ثم وضعوا سندا وأساسا شرعيا لسنة أبي بكر وعمر وعثمان ! !
في الأساس لم يكن لمصطلح سيرة أبي بكر وعمر ، أو سنتهما أساس ولا سند من الشرع أو من العقل ، وسندهما الوحيد هو التأييد الشعبي الجارف للخليفتين ، وعز على أولياء الخليفتين ذلك فأرادوا لسنة الخليفتين سندا من القرآن أو من سنة الرسول ليضمنوا لسنة الخليفتين الدوام والاستمرار فيدوم العز لوليهما ، ويدوم الذل لعدوهما ! ! وتلغى سنة الرسول المعارضة لسنتهما ! ! ! وبعد جهد وضعوا النص التالي أو استخدموه لصالحهم أن رسول الله قد قال : " . . . فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ . . . " ( 1 ) .
وهذا يستدعي وجود خلفاء راشدين مهديين ، فاعتبر أبا بكر أولهم ، واعتبروا عمر ثانيهم ، واعتبروا عثمان هو الثالث ، وهكذا صاروا ثلاثة ، أما علي فلم يكن معهم أصلا ، بل ولم يتم الاعتراف بشرعية خلافته ، وكانت الأكثرية الساحقة من المسلمين تلعنه بالعشي والأبكار ، وتتقرب إلى الله بشتمه ولعنه وبغضه هو وأهل بيته وفي ما بعد " تلطف علماء دولة الخلافة فأدخلوه بقائمة " الخلفاء الراشدين المهديين ! !
فبموجب هذا الحديث فإن سنة رسول الله في أحسن الظروف ما هي إلا سنة من خمس سنن ، فالقرآن وسنة الرسول وسنن الأربعة بالتتابع هي القانون النافذ في المجتمع وأي نص وارد في هذه السنن الخمسة فهو واجب التطبيق ، فإذا أخذ بعين الاعتبار بأن سنة الرسول المكتوبة قد أحرقت بالفعل ، ولم يبق منها إلا ما هو مخبأ عند أهل بيت النبوة ، وأن الخلفاء قد أمروا المسلمين بأن لا يحدثوا عن رسول الله شيئا أدركنا بأن السنن المطبقة فعليا في المجتمع هي سنن الخلفاء
|
( 1 ) جامع الأصول من أحاديث الرسول لابن الأثير ج 1 ص 189 ، وسنن الدارمي المقدمة باب اتباع السنة ج 1 ص 44 و 45 . ( * ) |
| |
الثلاثة ، لأن الإمام عليا قد أدخل حديثا مع الخلفاء الراشدين المهديين ، ثم إن سنته تتعارض بالكامل مع سنن الثلاثة الذين سبقوه ! ! ! ومعنى ذلك أن الرسول الأعظم ليس أكثر من واحد من أربعة مشرعين مهمتهم وضع القواعد الحقوقية الواجبة التطبيق في المجتمع ! ! !
وبما أن سنة الرسول المكتوبة قد أحرقت ومنع الخلفاء الناس من أن يحدثوا عن رسول الله فمعنى ذلك أن الخلفاء الثلاثة هم الذين شرعوا كافة القواعد المطبقة في المجتمع ! ! ! وأن القواعد التي وضعها الثلاثة قد حلت عمليا محل سنة الرسول المستبعدة من المجتمع ! ! هذه التفصيلات تزعجهم لأن المهم عندهم هو الإطار العام أو الإجمال " فالمطلوب هو التمسك بسنة الرسول وسنة الخلفاء الراشدين من بعده ! ! !
لقد أكد الرسول أنه قد بين القرآن كله ، ولم يدع خيرا إلا ورغبهم فيه ، ولا شرا إلا ونفرهم منه وأكد بأنه قد ترك الناس على الواضحة أو المحجة البيضاء ! ! أفلا تغني سنة الرسول عن سنة الخلفاء ! ! وما هو الناقص في سنة الرسول حتى يكملوه من سنة الخلفاء ! ! !
فإذا قولوا بأن سنة الرسول ناقصة وغير كافية فقد كفروا وإن اعترفوا بكمال الدين وتمام النعمة الإلهية ، فقد أقروا على أنفسهم بأن سنة الخلفاء غير لازمة ولا معنى لوجودها ! ! ! إلا إذا اعتقدوا أن في كتاب الله وسنة رسوله ، أمورا غير مناسبة ! ! وقدروا أن سنة الخلفاء تتضمن حلولا أنسب ! ! وذلك هو الكفر بعينه ! !
