متون الكتب :  
الفهارس :  
أسماء الكتب والمؤلفين :  
لقد خربوا سنة رسول الله فلم تعد تدري أبا من أي !!
الكتاب : أين سنة الرسول و ماذا فعلوا بها ؟    |    القسم : مكتبة المُستبصرين

لقد خربوا سنة رسول الله فلم تعد تدري أيا من أي ! ! !

 1 - وضع الخلفاء الثلاثة الأول الذين منعوا رواية وكتابة الأحاديث النبوية ( 1 ) من اجتهاداتهم الخاصة المبادئ العامة لمنظومة حقوقية متكاملة وجديدة وقفت على قدم المساواة مع المنظومة الحقوقية الإلهية ، بل ورجحت عليها عند التضارب بين أحكام المنظومتين ! ! فإذا أوجد الخلفاء من اجتهاداتهم حكما لواقعة من الوقائع ، كان الرسول قد بين لها حكما آخر ، فإن الذي يطبق هو الحكم الذي وضعه أو ارتآه الخلفاء ، ومن

 

( 1 ) اقتبسنا هذا الفصل من كتابنا الاجتهاد بين الحقائق الشرعية والمهازل التاريخية . ( * )

 
 

- ص 406 -

الطبيعي أن يحتج أهل بيت النبوة ، والفئة القليلة المؤمنة العارفة بالأحكام الشرعية ، فكان أولياء الخلفاء يختلفون أحاديث على رسول الله فيتقربون بهذه الأحاديث المختلقة إلى الخلفاء وفي الوقت نفسه يبررون ويدعمون اجتهادات الخلفاء ، وبما أن دولة الخلافة هي المسيطرة على وسائل الإعلام والمناهج التربوية والتعليمية ، فقد كانت تجيز هذه الاختلافات وتظهرها بمظهر الأحاديث الصحيحة وتعتمدها وساعدهم على ذلك تفشي نظرية عدالة كل الصحابة ، فالذين اختلقوا هذه الأحاديث كانوا قد شاهدوا الرسول وهذه المشاهدة كافية لتجعلهم عدولا ، ولتضفي عل كل ما يصدر منهم طابع الصدق والصواب ! ! أما الأحاديث المناقضة لاجتهادات الخلفاء فقد كان يعتم عليها تعتيما تاما ، يتم تجاهلها بالكامل ، وإن ظهرت رغم ذلك ، فقد كان يتم تداولها سرا وبخوف ، أما علنا فهي موضع شك لأنها مخالفة لرأي الدولة .

 2 - لما استولى معاوية على منصب الخلافة أصدر سلسلة من المراسم ، الملكية وعممها على كافة الولاة والعمال في كل مكان من أرجاء مملكته في نسخة واحدة وطلب منهم تنفيذها بدقة تامة ، جاء في أحدها أن برئت الذمة ممن روى شيئا في فضل أبي تراب وأهل بيت النبوة ، وجاء في آخر " لا تدعوا شيئا يروي في فضل أبي تراب إلا وتأتوني بمناقض له في الصحابة " ( 1 )

وأمر الناس أن يروي في فضل عثمان ، ثم في فضل أبي بكر ، ثم في فضل عمر ، ثم في فضل الصحابة مجتمعين ومتفردين باستثناء علي بن أبي طالب ومن والاه ووعد الرواة بجوائز سنية ، وأعطوا بالفعل عطايا تفوق حدي التصور والتصديق ! ! فانبجست الأرض فجأة عن آلاف الرواة وفاضت الدنيا بالروايات ، التي تمدح الخلفاء ومن والاهم ، وتذم أهل

 

( 1 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ج 3 ص 595 و 596 تحقيق حسن تميم نقلا عن كتاب الأحداث للمدائني . ( * )

 
 

- ص 407 -

بيت النبوة وعلي بن أبي طالب خاصة ومن والاهم أو وبتعبير أدق ، تمجد دولة الخلافة ، وتبرر أفعال الخلفاء ومساعديهم ، وتضفي عليهم طابع القداسة التامة ، وتذم أعداءهم ، وتظهرهم بمظهر المارقين الشاقين لعصا الطاعة ، المفرقين للجماعة وتهبط بمنزلة علي بن أبي طالب إلى مستوى الحضيض ، وتلغي بالكامل مكانة أهل بيت النبوة ، وتتجاهل وجودهم تجاهلا تاما فتؤخرهم وتقدم الجميع عليهم ، ولما تحقق لمعاوية ما أراد ، وجمع هذا الكم الهائل من المرويات الكاذبة ، فرض على العامة والخاصة تعلم هذه الروايات وحفظها ، وجعلها المادة الأساسية في الكتاتيب والمعاهد والجامعات ! ! ! " قال المدائني في كتابه " الأحداث " : " كتب معاوية إلى عماله بعد عام " الجماعة " أن برئت الذمة ممن روى شيئا من فضل أبي تراب وأهل بيت النبوة .

