متون الكتب :  
الفهارس :  
أسماء الكتب والمؤلفين :  
تقوية الفطرة وتضعيفها وإساءة استعمالها
الكتاب : العقائد الإسلامية ج1    |    القسم : مكتبة عقائد الشيعة

تقوية الفطرة وتضعيفها وإساءة استعمالها

ـ بحار الاَنوار ج 73 ص 269
. . . ثم الناس في هذه القوة على درجات ثلاث في أول الفطرة وبحسب ما يطرأ عليها من الاَمور الخارجة من التفريط والاِفراط والاِعتدال ، أما التفريط فيفقد هذه القوة أو يضعفها بأن لا يستعملها فيما هو محمود عقلاً وشرعاً مثل دفع الضرر عن نفسه على وجه سائغ ، والجهاد مع أعدائه والبطش عليهم ، وإقامة الحدود على الوجه المعتبر ، والاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فتحصل فيه ملكة الجبن بل ينتهي إلى عدم الغيرة على حرمه وأشباه ذلك . انتهى . أقول : ويدل عليه أيضاً قوله صلى الله عليه وآله ( ولكن أبواه يهودانه أو ينصرانه ) .

ـ بحار الاَنوار ج 60 ص 372
الاِقبال : عن الحسين بن علي عليهما السلام في دعاء يوم عرفة :

( 117 )
ابتدأتني بنعمتك قبل أن أكون شيئاً مذكوراً وخلقتني من التراب ، ثم أسكنتني الاَصلاب ، آمناً لريب المنون واختلاف الدهور ، فلم أزل ظاعناً من صلب إلى رحم في تقادم الاَيام الماضية والقرون الخالية ، لم تخرجني لرأفتك بي ولطفك لي وإحسانك إلي في دولة أئمة الكفرة الذين نقضوا عهدك ، وكذبوا رسلك ، لكنك أخرجتني رأفةً منك وتحنناً علي للذي سبق لي من الهدى الذي يسرتني وفيه أنشأتني ، ومن قبل ذلك رؤفت بي بجميل صنعك ، وسوابغ نعمتك ، فابتدعت خلقي ، من مني يمني ، ثم اسكنتني في ظلمات ثلاث بين لحم وجلد ودم ، لم تشهرني بخلقي ، ولم تجعل إليَّ شيئاً من أمري ، ثم أخرجتني إلى الدنيا تاماً سوياً ، وحفظتني في المهد طفلاً صبياً ، ورزقتني من الغذاء لبناً مرياً ، وعطفت على قلوب الحواضن ، وكفلتني الاَمهات الرحائم ، وكلاَتني من طوارق الجان ، وسلمتني من الزيادة والنقصان ، فتعاليت يا رحيم يا رحمان .
حتى إذا استهللت ناطقاً بالكلام ، أتممت على سوابغ الاَنعام ، فربيتني زائداً في كل عام حتى إذا كملت فطرتي ، واعتدلت سريرتي ، أوجبت عليَّ حجتك بأن ألهمتني معرفتك ، وروعتني بعجائب فطرتك ، وأنطقتني لما ذرأت لي في سمائك وأرضك من بدائع خلقك ، ونبهتني لذكرك وشكرك ، وواجب طاعتك وعبادتك ، وفهمتني ما جاءت به رسلك .. إلخ . انتهى .
قال المجلسي رحمه الله الفطرة إشارة إلى قوة الاَعضاء والقوى الظاهرة ، واعتدال السريرة إلى كمال القوى الباطنة . . . . ألقيت في روعي أي قلبي عجائب الفطرة ، لكنه بعيد عن الشائع في إطلاق هذا اللفظ بحسب اللغة . انتهى .
أقول : الظاهر أن معناه : جعلتني أدرك روائع وعجائب ما فطرته من مخلوقاتك .