وإصرارهم على أن للخلفاء سنة بالرغم من وجود كتاب الله وسنة رسوله يؤكد تأكيدا قاطعا على اشتمال سنة الخلفاء لأحكام ليست موجودة لا في كتاب الله ولا في سنة رسوله ، كما يؤكد على أن سنة الخلفاء قد عمل فيها بأمور معينة ، وأهملت الأحكام التي عالجت هذه الأمور والواردة في كتاب الله وسنة رسوله وعلى سبيل المثال فإن الرسول كان يقسم المال بين الناس بالسوية ، لا يفضل في ذلك مهاجريا على أنصاري ، ولا عربيا على عجمي ، ولا مولى على صريح لأن
حاجات أبناء البشر متشابهة وتلك أمور تدرك بالعقل والفطرة ، فجميع أبناء البشر يأكلون ويشربون ويتزاوجون ، ثم إن الرسول لا ينطق عن الهوى بل يتبع ما يوحى إليه من ربه ، فلا بد من أن يتلقى التوجيه الإلهي بأمر بهذه الخطورة ، وطوال عهده الشريف كان يقسم بين الناس بالسوية حتى أصبح عمل الرسول وسنة فعلية وقولية معا ! !
لما استولوا على منصب الخلافة التزم أبو بكر بسنة رسول الله ، فقسم المال بين الناس بالسوية ، ولما تولى عمر الخلافة رأى أن سنة الرسول التي تقسم بين الناس بالسوية ليست مناسبة ، لذلك أوجد سنة بديلة مناقضة تماما لسنة الرسول وقائمة على أساس التفاضل بين الناس فلا يعقل حسب سنة عمر أن يعطى المهاجر مثل الأنصاري ، ولا العربي مثل العجمي ولا . . . الخ ، لذلك اخترع للناس منازل من عنده ، وفضل المهاجرين على الأنصار ، وقريشا على العرب ، والعرب على العجم ، وأعطى زوجات الرسول عطاء خاصا يفوق حد التصور والتصديق ، وزائدا عن حاجة كل واحدة منهن ! ! بل إنه لم يساو في العطاء بين زوجات الرسول ، فأعطى عائشة وحفصة أكثر من باقي أزواج الرسول " ( 1 )
وفرض هذه السنة على الناس ، بعد أن ألغى سنة الرسول . وهكذا وجد في المجتمع سنتان ، سنة عمر المعمول بها والقائمة على التمييز بين الناس في العطاء ، وسنة الرسول التي أهملت والقائمة على التسوية بالعطاء ، فمن المحال عقلا تطبيق سنة الرسول وسنة عمر في المجتمع نفسه ، وبالضرورة يجب أن تلغي إحداهما الأخرى ، فإما أن يعمل بسنة الرسول وتهمل سنة عمر ، وإما أن يعمل بسنة عمر وتهمل سنة الرسول ! ! ! لقد اختار عمر الحل الأخير فأهمل سنة رسول الله ، وأعمل بسنته ! !
ونتيجة هذه السنة الجديدة أشعل عمر دون أن يدري نار الصراع بين ربيعة ومضر وبين الأوس والخزرج وبين العرب والعجم ، وبين الصريح
|
( 1 ) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 106 - 107 ، وشرح النهج ج 8 ص 111 . ( * ) |
| |
والمولى ، ووضع حجر الأساس للنظام الطبقي ، فوجد في المجتمع من يملك الملايين ، ووجد من يموت من الجوع لأنه لا يجد ثمن رغيف العيش وظلت النار التي أشعلها عمر تشتد وتكبر حتى التهمت المجتمع الإسلامي كله ، وأفقدته صوابه ، وعجلت بتآكله الداخلي ونهايته ! ! ! وبعد تسع سنين من إهماله لسنة رسول الله وإعماله لسنته ، وبعد أن شاهد بعض الآثار المدمرة لتطبيق سنته وإهمال سنة الرسول صرح عمر قائلا " إن عشت هذه السنة ساويت بين الناس فلم أفضل أحمر على أسود ، ولا عربيا على عجمي وصنعت كما صنع رسول الله وأبو بكر " ( 1 ) ! !