وكتب إليهم أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبيه وأهل ولايته والذين يروون فضائله ومناقبه ، فأدنوا مجالسهم ، وقربوهم وأكرموهم واكتبوا إلي بكل ما يروي رجل منهم واسمه واسم أبيه وعشيرته ، ففعلوا ذلك ، حتى أكثروا في فضائل عثمان ومناقبه ، لما كان يبعثه إليهم معاوية من الصلات والكساء والحباء والقطائع ويفيضه ، في العرب منهم والموالي ، فكثر ذلك ، وتنافسوا في المنازل والدنيا ، فليس يجئ أحد مردود من الناس عاملا من عمال معاوية فيروي في عثمان فضيلة أو منقبة إلا كتب اسمه وقربه ، وشفعه ، فلبثوا في ذلك حينا ، ثم كتب إلى عماله " إن الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كل مصر وفي كل وجه وناحية ، فإذا جاءكم كتابي هذا ، فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأولين ولا تتركوا خيرا يرويه واحد من المسلمين في أبي تراب إلا وأتوني بمناقض له في الصحابة مفتعلة ! ! فإن هذا أحب إلي ، وأقر لعيني ، وأدحض لحجة أبي تراب وشيعته وأشد عليهم من مناقب عثمان وفضله " ، فقرئت كتبه على الناس ، فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة ،

- ص 408 -

مفتعلة لا حقيقة لها ، وجد الناس في رواية ما يجري في هذا المجرى ، حتى أشادوا بذكر ذلك على المنابر ، وألقي إلى معلمي الكتاتيب ، فعلموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير ، حتى رووه وتعلموه كما يتعلمون القرآن ، وحتى علموه بناتهم ونساءهم وخدمهم وحشمهم ، فلبثوا في ذلك ما شاء الله ، فظهر حديث كثير موضوع ، وبهتان منتشر ، ومضى على ذلك الفقهاء ، والقضاة والولاة ، وكان أعظم الناس في ذلك بلية القراء المراؤون والمستضعفون الذين يظهرون الخشوع والتمسك ، فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم ويقربوا مجالسهم ويصيبوا به المال والضياع والمنازل ، حتى انتقلت تلك الأخبار إلى أيدي الديانين الذين لا يستحلون الكذب والبهتان ، فقبلوها ، ورووها وهم يظنون أنها حق ، ولو علموا أنها باطلة لما رووها ولما تدينوا بها " انتهى النص الحرفي لما ذكره المدائني كما روى ابن أبي الحديد" ( 1 )

قال ابن نفطويه وهو من كبار المحدثين وأئمة الجرح والتعديل بأن أكثر الأحاديث التي وضعت في فضائل الصحابة مفتعلة ، وكان القصد منها إرغام أنوف بني هاشم ( 2 ) .

وخلال هذه الفترة سب معاوية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأمر الناس جميعا بشتمه ولعنه ، وجعل ذلك سنة يجهر بها على منابر المسلمين في كل عيد وجمعة ، وما زال الخطباء في جميع أنحاء البلاد تعد تلك المنكرة جزءا من خطبة الجمعة والعيدين حتى عام 99 ه‍ ، عندما أزال هذه المنكرة عمر بن عبد العزيز وتلك حقيقة متواترة ( 3 ) .

 

( 1 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ج 3 ص 15 ، وفجر الإسلام لأحمد أمين ص 275 ، ومعالم المدرستين للعسكري ج 2 ص 53 .
( 2 ) شرح النهج تحقيق حسن تميم ج 3 ص 595 و 597 .
( 3 ) العقد الفريد ج 2 ص 301 ، وأسد الغابة ج 1 ص 134 ، والإصابة ج 1 ص 77 ، والغدير للأميني ج 1 ص 260 و 265 وج 8 ص 164 و 167
، والمحلى لابن حزم ج 5 ص 86 . ( * )

 
 

- ص 409 -

قال شيخ المعتزلة أبو جعفر الإسكافي : " إن معاوية حمل قوما على الصحابة وقوما من التابعين على رواية أخبار قبيحة في علي عليه السلام ، تقتضي الطعن فيه ، والبراءة منه ، وجعل لهم على ذلك جعلا يرغب بمثله ، فاختلفوا له ما أرضاه " ( 1 ) منهم أبو هريرة ، وعمرو بن العاص ، والمغيرة بن شعبة ، ومن التابعين عروة بن الزبير " .  

 

( 1 ) شرح النهج ج 1 ص 358 باب شرح قول أمير المؤمنين " أما إنه سيظهر عليكم بعدي رجل رجب البلعوم . . . " . ( * )


 شبكة البتول عليها السلام  @ 11-2006  -  www.albatoul.net

إنتاج : الأنوار الخمسة للإستضافة والتصميم @ Anwar5.Net