضبط عملية نقل الحديث وروايته لذلك انطلقوا منها ، وبنوا فوقها ، لأنها مدعومة من

- ص 412 -

الدولة ، ومسلم بصحتها شعيبا ! ! وساعدهم على ذلك أنهم قد اعتمدوا المعايير التي وضعها معاوية وشيعته لنظرية عدالة كل الصحابة ! ! فآمنوا كما آمن معاوية بأن كل صحابي على الإطلاق صادق يمتنع عليه الكذب والغلط ، باستثناء علي بن أبي طالب وأهل بيت النبوة ، ومنجهر بولائه لهم أو عرف بهذا الولاء ! ! فتداول الناس المرويات التي اختلقها الأمويون ، والمرويات التي تمخض عنها جهد العلماء الباحثين فعلا عن حديث رسول الله ، واعتبروا المجموعتين أجزاء من منظومة أو مجموعة واحدة ، أو وجوها متعددة لشئ واحد ، وتجاوزت مرويات هذه المجموعة الملايين ، وكلها من حيث الشكل مروية بطريقة مقبولة وأدرك البعض أنه من المستحيل عقلا أن تصدر كل هذه المرويات عن رسول الله ! ! خاصة ، وأن بعضها يناقض بعض ! !

وكان من المتعذر عليهم أن يجهروا بهذه القناعة الخفية خوفا من العامة ، لذلك رأى البعض أن من الأنسب اختيار كميات محدودة من هذه الملايين ، وجمعها بمجموعات خاصة ، ووضعها تحت تصرف المسلمين ، وأعمالا لهذه الرؤية ، وضعت كتب الحديث التي سماها أصحابها أو عرفت عند العامة . . . بالصحاح وبرزت من هذه المجموعات " الصحاح الستة " وكان لجامع كل صحيح أسلوبه الخاص باختيار رجاله ، ومروياته وتبويب كتابة ، وظهرت المسانيد ، والسنن ، وهي كلها عبارة عن كتب حديث مختارة من المجموعة الكبرى التي أشرنا إليها قبل قليل .

والخط العام الذي انتهجه أصحاب الصحاح والمسانيد والسنن ، هو خط دولة الخلافة ، والرواة كلهم على الأغلب من الموالين لها ، ومن الذين أشربوا ثقافتها ولا عبرة بسابقة الرواة للإسلام أو حداثتهم فيه ، ولا لعلمهم في الدين أو جهلهم فيه ، ولا لجهادهم أو قعودهم ، فأبو هريرة الذي لا يعرف على وجه التحقيق اسمه الحقيقي لم يصحب النبي أكثر من سنتين

- ص 413 -

ومع هذا يروون عنه 5374 حديثا روى منها البخاري 446 حديثا ، وهذه الأرقام المذهلة تشكل أضعافا مضاعفة للأحاديث التي رويت عن أصحاب بيعة الرضوان مجتمعين وهم يربون على 1400 صحابي ! ! والعلة في ذلك بأن أبا هريرة كان من المؤيدين لبني أمية عامة ولمعاوية بن أبي سفيان خاصة ، فكان يضع أحاديث على رسول الله في مدح معاوية والأمويين ، ويضع أحاديث في ذم علي بن أبي طالب وأهل بيت النبوة ! ! وكان يسمع الإسرائيليات من كعب الأحبار ، وحتى يضفي على هذه الإسرائيليات طابع الأهمية ، ويضمن لها الرواج فقد كان يدعي بأنه قد سمعها عن رسول الله ! ! " ( 1 ) .

وأحيانا كان الخليفة يجتهد اجتهادا ما في أي أمر من الأمور العامة أو الخاصة ، فيقال صدقا أو كذبا أن اجتهاد هذا الخليفة أو ذاك مخالف للشرع الحنيف ، عندئذ يخرج من بين المجموع الموالية من يتبرع بوضع الحديث على رسول الله ليبرر اجتهاد الخليفة ، وليثبت التزام الخليفة بالشرع ، فيروي المؤمنون الصادقون أحاديث صحيحة سمعوها بالفعل من رسول الله ، ويعبرون عن دهشتهم واستنكارهم للأحاديث الموضوعة في هذا المجال أو ذاك ! !

ولكن في النتيجة تقف الأحاديث الموضوعة على رسول الله جنبا إلى جنب مع الأحاديث الصادرة بالفعل عن رسول الله ، ولأن الأحاديث الموضوعة تخدم الدولة وتوجهاتها ، والأحاديث الصحيحة تتعارض مع توجهات الدولة ، فإن الدولة بما لها من نفوذ وقدرة إعلامية تسلط الأضواء على الأحاديث المكذوبة ، وتظهرها بمظهر الصحيحة ، وتعتم على الأحاديث الصادرة بالفعل عن رسول الله ، وتحيطها بالشكوك ، ومن الأمثلة على ذلك متعة الحج ومتعة النساء ، ومنع رواية وكتابة الأحاديث النبوية ، فقد رويت أحاديث تحرم متعة الحج ومتعة النساء ، كما تحرم كتابة ورواية

 

( 1 ) راجع كتاب " شيخ المضيرة أبو هريرة " وكتاب أضواء على السنة النبوية للشيخ محمود أبو ريا . ( * )

 
 

- ص 414 -

الأحاديث النبوية ، كما رويت أحاديث تحلل المتعتين ، وتحض على كتابة ورواية الأحاديث النبوية ، ولأن الموجة الأولى من هذه الأحاديث تتفق مع سياسة الدولة وعمل الخلفاء ، فقد ثبتت ، وكتبت لها الحياة لتبقى بصورة دائمة مواجهة للأحاديث الصحيحة الصادرة عن رسول الله ، ومهمة الأحاديث المكذوبة أن تكون دفاعا تاريخيا دائما عن شرعية ومثالية سلوك الخلفاء ! ! وهكذا تتعايش الأحاديث الموضوعة على رسول الله مع الأحاديث الصادرة عنه بالفعل وتحلان في مكان واحد ! !