وهذا يعني أن عمر عندما ألغى سنة الرسول القائمة على التسوية بالعطاء كان يعلم علم اليقين بأنه يلغي سنة لرسول الله ، وأن صاحبه أبا بكر قد اتبعها ومع هذا ألغاها مع سبق الإصرار ، ووضع بدلا منها سنة جديدة مناقضة تماما لسنة الرسول ، وبعد أن طبق عمر سنته الجديدة وأهمل سنة الرسول طوال تسع سنوات فكر بإعادة الأمور إلى سابق عهدها ، قائلا : " إن عشت هذه السنة ساويت بين الناس . . . وصنعت كما صنع رسول الله وأبو بكر " ( 2 )
ومات عمر والناس على سنته وبقيت سنة الله مهملة ، وسنة عمر هي النافذة ، وصار الخلفاء يتحكمون بالناس عن طريق التلاعب بتوزيع العطاء ! ! ونسوق مثلا آخر في المجال الاقتصادي وهو سهم ذوي القربى ، فسنة الرسول قد استقرت طوال عهده المبارك بإعطاء خمس الخمس لذوي القربى وهم بنو هاشم الذكر منهم والأنثى وبنو المطلب ( 3 ) بالإضافة إلى يتيم
|
( 1 ) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 7 ، وشرح النهج ج 1 ص 111 ، وتاريخ الطبري ج 5 ص 22 وكتابنا المواجهة ص 266 و 267 . ( 2 ) راجع تاريخ الطبري ص 22 سيرة عمر باب حملة الدرة . ( 3 ) سنن أبي داود ج 2 ص 50 ، وتفسير الطبري ج 1 ص 50 ، ومسند أحمد ج 4 ص 81 ، والمغازي للواقدي غزوة خيبر . ( * ) |
| |
الهاشميين ومسكينهم وابن سبيلهم ، والحكمة من هذا التشريع كانت إبراز التميز لذوي القربى وسد حاجاتهم لأن الصدقة محرمة عليهم ( 1 ) .
عندما تولى أبو بكر الخلافة حرمهم من هذا السهم بحجة أن هذا السهم كان لهم حال حياة النبي فقط ، وليس لهم بعد مماته ( 2 ) ، وعندما تولى عمر الخلافة ، حرمهم من هذا السهم أيضا ولكن بحجة أن قريشا كلها قرابة " أو ذوي قربى ( 3 ) للنبي وفي ما بعد بررت هذه الأعمال بأنها اجتهاد ( 4 ) .
أنت تلاحظ أن الخليفتين لم يعملا بسنة الرسول القائمة على إعطاء 1 / 5 الخمس لذوي القربى ، ووضعا سنة جديدة لها نتائج مختلفة عن نتائج سنة الرسول ، وأن سنة الرسول المتعلقة بهذا الموضوع قد أهملت بينما أعملت سنة أبي بكر وعمر ! ! ! وهذا معنى إصرارهم على ربط سنة أبي بكر وعمر مع كتاب الله وسنة رسوله ، فكتاب الله وسنة رسوله لا يغنيان عن سنة أبي بكر وعمر ، فلو فصلوا سنة أبي بكر وعمر واكتفوا بكتاب الله وسنة رسوله لوجب وزن أعمال الخليفتين بميزان القرآن والسنة ، وليس من المستبعد إدانتها وفقا لهذا الميزان الشرعي ، وإن أدينا فقد أدين من ساعدهما ، وهكذا تقع الكارثة فلا ينبغي حسب قناعة أولياء الخلفاء أن يسأل الإنسان عن أي شئ ، لأن كل شئ قد فعلوه لحكمة ، فهما هاديان مهديان ! !
|
( 1 ) صحيح مسلم ج 3 ص 12 ، وصحيح البخاري ج 1 ص 181 ، وصحيح مسلم ج 3 ص 117 ، وسنن أبي داود ج 1 ص 212 ، وسنن الدارمي ج 1 ص 383 ، وكتابنا المواجهة ص 268 . ( 2 ) شرح النهج ج 4 ص 81 نقلا عن الجوهري ، وتاريخ الإسلام للذهبي ج 1 ص 347 ، وكنز العمال ج 5 ص 367 . ( 3 ) تفسير الطبري ج 10 ص 5 ، والأموال لأبي عبيد ص 233 . ( 4 ) شرح التجريد للقوشجي ص 408 . ( * ) |
| |
والخلاصة أن حديث " فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ " حديث مختلق وغير صحيح ، وموضوع لأن الخلفاء الراشدين أنفسهم لم يدعوا العصمة ، ولم يدعوا بأن كل ما صدر منهم كله صحيح ، بل اعترفوا بأن الكثير من أفعالهم وأقوالهم كانت خاطئة تماما وأظهروا الندم ، ورجعوا عنها لأنهم اكتشفوا بأنها مخالفة لكتاب الله وسنة رسوله ، وقد سقنا في هذا الكتاب مئات الأمثلة على ذلك ! !
