الموازين والمقاييس التي اعتمدها العلماء لتمييز ما قاله الرسول عما تقوله الرواة عليه
أوجد علماء دولة الخلافة مجموعة من الموازين أو المعابير أو المقاييس ليميزوا بواسطتها الحديث الصادر عن الرسول فعلا من الحديث الذي تقوله الرواة عليه ، وما أوجده العلماء منها لم يرد لا في كتاب الله ولا في سنة رسوله ، إنما هي موازين من صنع العلماء أنفسهم ومن " اختراعهم الخاص " وبالرغم من الجهود المضنية والمشكورة التي بذلها العلماء إلا أن النتيجة التي حصلوا عليها ، كانت دون المأمول ، لأن المشكلة نفسها أكبر من العلماء ، ولا طاقة لهم على حلها ، بدليل أن المشكلة ما زالت قائمة حتى يومنا هذا ! !
ولا يقوى على حلها غير أهل بيت النبوة ، واللجوء لأهل بيت النبوة ، سيكشف فضائح ، وينسف معتقدات ، ويدمر كل البنى الغريبة ، ويعيد كل شئ إلى موقعه الشرعي ، وهذا يعني عملية هدم وإعادة البناء ، لذلك آثر العلماء الدعة ، لاقتناعهم بأن المطلوب منهم بذل عناية لا تحقيق غاية ، وسنستعرض بكل الإيجاز للقواعد الأساسية التي قامت عليها موازين العلماء ومقاييسهم لتمييز ما قاله الرسول عن ما تقوله القوم عليه :
الصحابة :
لقد أجمع العلماء على أن كل حديث ينسب للرسول يجب أن يرويه عنه أحد من الصحابة ، فأي حديث لا يروي عن صحابة فهو باطل وغير صحيح ولا ينظر إليه . ويقصدون بالصحابة كل من لقى رسول الله وهو
مؤمن به أو متظاهر بالإيمان به ومات على ذلك ويشمل كل من شاهد الرسول أو لم يشاهده لعارض كالعمى ، أو شاهده الرسول ، من جالسوا الرسول أو لم يجالسوه ، بل ويشمل الأطفال الذين رآهم رسول الله أو رأوه ، ولا فرق بين السابقين بالإيمان أو المتأخرين عنه ، ولا فرق بين أعداء الله ورسوله السابقين الذين حاربوا الله ورسوله بكل وسائل الحرب حتى أحيط بهم فأسلموا وبين أولياء الله المخلصين الذين وضعوا أنفسهم تحت تصرف الرسول في كل المواقف ، ولا فرق أيضا بين العالم ، وبين غير العالم ، فكلهم صحابة ، وكلهم عدول ، وكلهم في الجنة ، حسب ما اتفق عليه علماء دولة الخلافة ! ! فأبو سفيان ، ومعاوية ، كعلي وجعفر صحابة عدول ! ! وعبد الله بن أبي سرح كعمار بن ياسر ، والمغيرة بن شعبة كأبي ذر فإن قال أي واحد من الصحابة عموما إن رسول الله قد قال كذا وكذا ، فمعنى ذلك أن الصحابي صادق ، وأن الرسول بالفعل قد قال كذا وكذا ، وأجمع علماء دولة الخلافة بأنه لا يحق لأي مسلم قط أن يجرح عدالة أي صحابي ، لأن الصحابة فوق الجرح والتعديل ، فقد عدلهم الله ، وضمن لهم الجنة ! ! ! حتى وإن أخطأ الصحابي فهو مأجور ، لأنه بحكم المجتهد ، ومن المستحيل برأي علماء دولة الخلافة أن يتعمد الصحابي الخطأ ! ! ! فالخطأ هو الذي هجم على الصحابي والصحابي برئ منه ، ولنفترض أن الصحابة اختلفوا ، فسار فريق منه نحو الجنوب وآخر نحو الشمال ، وثالث نحو الشرق ، ورابع نحو الغرب ، فكلهم على صواب ، وكلهم مأجورون ولا حرج على الأمة لو انقسمت تبعا لهم إلى أربعة أقسام ، والتحق كل قسم من الأمة بالقسم الذي يريد من الصحابة ! ! ولنفترض وقد وقع هذا أن الصحابة قد اشتبكوا جميعا بحرب أهلية دامية ، فهذا ليس جرما بنظر علماء دولة الخلافة ، لأن هذا الاصطدام ثمرة اجتهاد ، والمتصادمون كلهم مأجورون ، فالقاتل مأجور والمقتول مأجور أيضا والفرق أن من يكن منهم على الحق له أجر واحد ، ومن يكن منهم على الباطل له أجران ! ! ! لقد قرر العلماء بأن