ـ تفسير الميزان ج 16 ص 178
الفطرة بناء نوع من الفطر بمعنى الاِيجاد والاِبداع ، وفطرة الله منصوب على الاغراء أي إلزم الفطرة ، ففيه إشارة إلى أن هذا الدين الذي يجب إقامة الوجه له ، هو
( 118 )
الذي تهتف به الخلقة وتهدي إليه الفطرة الاِلَهية التي لا تبديل لها .
وذلك أنه ليس الدين إلا سنة الحياة والسبيل التي يجب على الاِنسان أن يسلكها حتى يسعد في حياته ، فلا غاية للانسان يتبعها إلا السعادة ، وقد هدى كل نوع من أنواع الخليقة إلى سعادته التي هي بغية حياته بفطرته ونوع خلقته ، وجهزه في وجوده بما يناسب غايته من التجهيز ، قال تعالى : ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى . طه ــ 50 وقال : الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى . الاَعلى ــ 3 .
فالاِنسان كسائر الاَنواع المخلوقة مفطور بفطرة تهديه إلى تتميم نواقصه ورفع حوائجه وتهتف له بما ينفعه وما يضره في حياته ، قال تعالى : ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها : الشمس ــ 8 وهو مع ذلك مجهز بما يتم له به ما يجب له أن يقصده من العمل ، قال تعالى : ثم السبيل يسره : عبس ــ 20 .
فللانسان فطرة خاصة تهديه إلى سنة خاصة في الحياة وسبيل معينة ذات غاية مشخصة ليس له إلا أن يسلكها خاصة ، وهو قوله : فطرة الله التي فطر الناس عليها ، وليس الاِنسان العائش في هذه النشأة إلا نوعاً واحداً لا يختلف ما ينفعه وما يضره بالنظر إلى هذه البنية المؤلفة من روح وبدن ، فما للاِنسان من جهة أنه إنسان إلا سعادة واحدة وشقاء واحد ، فمن الضروري حينئذ أن يكون تجاه عمله سنة واحدة ثابتة يهديه اليها هاد واحد ثابت ، وليكن ذاك الهادي هو الفطرة ونوع الخلقة ، ولذلك عقب قوله : فطرة الله التي فطر الناس عليها ، بقوله : لا تبديل لخلق الله ، فلو اختلفت سعادة الاِنسان باختلاف أفراده لم ينعقد مجتمع واحد صالح يضمن سعادة الاَفراد المجتمعين ، ولو اختلفت السعادة باختلاف الاَقطار التي تعيش فيها الاَمم المختلفة بمعنى أن يكون الاَساس الوحيد للسنة الاِجتماعية ، أعني الدين هو ما يقتضيه حكم المنطقة ، كان الاِنسان أنواعاً مختلفة باختلاف الاَقطار ، ولو اختلفت السعادة باختلاف الاَزمنة بمعنى أن تكون الاَعصار والقرون هي الاَساس الوحيد للسنة الدينية ، اختلفت نوعية كل قرن وجيل مع من ورثوا من آبائهم أو أخلفوا من أبنائهم ،
( 119 )
ولم يسر الاِجتماع الاِنساني سير التكامل ، ولم تكن الاِنسانية متوجهة من النقص إلى الكمال ، إذ لا يتحقق النقص والكمال إلا مع أمر مشترك ثابت محفوظ بينهما .