ثم إنه لم يقل أي واحد من الخلفاء الثلاثة عن نفسه بأنه هادي ومهدي وراشد ، ولا ادعى أي واحد منهم بأن الرسول قد قال له مثل هذا القول ، وهذا تأكيد قاطع بأن أولياءهم هم الذين اخترعوا هذه الفضائل في ما بعد ! !
ثم إنه من المستحيل عقلا وشرعا أن يعطي الرسول لسنته وسنة الخلفاء القيمة نفسها ، فالرسول مدعوم إليها بالوحي ، ومعصوم عن الوقوع في الزلل ، والخلفاء مجتمعون ومنفردون لم يدعوا بأنه كان يوحى إليهم ، أو أنهم كانوا من المعصومين ! !
ثم إنه من المستحيل فنيا أن يكون في المجتمع الواحد أكثر من جهة تشريعية وإلا وقع التناقض في الأحكام التي تطرح للتطبيق ! !
ثم إن الرسول لم يحدد من هم الخلفاء الراشدون - تاريخيا - ، وتعرضت قائمة الخلافة الراشدة للتبديل والتعديل ، فكانوا في البداية اثنين هما أبو بكر وعمر ونتيجة حكم بني أمية وتأثيرهم أضيف لهما عثمان ، وبعد التسوية ، قام بعض علماء دولة الخلفاء بإدخال الإمام علي مع هذه القائمة ، الإمام نفسه الذي كانوا " يلعنونه بالأمس " وأكبر الظن بأنهم قد أدخلوا الإمام بهذه القائمة لغايات تجميلها وإلباسها ثوب الشرعية ، والحصول على تأييد أهل بيت النبوة لهذه القائمة ويقينا بأن هذا الحديث مختلق ، وقد وضعته الطواقم التي أنشأها معاوية بن أبي سفيان لافتعال الفضائل لا حبا بالخلفاء ، ولكن طمعا بتمييع النصوص الشرعية الواردة في الإمام علي خاصة وأهل بيت النبوة عامة ،
وتضييع هذه النصوص ، وسط محيط الفضائل التي اختلقتها طواقمه " فلا تدعوا فضلا يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب وأهل بيته إلا وتأتوني بمناقض له في الصحابة " ( 1 ) فكل الفضائل التي روتها طواقم معاوية مفتعلة كما يقول ابن نفطويه ، والغاية منها إرغام أنوف أهل بيت النبوة وبني هاشم ، ومع هذا فقد أمر معاوية رعيته بحفظ هذه المفتعلات ، ولما أفرجوا عن منع كتابة ورواية أحاديث الرسول وجد علماء السنة هذه الروايات كوثائق من وثائق دولة الخلافة ، فنقلوها كما هي .
فالحديث واحد من تلك المرويات المفتعلة ، وقد اتفق مع هوى أولياء دولة الخلافة ، فطاروا به كل مطار . فيبقى السند الوحيد لسنة أبي بكر وعمر ، أو سنة الخلفاء هو التأييد الشرعي الجارف لهما ، ولا سند لهذه السنة لا من كتاب الله ولا من سنة رسول الله ولا من العقل ! ! ! لأن كتاب الله وسنة رسوله يغنيان عن سنة أبي بكر وعمر وسائر الخلفاء كما حللنا وأثبتنا ذلك . ويدعي البعض أن هنالك سندا شرعيا آخر لسنة أبي بكر وعمر أو سنة الخلفاء وهو الإجماع ! ! ! بمعنى أن الخلفاء سنوا سننهم على مسمع ومرأى من الصحابة الكرام ، فلو كانت سنن الخلفاء غير مناسبة لاعترض عنها الصحابة الكرام ، فسكوت الصحابة عنها هو بمثابة إجماع على شرعيتها ! !