الله قد غفر للصحابة ما تقدم من ذنوبهم وما تأخر وعلى المسلمين أن يصادقوا على هذا القرار ، ومن لا يصادق عليه فليس بمسلم ، ولا ينبغي أن يدقق في مقابر المسلمين " ( 1 )
لقد أكد القرآن الكريم وجود فئة من أهل المدينة ومن حولها مردت على النفاق ، هذه لقيت رسول الله وهي متظاهرة بالإسلام ، وماتت على ذلك ، جالست الرسول وسمعت منه ، وغزت معه ، وصلت وتصدقت وزكت ، فهم صحابة ، لأنه لم يعرف المسلمون منهم غير عاثر الحظ " عبد الله بن أبي " أما البقية فكانوا مندسين بين الناس فأين تبخرت هذه الفئة ، لقد مات الرسول وهم على النفاق ، هل كانوا ينتظرون موت الرسول حتى يصلحوا أنفسهم في يوم وليلة ! ! ! وكيف يكون المنافق عادلا ! ! ! هنالك فئات انتهكت حرمة القوانين الإلهية ، فسرقت ، أو زنت ، أو شربت الخمر ، أو قتلت ، أو رمت المحصنات ، وأقام الرسول الحدود عليهم ، فكيف يكون السارق والقاتل والزاني وشارب الخمر ورامي المحصنات من العدول ! ! !
لقد توعد الله المنافقين بالدرك الأسفل من النار ، والمنافقون ليسوا أشباحا إنما هم كائنات حية كانت عيش في الوسط الإسلامي وتقوم بكل شعائر الإسلام وتكتم نفاقها ، لقد تناسى العلماء الوعيد الإلهي بإدخال المنافقين في الدرك الأسفل من النار ، وتجاهلوا كافة الآيات المحكمات التي فضحت المنافقين ، وتجاهلوا وجود المنافقين ، والمرتزقة من الأعراب ، وأصحاب التاريخ الأسود بمعاداة الله ورسوله ، وتجاهلوا الذين لعنهم رسول الله ، والذين أقام عليه الحدود لارتكاب جرائم ثم حكموا دفعة واحدة بأن كل مواطني دولة الرسول عدول ومعصومون ومن أهل الجنة ،
|
( 1 ) إذا أردت التوسع في نظرية عدالة الصحابة فارجع إلى كتابنا نظرية عدالة الصحابة والمرجعية السياسية في الإسلام . ( * ) |
| |
وأن الرواية عن رسول الله مقبولة من كل واحد منهم ! ! ! وهكذا وقعوا في مطب جديد وخلقوا لأنفسهم ولسنة رسول الله مشكلة جديدة ، ووضعوا أنفسهم في حالة صدام دائم مع العقل ، ومع مبادئ الدين الحنيف ، وحتى الروايات الصادرة عن رسول الله والتي حكموا هم أنفسهم بصحتها ! ! ! .
وما يعنينا في هذا المقام هو التأكيد على أن العلماء قد جعلوا الرواية عن الصحابي شرط لازم من شروط صحة الحديث المنسوب إلى رسول الله ، فيجب أن يسند الحديث إلى صحابي - بالمفهوم الواسع للصحبة - يقول الصحابي : سمعت رسول الله يقول : . . . فإن لم يقل الصحابي ذلك فالحديث باطل شكلا وليس مرويا عن رسول الله ! ! ! ولا بد من التذكير بأنه عندما بدأت عملية كتابة وتدوين ورواية سنة الرسول كان الصحابة جميعا في ذمة الله ، وكذلك الأكثرية الساحقة من التابعين ! ! !
ولا بد من التذكير بأن الرواة قد " أوجدوا أو خلقوا " صحابة لا وجود لهم في الواقع ، فأحيانا يسمي الراوي أسماء لصحابة لا وجود لهم إلا في خياله ، ويسند رواياته الكاذبة لهم ، ومعنى ذلك أن الرواي يختلق أسماء صحابة ، ويختلق ، المتن ويختلق أسماء العدد اللازم من الأسناد ، وبناء على هذه الروايات كان العلماء يدخلون هذه الأسماء المختلقة لصحابة وهميين في قائمة الصحابة الفعليين ، وسيف التميمي أبرز الأمثلة على ذلك ( 1 ) .