وليس المراد بهذا إنكار أن يكون لاختلاف الاَفراد أو الاَمكنة أو الاَزمنة بعض التأثير في انتظام السنة الدينية في الجملة ، بل إثبات أن الاَساس للسنة الدينية هو البنية الاِنسانية التي هي حقيقة واحدة ثابتة مشتركة بين الاَفراد ، فللاِنسانية سنة واحدة ثابتة بثبات أساسها الذي هو الاِنسان ، وهي التي تدير رحى الاِنسانية مع ما يلحق بها من السنن الجزئية المختلفة باختلاف الاَفراد أو الاَمكنة أو الاَزمنة . وهذا هو الذي يشير إلى قوله بعد ذلك : الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون . . . .
وللقوم في مفردات الآية ومعناها أقوال أخر متفرقة ، منها : أن المراد بإقامة الوجه تسديد العمل ، فإن الوجه هو ما يتوجه إليه وهو العمل وإقامته تسديده . وفيه أن وجه العمل هو غايته المقصودة منه وهي غير العمل ، والذي في الآية هو : فأقم وجهك ، ولم يقل فأقم وجه عملك . . . .
ومنها ، أن لا في قوله : لا تبديل لخلق الله ، تفيد النهي أي لا تبدلوا خلق الله أي دينه الذي أمرتم بالتمسك به ، أولا تبدلوا خلق الله بإنكار دلالتة على التوحيد ، ومنه من نسب إلى ابن عباس أن المراد به النهي عن الخصاء .
وفيه ، أن لا دليل على أخذ الخلق بمعنى الدين ولا موجب لتسمية الاِعراض عن دلالة الخلقة أو إنكارها تبديلاً لخلق الله ، وأما ما نسب إلى ابن عباس ففساده ظاهر .
ومنها ، ما ذكره الرازي في التفسير الكبير قال : ويحتمل أن يقال خلق الله الخلق لعبادته وهم كلهم عبيده لا تبديل لخلق الله ، أي ليس كونهم عبيداً مثل كون المملوك عبداً للاِنسان فإنه ينتقل عنه إلى غيره ويخرج عن ملكه بالعتق ، بل لا خروج للخلق عن العبادة والعبودية . وهذا لبيان فساد قول من يقول العبادة لتحصيل الكمال والعبد يكمل بالعبادة فلا يبقى عليه تكليف ، وقول المشركين إن الناقص لا يصلح لعبادة الله، وإنما الاِنسان عبد الكواكب والكواكب عبيد الله ، وقول النصارى إن عيسى كان
( 120 )
يحل الله فيه وصار إلَها ، فقال : لا تبديل لخلق الله بل كلهم عبيد لا خروج لهم عن ذلك . إنتهى .
وفيه، أنه مغالطة بين الملك والعبادة التكوينيين والملك والعبادة التشريعيين، فإن ملكه تعالى الذي لا يقبل الاِنتقال والبطلان ملك تكويني بمعنى قيام وجود الاَشياء به تعالى ، والعبادة التي بإزائه عبادة تكوينية وهو خضوع ذوات الاَشياء له تعالى ، ولا تقبل التبديل والترك كما في قوله : وإن من شيء إلا يسبح بحمده : إسراء ــ 44 وأماالعبادة الدينية التي تقبل التبديل والترك فهي عبادة تشريعية بإزاء الملك التشريعي المعتبر له تعالى ، فافهمه . ولو دل قوله لا تبديل لخلق الله على عدم تبديل الملك والعبادة والعبودية لدل على التكويني منهما ، والذي يبدله القائلون بارتفاع التكليف عن الاِنسان الكامل أو بعبادة الكواكب أو المسيح ، فإنما يعنون به التشريعي منهما .