ولكن هذا الكلام غير صحيح واقعيا وشرعيا ، أما من الناحية الواقعية فقد كان القول الفصل للخليفة وعماله وأعوانه ، فقد أشار الصحابة جميعا على عمر بكتابة سنة الرسول وتدوينها ، ولكن عمر ترك إجماع الصحابة وعمل برأيه الخاص ! ! فأحرق سنة الرسول المكتوبة والتي أشار عليه الصحابة جميعا بجمعها وتدوينها ! ! ثم إن الإجماع لم يتحقق ولو في يوم من الأيام ،
|
( 1 ) شرح النهج ج 3 ص 595 - 596 تحقيق حسن تميم . ( * ) |
| |
فأهل بيت النبوة والقلة المؤمنة كانوا خارج هذه الإجماع ، فاعترضوا علنا على سنة الخلفاء ، وطعنوا بشرعيتها ، بل اعترضوا على شرعية تنصيب الخلفاء ، فقالوا إن الخلافة حق شرعي خالص لهم ، وإن الخلفاء قد غصبوا هذا الحق من أهله ! فما هو شرعية إجماع أهل بيت النبوة ليسوا فيه ! ! !
ثم إن هنالك مناخا من الرعب والإرهاب لا مثيل له ، فلا يستطيع أحد أن يعترض الخليفة أو أعوانه إلا في الحدود التي رسمها الخلفاء وأعوانهم ، ولا يستطيع أحد أن يقول الحقيقة ، لأن قول الحقيقة يعني الموت ، أو مواجهة خاسرة مع دولة كبرى ، أو قطع العطاء ، أو الحرمان من كافة الحقوق والعزل الاجتماعي وقد رأينا ما قاله حذيفة " لو كنت على شاطئ نهر وقد مددت يدي لاغترف ، فحدثتكم بكل ما أعلم ما وصلت يدي إلى فمي حتى أقتل " ( 1 ) وحذيفة من كبار الصحابة وليس رجلا عاديا ، ومع هذا فإن الموت ينتظره إن كشف شيئا من الحقيقة ! !
فانظر إلى قول أبي هريرة " حفظت من رسول الله وعاءين أما أحدهما فبثثته ، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم " ( 2 ) ثم انظر إلى قول آخر لأبي هريرة " إني لأحدث أحاديثا عن رسول الله تكلمت بها زمن عمر لشج رأسي " ( 3 ) ولا أحد يدري ما جرى للصحابي الكبير أبي بن كعب ، يوم حل الصمت فقال : " لأقولن قولا لا أبالي استحييتموني عليه أو قتلتموني " ( 4 ) وترقب الناس الموعد الذي حدده هذا الصحابي الكبير لكشف الحقائق ، وفجأة بلغ الناس موته ، فحمدوا الله أن سترهم ! ( 5 )
أنت تلاحظ أن منية هذا الصحابي الجليل ما دنت إلا يوم هدد بكشف الحقائق ، ولو لم يهدد لعاش طويلا ! ! !
|
( 1 ) كنز العمال ج 13 ص 345 نقلا عن ابن عساكر . ( 2 ) صحيح البخاري ج 1 ص 34 . ( 3 ) البداية والنهاية لابن كثير ج 8 ص 107 . ( 4 ) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 3 ص 501 ، والحاكم باختصار ج 2 ص 329 وج 3 ص 303 . ( 5 ) المسترشد لابن جرير الطبري ومعالم التفسير ج 1 ص 57 . ( * ) |
| |
هذا هو المناخ الواقعي الذي يدعون حدوث الإجماع فيه ! ! !
أما من الناحية الشرعية فإن الإجماع ، لا يضع حكما شرعيا ، ولا يمكنه أن يعدل حكما شرعيا ، يمكنه أن يؤكد أو يكشف عن حكم شرعي سابق ثم إن الإجماع بطريقة القوم ليس شرعيا ولا معقولا ، فبعد فتح مكة ودخول العرب في دين الله أفواجا واستسلام أعداء الله السابقين ، أصبح المؤمنون قلة وسط أكثرية حديثة العهد بالإسلام ، فماذا يكون الموقف لو أن هذه الأكثرية الساحقة قد أجمعت على الاعتراف بالنبوة ، والالتزام بالإسلام ، ولكنها رأت من المناسب أن تسند القيادة لأبي سفيان بدلا من الرسول ، أو إباحة الخمر ، أو اعتبار الطلاق طلقة واحدة بدلا من طلقتين ، أو إباحة الزواج بخمس نساء بدلا من أربعة ، فلو جرى تصويت على ذلك ، لما قدمت القلة المؤمنة ولا أخرت ولكان الفوز الساحق من نصيب الأكثرية ! ! ولهزمت الأقلية المؤمنة هزيمة ساحقة بهذه الانتخابات ، فالإجماع والكثرة والقلة لها موازين شرعية تحكمها ويجهلها القوم .
والخلاصة أن دعوى الإجماع على صحة سنة الخلفاء غير واردة وغير صحيحة ، ولا تشكل سندا شرعيا لهذه السنة ! !
|