لقد أراد العلماء حل مشكة الحديث عندما تبنوا نظرية عدالة كل الصحابة ، فأوجدوا 70 ألف مشكلة كل مشكلة لا تقل تعقيدا عن مشكلة الحديث ! ! ! والكارثة حقا أن العلماء اعتبروا آراءهم الشخصية ، ومعتقداتهم الخاصة بمثابة الأحكام الدينية ، وألزموا المسلمين باتباعها متحصنين وراء
|
( 1 ) راجع مرتضى العسكري في 150 صحابي مختلق . ( * ) |
| |
نظرية عدالة كل الصحابة ، ومتسلحين بحبهم لصحابة رسول الله ! ! فأوجدوا مئات الألوف من المراجع .
كل واحد من الصحابة مرجع قائم بذاته ، وله سنته الواجبة الرعاية ! ! كان كتاب الله وسنة رسوله هما المرجع القانوني الأوحد للمسلمين ، وكان الرسول الأعظم هو المرجع البشري الأوحد للناس ، بعد موت الرسول أدخلت سنة الخلفاء الراشدين مع كتاب الله وسنة رسوله ، وهكذا صار المرجع القانوني للمسلمين ثلاثيا " كتاب الله وسنة رسوله وسنة الخلفاء الراشدين كما وثقنا ، وقف الخلفاء الراشدون الثلاثة كمراجع بشرية إلى جانب الرسول ! ! فأصبح للمسلمين أربعة مراجع بشرية ، وبإدخال الإمام علي مؤخرا إلى قائمة الخلفاء الراشدين صاروا خمسة ! ! !
بعد مائة عام ونيف ، صار كل واحد من الصحابة مرجع قائم بذاته ، وله سنته الخاصة به ، والصحابة يعدون بعشرات الألوف فمعنى ذلك أنه قد صار للمسلمين عشرات الألوف من المراجع وعشرات الألوف من أصحاب السنن ! ! ولا حرج على أي مسلم لو أخذ دينه من أي واحد من هذه المراجع ، أو سار خلف أي واحد منها ، أو اتبع سنة أي واحد منها ! ! كانت السنة تعني قول الرسول وفعله وتقريره ، وأصبحت السنة تعني أيضا قول كل صحابي وفعله وتقريره ! !
وأصبحت آراء الصحابة في الحوادث المصدر الثالث من مصادر التشريع : 1 - القرآن 2 - السنة 3 - رأي الصحابي
والمذاهب الثلاثة الأحناف والمالكية والحنابلة أكثر تعصبا لآراء الصحابة من الشوافع . ومع أن أبا حنيفة كان متحمسا للقياس ويراه أفضل المصادر بعد القرآن إلا أنه كان يقدم رأي الصحابي عليه إذا تعارض في مورد من الموارد ، وقد جاء عن أبي حنيفة ! إن لم أجد في كتاب ولا في سنة رسوله أخذت بقول أصحابه فإن اختلفت آراؤهم في حكم الواقعة ، آخذ بقول من شئت وأدع من شئت ولا أخرج من قولهم إلى قول غيرهم من التابعين " ( 1 ) .
وجاء في أعلام الموقعين لابن القيم : إن أصول الأحكام عند الإمام أحمد خمسة : 1 - النص 2 - فتوى الصحابي وأن الحنابلة والأحناف قد ذهبوا إلى تخصيص كتاب الله بعمل الصحابي ، لأن الصحابي العالم لا يترك العمل بعموم الكتاب إلا لدليل ، فيكون عمله على خلاف عموم الكتاب دليلا على التخصيص وقوله بمثابة عمله " ( 2 ) .
|
( 1 ) أبي حنيفة لأبي زهرة ص 304 ، والإمام زيد ص 418 ، وآراء علماء المسلمين للسيد مرتضى الرضوي . ( 2 ) المدخل إلى أصول الفقه للدواليبي ص 217 ، وكتابنا نظرية عدالة الصحابة 119 - 120 . ( * ) | |
|