فالحديث الذي وضعه عمرو بن العاص " أن آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء إنما وليي الله وصالح المؤمنين " أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما ، وهم يعلمون أن الإمام عليا ، والحسن والحسين وذرية النبي المتبقية هم من آل أبي طالب ، فإذا كان علي والحسن والحسين والأئمة الأعلام من الذرية الطاهرة ليسوا بأولياء النبي ، فمن هم أولياؤه إذا ! ! ومن هم صالح المؤمنين الذين عناهم عمرو ؟ ! أكبر الظن بأن عمرو أراد أن يوحي للمسلمين بأنه ومعاوية والمغيرة بن شعبة وابن أبي سرح وأمثالهم هم صالح المؤمنين ! ! !

ومع هذا يروي البخاري حديث المنزلة " أنت مني بمنزلة هارون من موسى . . . " ويروي مسلم حديث الثقلين " كتاب الله وعترتي أهل بيتي " وهذه الأحاديث المتناقضة صحيحة ، بدليل أن البخاري ومسلم قد أخرجاها ، وأفردا لها مكانا في صحيحيهما ! ! ليس هذا فقط إنما الكثير من الأحاديث التي اعتبروها صحيحة مخالفة للقرآن الكريم مخالفة واضحة ، فقد أخرج البخاري في كتاب الدعوات من صحيحه باب من آذيته ومسلم في صحيحه كتاب البر والصلة باب من لعنه النبي أن رسول الله كان يغضب ، فيلعن ويسب ويؤذي من لا يستحقها ، فدعا الله أن تكون لمن بدرت منه زكاة وطهورا ، هذا الحديث الموضوع

- ص 415 -

يصور صاحب الخلق العظيم ( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) ( 1 ) بصورة الرجل الذي يفقد السيطرة على أعصابه ، فيتصرف مثل تلك التصرفات التي ألصقوها ظلما برسول الله ، لأن الشخص العادي الذي لا تتوفر فيه مؤهلات النبوة يترفع عن سب ولعن وإيذاء الناس بدون سبب ، فكيف بسيد الخلق وصفوة الجنس البشري وصاحب الخلق العظيم ! ! !

وقد سقنا في البحوث السابقة نماذج متعددة من هذه الترهات الفارغة ، ومع هذا يعتبرها البخاري أحاديث صحيحة ، ومدعومة بقناعة شعبية لأنها تبرر تولي الذين لعنهم رسول الله منصب الخلافة ! ! ! مع أنهم أعداء لله ولرسوله وقد لعنهم الله على لسان رسوله ! ! لقد خلطوا الحق بالباطل ، وضحوا بالحقائق الشرعية ليستروا على فضائح التاريخ ، وليضفوا عليها ثوب الستر والشرعية ، لأنهم قد خلطوا الدين بالتاريخ ، والحق بالرجال ، فعرفوا الحق بالرجال ، مع أن الرجال يعرفون بالحق ، فأجمعوا أمرهم على أن يستوفوا الجميع معا ! ! في الوقت الذي منع فيه الخلفاء كتابة ورواية الأحاديث النبوية ، وفي الوقت الذي أحرقوا فيه المكتوب منها ، فإنهم قد فتحوا الباب على مصراعيه للثقافة والخرافات اليهودية والنصرانية ، فكعب الأحبار مثلا ، قدم المدينة ، وأسلم على عهد عمر ، وبقي فيها بناء على طلب عمر ، وقد خصص له الخليفة عمر ساعة في كل أسبوع يتحدث فيها قبل صلاة الجمعة ، بمسجد رسول الله ، ولما آلت الخلافة لعثمان جعل الوقت ساعتين بدلا من ساعة ، وكان موضع سر الخليفتين عمر وعثمان يسألانه ويرجعان إليه في مبدأ الخلق ، وقضايا المعاد وتفسير القرآن وغير ذلك ، مع أن الرجل لم يصحب الرسول ، ولا يعرف شيئا عن الإسلام وثقافته يهودية من جميع الوجوه ، وأمام هذه الثقة التي خص الخلفاء بها كعبا ، علا شأنه وذاع صيته وأخذ

 

( 1 ) سورة القلم آية 4  . ( * )

 
 

- ص 416 -

بعض الصحابة يروون عنه مثل أنس بن مالك وأبي هريرة وعبد الله بن عمر بن الخطاب ، وعبد الله بن الزبير ومعاوية ونظرائهم من الصحابة والتابعين ، وفتح المجال أمام أهل الكتاب في ما بعد خاصة في عهد معاوية الذي اتخذ بطانة منهم ، أمثال كاتبه سرجون ، وطبيبه أثال ، وشاعره الأخطل ، ومن خلال هذه المنافذ الواسعة دخلت الثقافتين اليهودية والنصرانية ، ودخلت معهما خرافاتهما وأساطيرهما ، وقناعاتهما العامة ، ووجدت طريقها إلى كتب الحديث والتفسير ، وساهمت بخلط الأوراق " ( 1 ) .

 

( 1 ) معالم المدرستين للعسكري ج 2 ص 48 وما فوق . ( * )


 شبكة البتول عليها السلام  @ 11-2006  -  www.albatoul.net

إنتاج : الأنوار الخمسة للإستضافة والتصميم @ Anwar5.Net