ـ تفسير الميزان ج 5 ص 312
البيانات القرآنية تجري في بث المعارف الدينية وتعليم الناس العلم النافع هذا المجرى ، وتراعي الطرق المتقدمة التي عينتها للحصول على المعلومات ، فما كان من الجزئيات التي لها خواص تقبل الاِحساس فإنها تصريح فيها إلى الحواس كالآيات المشتملة على قوله : ألم تر ، أفلا يرون ، أفرأيتم ، أفلا تبصرون ، وغير ذلك .
وما كان من الكليات العقلية مما يتعلق بالاَمور الكلية المادية ، أو التي هي وراء عالم الشهادة ، فإنها تعتبر فيها العقل اعتباراً جازماً وإن كانت غائبة عن الحس خارجة عن محيط المادة والماديات كغالب الآيات الراجعة إلى المبدأ والمعاد المشتملة على أمثال قوله : لقوم يعقلون ، لقوم يتفكرون ، لقوم يتذكرون ، يفقهون ، وغيرها .
وما كان من القضايا العملية التي لها مساس بالخير والشر والنافع والضار في العمل والتقوى والفجور ، فإنها تستند فيها إلى الاِلهام الاِلَهي بذكر ما بتذكره يشعر الاِنسان بإلهامه الباطني كالآيات المشتملة على مثل قوله : ذلكم خير لكم ، فإنه آثم قلبه ،
( 121 )
والاِثم والبغي بغير الحق ، إن الله لا يهدي ، وغيرها ، وعليك بالتدبر فيها .
ومن هنا يظهر أولاً أن القرآن الكريم يخطيء طريق الحسيين وهم المعتمدون على الحس والتجربة النافون للاَحكام العقلية الصرفة في الاَبحاث العلمية ، وذلك أن أول ما يهتم القرآن به في بيانه هو أمر توحيد الله عز اسمه ، ثم يرجع إليه ويبني عليه جميع المعارف الحقيقية التي يبينها ويدعو إليها .
ومن المعلوم أن التوحيد أشد المسائل ابتعاداً من الحس وبينونة للمادة وارتباطاً بالاَحكام العقلية الصرفة . والقرآن يبين أن هذه المعارف الحقيقية من الفطرة ، قال : فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله . الروم ــ 30 أي أن الخلقة الاِنسانية نوع من الاِيجاد يستتبع هذه العلوم والاِدراكات ، ولا معنى لتبديل خلق إلا أن يكون نفس التبديل أيضاً من الخلق والاِيجاد ، وأما تبديل الاِيجاد المطلق أي إبطال حكم الواقع فلا يتصور له معنى ، فلن يستطيع الاِنسان وحاشا ذلك أن يبطل علومه الفطرية ويسلك في الحياة سبيلاً آخر غير سبيلها البتة .
وأما الاِنحراف المشهود عن أحكام الفطرة فليس إبطالاً لحكمها بل استعمالاً لها غير ما ينبغي من نحو الاِستعمال ، نظير ما ربما يتفق أن الرامي لا يصيب الهدف في رميته ، فإن آلة الرمي وسائر شرائطه موضوعة بالطبع للاِصابة ، إلا أن الاِستعمال يوقعها في الغلط ، والسكاكين والمناشير والمثاقب والابر وأمثالها إذا عبئت في الماكينات تعبئة معوجة تعمل عملها الذي فطرت عليه بعينه من قطع أو نشر أو ثقب وغير ذلك ، لكن لا على الوجه المقصود ، وأما الاِنحراف عن العمل الفطري كأن يخاط بنشر المنشار بأن يعوض المنشار فعل الاِبرة من فعل نفسه فيضع الخياطة موضع النشر ، فمن المحال ذلك .
وهذا ظاهر لمن تأمل عامة ما استدل به القوم على صحة طريقهم ، كقولهم إن الاَبحاث العقلية المحضة والقياسات المؤلفة من مقدمات بعيدة من الحس يكثر وقوع الخطأ فيها ، كما يدل عليه كثرة الاِختلافات في المسائل العقلية المحضة ، فلا
( 122 )
ينبغي الاِعتماد عليها لعدم اطمئنان النفس إليها . وقولهم في الاستدلال على صحة طريق الحس والتجربة إن الحس آلة لنيل خواص الاَشياء بالضرورة وإذا أحس بأثر في موضوع من الموضوعات على شرائط مخصوصة ثم تكرر مشاهدة الاَثر معه مع حفظ تلك الشرائط بعينها من غير تخلف واختلاف ، كشف ذلك عن أن هذا الاَثر خاصة الموضوع من غير اتفاق ، لاَن الاِتفاق ( الصدفة ) لا يدوم البتة .
والدليلان كما ترى سيقا لاِثبات وجوب الاِعتماد على الحس والتجربة ورفض السلوك العقلي المحض ، مع كون المقدمات المأخوذة فيهما جميعاً مقدمات عقلية خارجة عن الحس والتجربة ، ثم أريد بالاَخذ بهذه المقدمات العقلية إبطال الاَخذ بها، وهذا هو الذي تقدم أن الفطرة لن تبطل البتة ، وإنما يغلط الاِنسان في كيفية استعمالها .

 شبكة البتول عليها السلام  @ 11-2006  -  www.albatoul.net

إنتاج : الأنوار الخمسة للإستضافة والتصميم @ Anwar5.Net