بدء الكتابة والتدوين والرواية بعد المنع
لقد فتح عمر بن عبد العزيز رسميا باب الكتابة والتدوين والرواية وتأليف الكتب ، بعد أن بقي هذا الباب مغلقا إغلاقا تاما طوال مائة عام ونيف إعمالا لسنة الخلفاء القائمة في جانب منها على كراهية الكتابة والتدوين والرواية لسنة رسول الله خاصة وبقية العلوم عامة ، واحتاجت الأكثرية الساحقة من المسلمين إلى فترة زمنية تراوحت بين العشرين والثلاثين سنة حتى تستوعب هذا القرار المناقض تماما لسنة الخلفاء ، ولكن الخلفاء الأمويين المتأخرين قد أصروا على تنفيذه ، وأكرهوا الناس على قبوله ، وبعد تردد قبلته الأكثرية وهي كارهة له ، ومع الأيام رضيت به ، واكتشفت حسناته وبركاته فأقبلت عليه في أواخر عهد بني أمية وبدأ القادرون على الكتابة بكتابة صحف متفرقة ، يدونون فيها ما يروق لهم مما يسمعونه في مجالسهم ، من حديث وتفسير ولغة وشعر ، وحلال وحرام دون أن يستهجن عملهم مستهجن ، أو يؤاخذهم على ما يكتبون مؤاخذ لأن كتابة كل شئ صارت أمرا مباحا ومشروعا ، كانت هذه حالة الكتابة والتدوين في أواخر العهد الأموي .
بعد سقوط الدولة الأموية ، قامت على أنقاضها الدولة العباسية التي وجدت الباب مفتوحا للكتابة والرواية والتدوين والتأليف ووجدت القبول العام بذلك كله ، وكان على رأس الدولة العباسية أبو جعفر المنصور ، وهو عالم فذ وفق موازين عصره ، فاستنهض علماء زمانه ، فدونوا المحفوظ بالصدور ، ورتبوا ما وصل إليهم من الصحف ، وجمعوا الحديث والفقه ، وأمدهم بما يحتاجونه ، ولم يكتف بذلك بل كلف العلماء والمترجمين بأن ينقلوا له علوم الأمم الأخرى ويترجمونها من اليونانية والسريانية والفارسية إلى اللغة العربية ، فانتشرت سريعا كتب الحديث والتفسير والفقه والسياسة والحكمة والطب والفلك والتنجيم والفلسفة والمنطق والتاريخ والأيام وغيرها ، واستقرت مهنة الكتابة والتأليف ، ثم أخذت تتطور تطورا نوعيا شاملا وفي كل فرع من فروع العلوم حتى وصلت للأفضل .
|